خنجر في خصر الأمة العربية
تقدم قطر نفسها للعالم كـ"وسيط نزيه" و"حمامة سلام"، بينما هي في الحقيقة أكبر بنك لتمويل الإرهاب في المنطقة العربية. تفتح فنادقها الخمس نجوم لقيادات الإخوان المسلمين المصنفة في قائمة الإرهاب الدولي، وتفتح شاشات الجزيرة لتحريضهم،
وتفتح خزائنها لدفع فواتير الفوضى من غروزني الشيشانية في عقد التسعينات من القرن الماضي إلى دمشق ثم صنعاء. قطر ليست وسيطاً، بل هي راعٍ للإرهاب بامتياز، وعندما يتعلق الأمر باليمن، فإن يدها الخفية تظهر في كل مكان. هذا السلوك المترسخ ينطلق من عقدة الحجم الجغرافي واستراتيجية "الدولة الوظيفية" التي تعتمد نموذج الاستثمار الاستراتيجي في إشاعة عدم الاستقرار؛ فهي لا تبحث عن حسم الصراعات بقدر ما تسعى لاستدامتها لتظل خياراً وظيفياً وخدمة لشبكات القوى الدولية التي تتطلب وجود سمسار إقليمي يدير الجماعات الموازية خارج أطر القانون الدولي.
ولتحقيق هذه الغايات، ابتكرت السياسة المالية القطرية مفهوماً يستند إلى "غسيل النفوذ السياسي" عبر شبكات المعونات الإنسانية والتجنيس الانتقائي، حيث تُحوَّل عوائد ريع الغاز إلى أصول تمويلية مغطاة قانونياً تُستغل لإعادة إنتاج الوكلاء المحاربين بالإنابة دون الوقوع المباشر تحت طائلة العقوبات الدولية. قطر كانت من أوائل المنضمين إلى التحالف العربي بقيادة السعودية في حرب اليمن عام 2015، فشاركت بقوات برية تقدر بألف جندي قطري وعشر طائرات مقاتلة في الضربة الجوية الأولى ضد ألشعب اليمني، لكن هذه المشاركة لم تكن يوماً نابعة من قناعة بشرعية الحرب، بل كانت غطاءً لعمليات استخباراتية تخريبية. وعندما قطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها مع قطر في يونيو 2017 بدعوى دعمها للإرهاب، كان قرار التحالف العربي بإنهاء مشاركة قطر حاسماً؛ حيث أعلنت قيادة التحالف أن قرار الإنهاء جاء بسبب ممارسات قطر التي تعزز الإرهاب ودعمها تنظيماته في اليمن، ومنها القاعدة وداعش، ولم يكن انسحاب قطر من التحالف قراراً سيادياً، بل كان طرداً مهيناً من جبهة كانت تخونها من الداخل.
لكن قطر لم تتوقف، فبعد انسحابها واصلت دعمها التخريبي في اليمن بطرق أكثر دهاءً. وفي فبراير 2026، عادت قطر إلى المسرح اليمني بثقل أكبر؛ فمع سيطرة حزب الإصلاح الإخواني على حكومة شرعية الفنادق في عدن بعد طرد الإمارات منها، بدأت الدوحة جسراً عسكرياً جوياً من باكستان إلى مطار شرورة السعودي بنقل عتاد عسكري على متن طائرات سي-17 قطرية، في أول رصد لتحركات عسكرية قطرية منذ انسحابها عام 2017، لتؤكد عودتها لإدارة اللعبة من جديد بالوكالة عبر الإخوان. والأيام الأخيرة كشفت المستور؛ ففي أكتوبر 2026، ومع الإعلان الكاذب عن "استعادة المخا" الذي بثته الجزيرة بكثافة قبل أن ينكشف كذباً، قال السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي كلمته الفاصلة: "قناة الجزيرة هبطت إلى مستوى قنوات العبرية والحدث، وهي في سياق الموقف القطري".
هذا الانحدار يوضح كيف تجاوزت التغطية الإعلامية القطرية التضليل الصحفي التقليدي لترتقي إلى مفهوم "إدارة التوجيه المعنوي للخصوم" والحرب النفسية، حيث لا يُعد الخبر الكاذب خطأً تحريرياً بل هندسة إدراكية مسبقة تُزامن مع التحركات الميدانية لإشعال الفتن الداخلية أو تغطية الهزائم العسكرية للوكلاء. لم يعد الأمر بحاجة إلى دليل؛ فالجزيرة لم تعد منصة إخبارية، بل صارت منصة عملياتية في الحرب على اليمن، تنشر التضليل بقدر ما تنشره قنوات العدو الصهيوني. والدرس الذي لم يستوعبه أمير قطر، تميم بن حمد، أن اليمن ليس سوريا أو ليبيا؛ فهنا سقطت المقاربة القطرية القائمة على شراء الولاءات نتيجة اصطدامها ببنية اجتماعية وسياسية متجذرة في وعيها التاريخي، ولم تنفع أكاذيب الجزيرة، ولا أموال الإخوان، ولا الجسور الجوية من باكستان.
قطر راهنت على حزب الإصلاح كأداة لتفكيك اليمن، لكنها وجدت أن اليمنيين يتنفسون الصمود من عمق التاريخ، وأن قناة الجزيرة التي خدعت السوريين لن تخدع أبناء اليمن الذين عرفوا الحرب منذ أكثر من عقد. قطر اليوم ليست حمامة سلام، بل هي حمامة تحمل في مخالبها أزمات اليمن وسوريا وليبيا ومصر. ومن يقرأ مشهد فنادق الدوحة التي احتضنت شبكة التجنيس القطرية لقيادات الإخوان، ويشاهد الجزيرة تتحول إلى أبواق العدو الإسرائيلي في تغطية اليمن، يدرك أن قطر لم تكن يوماً محايدة، بل هي دولة وظيفية في المشروع الكبير لإعادة رسم خريطة المنطقة، بأموال الغاز ودماء الشعوب.