صنعاء توجه ضربة معلم لتحشيدات العدو السعودي في معسكر العلم

في الوقت الذي تواصل فيه السعودية حشد المقاتلين وضخ الأموال والأسلحة لإعادة ترتيب أوراقها العسكرية في اليمن جاءت الضربة الصاروخية التي نفذتها قوات صنعاء على معسكر العلم بمحافظة شبوة لتكشف عن مأزق متفاقم يواجه استراتيجية الرياض،

صنعاء توجه ضربة معلم لتحشيدات العدو السعودي في معسكر العلم

بعدما امتدت الضربات إلى مراكز تجنيد وتدريب التحشيدات السعودية وأصبحت تجمعاتها العسكرية عرضة للاستهداف قبل وصولها إلى جبهات القتال.

أهمية استثنائية للعملية
وتكتسب العملية أهمية استثنائية مع وقوعها ضمن سلسلة هجمات أعلنت صنعاء تنفيذها خلال أكتوبر ضد مواقع الحشد والإمداد في عدن ومأرب والجوف، في تطور يضع السعودية أمام معادلة عسكرية شديدة التعقيد، تتجاوز كلفة تجنيد القوات وتسليحها إلى القدرة على حمايتها والحفاظ على جاهزيتها، ويثير تساؤلات حادة حول جدوى الرهان السعودي على مواصلة الحشد العسكري في مواجهة تتسع جبهاتها وتتضاعف تكاليفها.
وأسفرت الضربة التي وجهتها قوات صنعاء ضد التحشيدات السعودية في معسكر العلم بشبوة والتي نُفذت بثلاثة صواريخ باليستية، عن مقتل وجرح المئات وفق حصيلة اولية وسط معلومات متداولة عن خسائر أكبر ووجود ضباط سعوديين بين الضحايا
وتتضاعف أهمية ضربة العلم عند ربطها بسلسلة العمليات التي أعلنت قوات صنعاء تنفيذها خلال أكتوبر ضد مواقع عسكرية وتحشيدات مدعومة سعودياً في عدن ومأرب والجوف، وعلى محاور أخرى من المواجهة. ففي السادس من أكتوبر، استهدفت قوات صنعاء محيط مطار عدن، وأعلنت في السابع من الشهر نفسه أن العملية طالت إمدادات عسكرية في معسكر بدر، قبل أن تعلن مجدداً في السادس عشر من أكتوبر استهداف مقر قيادة ومخازن أسلحة داخل المعسكر، في عمليات تعكس تركيزها المتزايد على مراكز القيادة والتجهيز العسكري.

مواجهات وأبعاد استنزاف
تشير هذه التطورات إلى تحول مؤثر في طبيعة الضغوط التي تواجهها الرياض؛ إذ أصبحت مواقع الحشد والتدريب والإمداد عرضة لهجمات تهدد انتظام عمليات إعادة بناء القوات قبل وصولها إلى جبهات القتال.
ويمنح ذلك المواجهة بعداً استنزافياً يتصل بالوقت والموارد والجاهزية، ويزيد الأعباء التي تتحملها السعودية في سبيل المحافظة على تشكيلاتها العسكرية وتجديد قدراتها البشرية والتسليحية.
بالتالي تجد الرياض نفسها أمام مفارقة عسكرية قاسية؛ فالأموال التي تضخها لتجنيد المقاتلين وشراء الأسلحة وإعداد الوحدات الجديدة تصطدم بواقع ميداني تستطيع فيه قوات صنعاء مهاجمة تجمعات عسكرية ومواقع إمداد في مناطق متعددة.

ازدياد حدة المأزق السعودي
وتزداد حدة المأزق السعودي مع ارتباط جاهزية التشكيلات الجديدة بسلسلة مترابطة من عمليات التجنيد والتدريب والتسليح والانتشار. فكل ضربة تطال إحدى هذه المراحل تفرض تكاليف إضافية، وتعرقل الجداول الزمنية لإعداد القوات، وتستنزف الكوادر التي تحتاج إليها الرياض لتوسيع عملياتها البرية. وتتضاعف هذه التكاليف مع استمرار الهجمات على مواقع متعددة وتزايد الحاجة إلى تعزيز القوات الموجودة في الجبهات.
علاوة على ذلك تتحمل الرياض المسؤولية الكاملة عن تداعيات تصعيدها العسكري المتواصل في اليمن، بعدما حوّلت المجندين اليمنيين إلى وقود لمغامراتها العسكرية، ودفعت بهم إلى معسكرات وتشكيلات تموّلها وتسلّحها في محاولة لإعادة إحياء رهاناتها العسكرية المتعثرة.
ومع تصاعد الضربات التي تطال هذه التحشيدات، تتضاعف الخسائر البشرية والمادية، وتتعمق أزمة الاستراتيجية السعودية التي تواصل استنزاف اليمنيين والزجّ بهم في حرب تدفع البلاد ثمنها منذ سنوات، بينما تصرّ الرياض على مواصلة النهج العسكري ذاته رغم كلفته المتصاعدة.

مؤشر على أزمة أعمق
بالمجمل تبدو ضربة معسكر العلم، في هذا السياق، مؤشراً على أزمة أعمق تواجه المشروع العسكري السعودي في اليمن. فاستمرار عمليات الحشد والتسليح أصبح مرتبطاً بقدرة الرياض على حماية القوات أثناء إعدادها ونقلها وإسنادها، وهي مهمة تزداد صعوبة مع امتداد التهديدات الصاروخية إلى مناطق كانت تُستخدم لتجميع التعزيزات وإعادة تنظيم الوحدات.
كما تضع هذه التطورات القيادة السعودية أمام حصيلة ثقيلة لسنوات طويلة من عدوانها على اليمن في وقت تواصل فيه صنعاء فرض تحديات جديدة على حساباتها الميدانية.
وإذا استمر هذا المسار، فإن كلفة بناء القوات وتجهيزها مرشحة للارتفاع، مع انعكاسات مباشرة على قدرة الرياض على المحافظة على وتيرة عملياتها العسكرية.
وهكذا، تتجاوز الرسالة التي تحملها ضربة معسكر العلم حدود شبوة لتصل إلى جوهر الاستراتيجية السعودية في اليمن؛ فالمملكة التي أنفقت موارد هائلة على الحرب تجد نفسها أمام معضلة تتعلق بحماية القوات التي تموّل تشكيلها، والمحافظة على جاهزيتها، وضمان استمرارية إمدادها.
في المحصلة، تضع هذه التطورات الرياض أمام حصاد ثقيل لسنوات من عدوانها على اليمن، بعدما تحولت سياسات التصعيد التي انتهجتها إلى مصدر متزايد للتهديدات التي تطال أمن المملكة ومصالحها الحيوية.
ومع انتقال المواجهة إلى عمقها الاقتصادي والعسكري، تتكشف حدود الرهان السعودي على المال والسلاح والتحشيدات بوصفها أدوات لفرض الوقائع الميدانية.
حيث تبدو القيادة السعودية اليوم أسيرة استراتيجية تستنزف مواردها وتضاعف أعباءها، فيما تواصل صنعاء توسيع نطاق عملياتها وفرض تحديات جديدة على حسابات الرياض. وهكذا، فإن الإصرار السعودي على إعادة إنتاج الحرب بالأدوات ذاتها يكرّس مأزقاً سياسياً وعسكرياً تتحمل المملكة تبعاته، ويدفع بها نحو مواجهة أثمان متصاعدة لخيارات عجزت طوال سنوات عن تحقيق الحسم الذي راهنت عليه.


طباعة