السيسي.. بين وصاية المال الخليجي والمزاج المصري العام الرافض لتركيع مصر
التجربة المريرة التي خاضتها السعودية في اليمن منذ العام 2015 ( عام الانزلاق نحو ورطة اللا مخرج ) دفعتها للبحث يميناً وشمالاً علها تجد منقذاً أو من ينتشلها من هذا المنزلق الإعيائي القاتل..
بين التحالفات المختلفة ومتعددة المهام وشراء أحدث الأسلحة ومزيد من الابتزاز الأمريكي الغربي على ضوء ذلك تاهت السعودية أكثر فأكثر، حتى اضطرت إلى الموافقة على هدنة هشة، استمرت لسنوات لم تقيها مما كانت وما زالت تعتبره خطراً محدقاً بها في المحيط، بناءً على تضارب الأهداف والتوجهات السياسية والعسكرية لإدراكها جيداً حتمية التضاد بينها وبين من يتحدث عن مشروع نهضة ونفير أمة مسلمة في وجوه أعدائها للتخلص من الهوان الذي وقعت فيه، نتيجة السياسات التي انتهجتها أنظمة ودول في المنطقة كانت هي معول الهدم الذي استخدمه الأعداء للنيل من هذه الدول والمنظومة الإسلامية أجمع ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب.. تفاصيل في سياق التقرير التالي :
وسيم عبدالله حليف
بل وصل الأذى الممول سعودياً إلى دول إسلامية بعيدة، كأفغانستان وغيرها، هذه الدول التي كانت وما زالت في ذات المهمة العدائية والتركيعية للأمة، خدمة للأعداء دون أدنى شك، على رأسها السعودية. وهنا التناقض بين مشروعين ترى الرياض في المشروع المقابل الخطر الذي يتهددها والذي على رأسه صنعاء ومن يحكمها اليوم، لكونها اعتادت على أنظمة عربية طيعة، بسطوة المال وغيره وليس لأن صنعاء تتهدد الرياض من قبيل الاستهداف لأمنها واستقرارها، إنما لهذه الأسباب المرتبطة بتنفيذ مخططات الأعداء ومحاولة أبعاد أي مشاريع مناوئة لتلك المساعي الطامعة والتوسعية في منطقتنا.
صناعة الزعامات المنبطحة
منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر، والرياض وأبو ظبي ودول الردة في المنطقة تتربص بمصر وتحاول إعادتها الى حظيرة العمالة للأعداء، حتى نجحت في الثلاثين من يونيو من العام 2013 في إسقاط هذه الثورة بعد أن مولت انقلاب عسكري أوصل عبدالفتاح السيسي المصنوع سعودياً وإماراتياً إلى سدة الحكم في جمهورية مصر العربية، ومنذ ذلك الحين ترزح القاهرة تحت وطأة حكم بالوكالة وفُرضت وصاية كاملة على القرار المصري وسقطت مكانة مصر وهيبتها بين الأمم بالبترول والمال الخليجي الوسخ وتجسد كل ذلك سريعاً في جملة من المواقف الفاضحة التي اتخذتها السلطة العسكرية الجديدة في مصر حتى أتت فضيحة بيع الجزر المصرية ( تينار وصنافير )، وإقرار نظام السيسي علناً بسيادة النظام السعودي عليهما وهو ما تسبب حينها في جدل واسع النطاق في الداخل المصري وخارجه، لكن مضي السيسي في الانبطاح دفن هذه القضية إلى غير رجعة، وأصبحت أمرا واقعاً لم يعد يتحدث عنه أحد، وما حفي من التفاهمات الاستيطانية التي منحت كل من الرياض وأبو ظبي حق العبث بالسيادة والمقدرات المصرية كان الكثير والكثير تحت عناوين الاستثمار وغيرها.
محاولات إيقاع متكررة
لو عدنا إلى العام 2015، والتحالف الذي أعلنت من خلاله الرياض الحرب على اليمن والذي كانت مصر من بين الدول التي اُعلن عضويتها في هذا التحالف، فقد حاولت الرياض وأبو ظبي جر الجيش المصري إلى حرب برية في اليمن، على غرار الجيش السوداني وتشكيلات مسلحة رديفة له، من جنجويد وغيرها وكانت التجربة السودانية مريرة جداً بالنظر للتضحيات التي قدمها السودانيون دفاعاً عن السعودية ونظامها طيلة سنوات، قتل فيها أعداد كبيرة منهم ودُفنوا في صحارى وشعاب اليمن، وفي حدود المملكة السعودية بلا هدف ولا قضية، سوى المال الذي يتقاضونه وفتافيت الإعانات إن وجدت، التي كان يتحصل عليها نظام السودان آنذاك والذي بالمناسبة اُطيح به في ثورة سودانية جارفة لاحقاً دون أن تقدم له الرياض شيئاً في سبيل منعه من السقوط وأعانته على البقاء في وجه تلك الثورة، كما فعلوا في بلدان أخرى، في الوقت الذي كان وما زال نظام الخرطوم يبعث بدفعات من جنوده كـ قرابين على حدود المملكة ومثّل ذلك السقوط درساً قاسياً لكل من كان يرى في الإسناد السعودي الإماراتي طوق نجاة أمام انتفاضات الشعوب الغاضبة، لكن السيسي ورغم سرعة انخراطه في ذلك التحالف إلا أنه نجا من التوريط الفعلي في تلك المرة تحت ضغط الشارع المصري وبعض النخب هناك التي لطالما حذرت من مغبة الوقوع في ورطة التدخل العسكري المباشر في اليمن، مستندة إلى تجربة قاسية للجيش المصري هناك في ستينيات القرن الماضي وظل التواجد المصري ضمن ذلك التحالف أمرا غير مرض بالنسبة لإمارات ومشيخات وممالك النفط في الخليج إلى يومنا هذا.
التركيع بالمال وعصا الأعداء
المتابع لمجريات الأحداث في المنطقة منذ عملية السابع من أكتوبر وحرب الإبادة الجماعية في غزة وحرب الإسناد اليمنية للمقاومة الفلسطينية والحروب التي شنتها كل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على اليمن إلى اليوم، يلاحظ بوضوح الاصطفاف التلقائي للشارع المصري ومعظم التيارات المصرية على تباينها بما في ذلك جماعة الإخوان خلف مشروع المقاومة، متجاوزين كل الخلافات والحسابات الطائفية وغيرها وكيف أن المزاج العام في مصر يدرك حقيقة الخطر الذي يمثله انفراد الكيان الصهيوني والقوى الداعمة له بالدول والحركات المقاومة في هذه الجغرافيا، وكذلك خطر هرولة أنظمة الخليج نحو التطبيع العلني الكامل مع هذا الكيان وما قد يتشكل من مهددات كبرى لاستقرار مصر الدولة التي كان يعتقد الجميع أنها من يجب أن تحمل على عاتقها الكثير من المسؤوليات تجاه هذه القضايا كافة، خصوصاً الصراع العربي الصهيوني القائم منذ عقود، لكن صدق الانتماء الشعبي المصري لقضايا الأمة لم يكن كافياً في ظل نظام أستند منذ اليوم الأول إلى أنظمة التطبيع العربية، خصوصاً في الرياض وأبو ظبي وكان لها خير مطيع بالمال وعصا الأعداء ومهددات مصر الكبرى، كالكيان الصهيوني وغيره من الأخطار التي يبتزون مصر بها، سيما الاقتصادية منها.
الخلاف الخليجي وتقزيم دور مصر
الخلاف السعودي الإماراتي، وصراع النفوذ في اليمن الذي ظهر على السطح خلال المواجهات التي خاضتها قوى وتشكيلات مسلحة موالية للطرفين في محافظات جنوب وشرق اليمن، كان له انعكاسات واضحة على مصر والسياسة المصرية تجاه كلا الطرفين، فكان من الطبيعي أن يعيش النظام المصري حالة من الارتباك والتخبط، كنظام مزدوج العمالة والارتهان للدولتين في آن واحد، وتلعثم حينها حتى الخطاب الرسمي المصري والإعلام المصري الذي يدور في فلك السلطة ناحية ما حدث في اليمن حينها من انفكاك قسري بين قطبي تحالف لطالما جمعهما الارتهان لمخططات أعداء الأمة وفرقهما تضارب أهدافهما في اليمن، خصوصاً بعد سنوات من خوضهما جنباً إلى جنب معركة خاسرة في اليمن، أدى ذلك إلى توهان أهدافهما من هذه الحرب واتجها نحو سباق سيطرة ونفوذ في محافظات أخرى، بعيدة عن مناطق الاشتباك مع صنعاء، حتى حصل ما حصل في حضرموت والمهرة من صراع دموي، أسفر عن تفوق ميداني سعودي، انتهى بأن أوعزت الرياض إلى العليمي باتخاذ قرار يقضي بإنهاء مهمة القوات الإماراتية في اليمن، ليس من أجل العبث الذي أحدثته أبو ظبي طيلة سنوات مضت، إنما نزولاً عند رغبة الأكثر سيطرة على العليمي وحكومته والأكثر تحكماً بهم، حينها لم تكن مصر السيسي في المستوى الذي يؤهلها للعب دور الوسيط لمحاولة رأب الصدع بينهما، ما دفعها إلى ما يشبه النأي بالنفس وكان تقزّم الدور المصري في المنطقة ككل ضمن أحد أهداف الرياض التي لطالما سعت بكل ما أمكنها من مقومات إلى تهميش وتبديد أي دور عربي فاعل، ترى أنه قد ينافسها على الريادة التي تتوهمها على الدوام.
الركوع أخيراً
أعاد التصعيد السعودي الأخير في اليمن، الى الواجهة من جديد النهج السعودي الدائم في البحث عن جيوش بديلة لخوض المعارك العسكرية بدلاً عن جيشها المتخم بالنعيم الدنيوي، فكانت الوجهة هذه المرة تركيا التي كان الأمر شبه المستغرب أن وافقت على الانخراط في حلف عسكري مع الرياض، ولا غرابة في ظل سطوة المال على العالم، وكذلك باكستان التي كان من الطبيعي أن تفعل ذلك وهي الأحوج لاسترضاء القيادة السعودية والأكثر ارتباطاً بها تاريخياً لذات الأسباب التي اخضعت الجميع لسطان النفط وأعلنت الدول الثلاث ما اسمي بـ (حلف مكة ) الدفاعي وإن ظل ما أعلن مجرد حبر على ورق عدا بعض التصريحات أو بعض شحنات الأسلحة والمعدات العسكرية والتي يبدو أنها لم تكن عند مستوى تطلعات الرياض، ما دفعها إلى البحث عن وجهة أخرى، وبكل تأكيد ستكون مصر على الرادار السعودية، كما هي العادة في ظل نظام الطاعة الذي يحكم أكبر دولة عربية وفق ما يُرسم له من هناك، حتى أعلن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في خطاب مصور الاستعداد لإرسال قوات مصرية للدفاع عن السعودية. وقال السيسي بالنص : “مصر طبقاً لتوجيهات الملك سلمان وولي العهد ستنفذ أي إجراء لحماية السعودية والدفاع عنها ".
موجة من السجال الواسع
ليفتح بذلك موجة من السجال الواسع وصل قبة البرلمان المصري رغم الأغلبية المطلقة المؤيدة لنظام السيسي بما أن هذا البرلمان كان نتاج انتخابات صورية شهد الجميع بعدم نزاهتها وغياب التنافسية الحقيقية فيها، ورغم كل ذلك فشل البرلمان في جلسته المخصصة لإقرار عمل عسكري مصري، دفاعاً عن السعودية في التصويت وأرجئ الأمر الى جلسة أخرى في اليوم التالي، فشلت هي الأخرى في الوصول إلى تصويت على هذا القرار رغم ما ذكرناه من سيطرة سيساوية على البرلمان، لكن المخاوف من تبعات أي تدخل عسكري في اليمن سيطر على كل شيء هناك على ما يبدو حتى كتابة هذا التقرير على الأقل، وتم تأجيل الجلسة المخصصة لذات الغرض للمرة الثالثة حتى الاثنين المقبل وسط تضارب الترجيحات حول مخرجات هذه الجلسة في نهاية الأمر وما سيسفر عنها من قرار.
ووافق مجلس الدفاع الوطني المصري برئاسة السيسي على قرار السيسي بالتدخل العسكري دفاعاً عن السعودية وركع السيسي أخيراً ووقع الانحناء الذي أغضب نائب برلماني مصري صاح بأعلى صوته في الجلسة الأولى المخصصة لمناقشة هذا القرار والتصويت عليه، بما معناه أنه لا يمكن إخضاع مصر أو ابتزازها وأن هناك التزامات اقتصادية على العالم ودول في المنطقة لـ مصر يجب أن تُعطى دون محاولات جر مصر إلى معتركات لا ناقة لها فيها ولا جمل أو كما قال.