الشهيد البطل الفريق الركن محمد عبدالكريم الغماري: مهندس الردع والقائد العسكري الاستثنائي الذي أعاد لليمن كبرياءه السيادي
في محاريب العظمة ليس كلُّ موتٍ غياباً، وليس كلُّ رجلٍ رُكناً.. إنما الركنُ من ثبَتَ بأمرِ الله، فصار الثباتُ اسمه، وصار الموتُ في سبيل الله بالنسبة له ميلاداً جديدا ..
وفي سِفرِ العزة اليمنيّ، خُطَّت صفحاتٌ لن تُمحى، سُطِّرت بدمِ الفريق الركن الشهيد المجاهد محمد عبدالكريم الغماري، "سنوار اليمن" .. ولم يكن هذا الاسم مجردَ رتبةٍ عسكريةٍ تنتهي بصافرة الوداع، بل كان استعارةً حيَّةً للعطاءِ المُطلق، ونموذجاً للقائدِ الذي يُعيدُ صياغةَ التاريخِ بوعيِهِ ويقينِه .. ولذلك فإن ما نحاول تدوينه في هذا التقرير أو القراءة المتواضعة من حروف وكلمات ليست لمُجرَّدَ الرثاءٍ التقليديٍّ، بل بيانٌ في العقيدة، ووثيقةٌ في الولاء، وتحليلٌ عميقٌ لظاهرةٍ قياديةٍ متكاملةٍ صنعتها يَدُ العنايةِ الإلهيةِ في كنفِ المسيرةِ القرآنية .. نسطر هذه الحروف والكلمات لنثبِتَ أنَّ عظمةَ الشهيد الغماري ليستْ في سجلِّ انتصاراتِهِ على الأرضِ فحسب، بل في قُدرتِهِ على دمجِ الروحِ بالاستراتيجية، وتحويلِ الإيمانِ إلى خطةٍ عسكريةٍ لا تقبلُ الانكسار. لقد كان تجسيداً للفهمِ العميقِ لرسالةِ الحقِّ، كانَ رجلاً لا ينظُرُ إلى الأرضِ إلا بوصفِها مُنطلقاً إلى سماءِ العِزة .. تفاصيل :
أصيل علي حسن البجلي
رحيلَ القائد الغماري هو في جوهرهِ انتقالٌ للقدوةِ من حيّزِ الفعلِ المحدودِ إلى فضاءِ الإلهامِ المُطلقِ. لقد ترك لنا سِراً لم يستطعْ العدوُّ أن يُحيطَ به: وهو أنَّ البنادقَ تقفُ خلفَ إرادةٍ صلبةٍ صقلَها التوحيدُ الخالص. لم يكن الغماري يُؤمِنُ بالنصرِ كحظٍّ عسكريٍّ عابِر، بل كان يراهُ قضاءً مُعلَّقاً بالصدقِ في السعي، ومُرتهِناً بالبذلِ والتضحيةِ. فصارَ مثالاً يُحتذى به في زمنِ التخاذلِ، وميزاناً يُوزَنُ بهِ الفِعلُ مُقابلِ القول. لقد جسَّدَ الشهيدُ الغماري مفهومَ القائدِ الجهادي الذي لا يعرفُ الانفصالَ بينَ دينهِ وواجبهِ، فكانت كلُّ خطوةٍ يخطوها ترجمةً صادقةً ليقينِهِ المُتجذِّر.
إنّ شهادتهُ اليومَ هي دليلُنا الأبقى على أنَّ الصدقَ في دربِ اللهِ لا يُثمِرُ إلا عزَّ الدارين. وقد اكتملتْ هذه التضحيةُ الأزليةُ باستشهادِ الابنِ بجوارِ الأبِ، ليُعلِنا معاً أنَّ هذا الميراثَ لا ينقطعُ بينَ الأجيال، بل يُسلَّمُ بالدمِ الزكي. فسلامٌ على الروحينِ التي أوفتا، والجسدَينِ الذينِ ارتقيا ليكونَا شاهدَينِ على خلودِ هذهِ المسيرة.
منهجية قرآنية قيادية وبصيرةُ تُحكِمُ التكتيك
سِمةَ القائدِ الغماري والأساسُ المتينُ الذي صقلَ شخصيته القيادية هو استيعابُهُ المطلقُ لجوهرِ المواجهةِ كما أرادها اللهُ سبحانه. لم يكنْ يرى المعركةَ مجردَ مناوشاتٍ تنتهي بسلامٍ هشّ، بل كانت المعركة في نظره صراعَ إراداتٍ حضاريٍّ أبديٍّ؛ بينَ إرادةِ الحقِّ المُطلقِ المُمثلةِ في المشروعِ الإلهيِّ، وإرادةِ الباطلِ المُتلبِّسةِ بالغطرسةِ الصهيو-أمريكيةِ وأدواتِها. من هنا، استمدَّ ثباتَهُ العسكريَّ من ينبوعِ ثباتِهِ الإيمانيِّ الذي لا يرتوي إلا بماءِ اليقينِ، وهو اليقينُ الذي أعلنتْهُ الآيةُ وعداً وموعوداً بقوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).
لقد قرأَ الغماري هذه الآيةَ بقلبِ المُجاهدِ لا بذهنِ المُتأمِّل؛ فكانتْ في عينيهِ خطةً عسكريةً وإيمانيةً وسياسيةً مُحكمةً. ورأى أنَّ تفعيلَها في الميدانِ يعني أنَّ الأقدامَ يجبُ أن تكونَ ثابتةً في أشدِّ المواقعِ وعورةً وخطراً، كما هي ثابتةٌ على المبدأِ نقاءً ووضوحاً. لقد ترجمَ معنى "تثبيت الأقدام" إلى لغةِ فعلٍ لا تقبلُ المساومة: قيادةٌ ميدانيةٌ تُعافُ الجلوسَ في المكاتب، وتُتقدِّمُ الصفوفَ لتكونَ القدوةَ الحيَّةَ في الموجهة عن قرب . كان تخطيطُهُ لا يعرفُ الكللَ، وإشرافُهُ يلامسُ الخطرَ ليُزيلَ الوهنَ والخوفَ من قلوبِ المجاهدين. هذا الثباتُ ليسَ جُرأةً شخصيةً فحسب، بل هو فعلُ عقيدةٍ مُتعمِّقٍ يترجمُ يقينَ الآيةِ إلى واقعٍ يلمسُهُ الجنديُّ قبلَ القائد.
لقد كان الشهيدُ نموذجاً فذاً في تطبيقِ التوكلِ العملي؛ حيثُ بذلَ الأسبابَ العسكريةَ كاملةً، واستنفدَ كلَّ جهدٍ بشريٍّ في التخطيطِ والتحضيرِ، ثم سلَّمَ الأمرَ للهِ ثقةً مطلقةً بنصرهِ تعالى للمؤمنين . هذه الثقةُ الجبَّارةُ هي التي ولَّدت لديهِ قدرةً خارقةً على توليدِ الحلولِ المُبتكَرة في أشدِّ الظروفِ تعقيداً، وجعلته يواجهُ تحالفَ العدوانِ بأدواتٍ محليةِ المنشأِ، وبإرادةٍ سماويةِ المصدرِ لا تنضبُ. لم يكنْ ليتأخرَ عن جبهةٍ، ولم يكنْ ليتراجعَ أمامَ تهديدٍ، لأنه كان يحملُ في قلبهِ يقينَ الفئةِ القليلةِ التي غلبتِ الفئةَ الكثيرةَ بإذنِ الله.
وفي هذا السياق، كانَ الشهيدُ الغماري تطبيقاً أميناً ومُتفرِّداً للبصيرةِ النورانيةِ التي يؤسسُ لها سيدُنا وقائدُنا السيدُ عبدالملكُ بدرالدينِ الحوثي (حفظه الله). لقد استوعبَ الغماريُّ أنَّ الاستقامةَ على المبدأِ والصدقَ في النية هما أساسُ بناءِ القوةِ العسكريةِ، وأنَّ الإيمانَ هو المصنعُ الحقيقيُّ للرجالِ الذينَ لا تلينُ لهم قناةٌ في مواجهةِ قوى الاستكبارِ والوصايةِ. كانَ يجسِّدُ هذه الاستقامةَ بعمقٍ وتفانٍ؛ فلم يُساومْ على ذرةٍ من ترابِ الوطنِ، ولم يحدْ عن المسارِ المرسومِ رغمَ كلِّ محاولاتِ الإغراءِ أو التهديدِ، وظلَّ مُخلصاً للمشروعِ الإلهيِّ حتى آخرِ نَفَسٍ. كانت بصيرتُهُ أمضى من سلاحِهِ، يرى الحقائقَ المُجرَّدةَ خلفَ سحبِ التضليلِ الإعلاميِّ والسياسيِّ، ويدركُ أنَّ الطريقَ الوحيدَ للخلاصِ هو التسليمُ المطلقُ للهِ والعملُ الدؤوبُ والمخلصُ. هذه هي صناعةُ القادةِ في المسيرةِ القرآنية: تنطلقُ من آيةٍ لتتحولَ إلى ركنٍ متينٍ في أرضِ المعركةِ وفي ساحةِ السيادة، ليصبحَ القائدُ بذاتِهِ مُستَنداً للحقِّ وقبساً يهتدي به السائرون.
تماهي القيادة مع الرحمة في ميزان الغماري
القيادةُ في قاموسِ الشهيدِ الغماري لم تكنْ سلطةً تُفرَضُ من قِمَمِ الهرمِ بقراراتٍ جافةٍ ومنعزلة، بل كانت خدمةً تُقدَّمُ من القائدِ إلى الجنديِّ، ورعايةً تبدأُ من أتونِ الميدانِ وتنتهي عندَ عتباتِ الأُسر. لقد أيقنَ أنَّ المجاهدينَ هم الأجسادُ الحاميةُ للمشروعِ الإلهيِّ، وهم الذراعُ الضاربةُ للوطنِ والأمة. لذلك، كانت سياستُهُ القياديةُ مزيجاً نادراً وفريداً من الشدةِ القاهرةِ على العدوِّ والرحمةِ الفائقةِ للمجاهدين . هذا التوازنُ الروحيُّ والقياديُّ لم يكنْ تناقضاً، بل كان تكاملاً مُستلهماً من السيرةِ المحمديةِ العطرةِ، ومن الوصفِ الإلهيِّ للمؤمنينَ الصادقين:﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.
لقد تجسدت "الشدةُ" في بصمتِهِ العسكريةِ على خارطةِ الصراع؛ في تخطيطهِ الاستباقيِّ الذي أربكَ العدوَّ في أعتى الجبهاتِ، وفي ضرباتِهِ الموجعةِ التي أثخنتْ في صفوفِ المعتدينَ وأحبطتْ مخططاتِهم التوسعيةِ التي بُنيتْ على الوهم. كان لا يتهاونُ في حقِّ الوطنِ والأمةِ قيدَ أنملة، فكانَ سيفاً مسلولاً على أهلِ البغيِ والطغيانِ والاحتلال. لقد كان مهندسَ الردعِ الذي غيَّرَ قواعدَ الاشتباكِ وأعادَ لليمنِ كبرياءَهُ السياديَّ، وحملَ همَّ الأقصى في كلِّ قرارٍ استراتيجيٍّ اتخذَهُ، ليُثبتَ أنَّ جغرافيةَ الإيمانِ لا تعترفُ بالحدودِ المصطنعة.
في المقابل، تجلَّت "الرحمةُ" في منهجهِ القياديِّ المباشرِ الذي نبذَ البروتوكولاتِ والعزلةَ المكتبية. لقد كان الغماري يرى أنَّ رعايةَ الجرحى وأسرِ الشهداءِ وتفقُّدَ أحوالِ المقاتلينَ الأفرادِ هي جزءٌ لا يتجزأُ من العملِ الجهاديِّ ذاتِهِ، بل هي تطبيقٌ عمليٌ لأخلاقِ القرآنِ وإكرامٌ لمن صدقَ مع الله. كانَ يولي الجانبَ الروحيَّ والمعيشيَّ للجنديِّ نفسَ الأهميةِ التي يوليها للتخطيطِ للمعركة؛ لأنَّهُ يدركُ أنَّ العزيمةَ ترتبطُ بالاطمئنانِ الروحيِّ والماديِّ. كان هذا البعدُ الإنسانيُّ العميقُ هو ما منحَ شخصيتَهُ لقبَ "السنوار" في وجداننا، لأنه كان ملاذاً آمناً لمن حوله، يحملُ آلامَهم كما يحملُ همَّ المعركة. هذا التوازنُ بينَ القوةِ والرأفةِ هو الفلسفةُ القياديةُ التي تميِّزُ القادةَ الربانيينَ عن قادةِ المصالحِ الدنيويةِ الزائلة. ففي الوقتِ الذي كانَ فيهِ عقلُهُ يخططُ لمواجهةِ أساطيلِ العدوانِ، كانَ قلبُهُ يرقُّ لجراحِ المجاهدين، وهذا هو تعريفُ القيادةِ الشموليةِ في أبهى صورها.
ذروة المجد في طلب الشهادة واعتناق الخلود
القائدُ الحقيقيُّ لا يقودُ إلى النصرِ المؤقتِ فحسب، بل يقودُ إلى الحقيقةِ المُطلقةِ والخلودِ الأبديِّ. والشهيدُ الغماري كان يعيشُ بقلبٍ يتوقُ إلى لقاءِ الله، وكانَ يرى أنَّ كلَّ نجاحٍ عسكريٍّ، وكلَّ انتصارٍ يُحقَّقُ على الأرضِ، هو مجردُ خطوةٍ تقرِّبُهُ من الهدفِ الأسمى: الشهادةُ في سبيلِ اللهِ. وقد زادَ هذا البذلُ جلالاً وجمالاً حين ارتقى معه قرةُ عينيهِ، الابنُ الشهيدُ، ليُكملا معاً سِفرَ التضحيةِ، وليكونَ الدمُ عهدَاً مُضاعفاً بينَ الأجيال.
لقد كانتْ حياتُهُما كلها استثماراً في مشروعِ التضحيةِ الذي لا يفنى، لأنهما أدركا حقيقةَ النصرِ الأكبرِ والحياةِ الأبقى التي وعدَ بها اللهُ الصادقين، وأنَّ الدنيا مجردُ ممرٍّ زائلٍ لا يستحقُّ التشبثَ بهِ. كان هذا اليقينُ المُطلقُ هو سرُّ صمودِهما الأسطوريِّ في أشدِّ المواقعِ، وهو ما جعلهما لا يخشيا الموتَ، بل يتقدما بثباتٍ لا يتزعزعُ يقيناً بالوعدِ الإلهيِّ العظيم:﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
هذه الآيةُ هي ختامُ الرحلةِ وبدايةُ الخلودِ للغماري وولده. لقد حققا الرغبةَ التي طالما زرعها الأبُ في وجدانِ كلِّ من تابعهِ: أن تكونَ الحياةُ مؤقتةً والعملُ خالصاً لوجهِ اللهِ، وأنَّ الموتَ في هذا السبيلِ هو ذروةُ المجدِ وميزانُ الصدقِ الذي يفصلُ بينَ مدّعي الجهادِ والمجاهدِ الحقيقي. إنَّ الشهيدَ الغماري ونجلَهُ لم يموتا؛ بل انتقلا معاً من وظيفةِ ركنٍ ومجاهدٍ على الأرضِ إلى وظيفةٍ حيَّةٍ عندَ ربِّهما. وسيبقى وجودُهُما الروحيُّ هو القوةُ الدافعةُ لكلِّ مقاتلٍ صدقَ النيةَ. لقد كانَ الأبُ رُكناً صامداً، وأصبحا معاً بعدَ الشهادةِ رُكنَينِ خالدَينِ في التاريخِ والوجدانِ. إنَّ هذه التضحيةَ المُزدوجةَ تُعلنُ للعالمِ أنَّ هذا المشروعَ ليسَ سياسياً عابراً، بل هو ميراثُ أجيالٍ يتناقلُ بالدم.
عهد الوفاء والثبات وعدم التراجع
على درب ونهج الثبات والصمود في ميادين الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله واستعادة عزة وكرامة الأمة نعلنَ بوضوحٍ وبلا مواربة: إنَّ استشهادَ قادتِنا وأبنائِهم هو وقودٌ لنارِ ثباتِنا التي لن تنطفئ، وليسَ سبباً لانكسارِنا أو تراجعِنا قيدَ شبرٍ. وأن رؤيتنا لسيرةِ الشهيدِ الغماري وولده تؤكدُ لنا أنَّ هذا الدربَ لا يسلكُهُ إلا المُخلِصون، وأنَّ كلَّ قطرةِ دمٍ سالتْ هي لعنةٌ أبديةٌ على المنافقينَ والعملاءِ الذين يرتعدون خوفاً في الظلام. إنَّ الإرثَ الذي تركهُ الشهيدُ في قلوبِنا أكبرُ وأقوى من كلِّ غارةٍ، وسنُحوّلُ فقدانَهُ إلى قوةٍ تُضاعِفُ من ضرباتِنا في نحرِ العدوِ المُتربِّص.
رسالة لكل من يرتدي ثوب النفاق
إلى كلِّ من تلوثتْ يداهُ بدمِ هذا الوطنِ، وإلى كلِّ من يبيعُ ذمتَهُ وشرفَهُ بدينارٍ أو درهمٍ رخيصٍ من مالِ الأعداء، وإلى كلِّ من يرتدي ثوبَ النفاقِ ليزرعَ الفتنةَ ويُروِّجَ لإشاعاتِ العدوِ من داخلِ صفوفِ الأمة؛ اسمعوا جيداً وارتعدوا خوفاً: لقد كنتم دائماً العدوَّ الأخطرَ الذي حذَّرَ منهُ القرآنُ في مُحكمِ آياتهِ، وحذَّرَ منهُ السيدُ القائدُ (أعزهُ الله) في كلِّ خطبةٍ ومحاضرة. إنَّ دماءَ الغماري وابنه وكلَّ شهيدٍ هي حاجزٌ ناريٌّ أزليٌّ لن تتجاوزوهُ أبداً. لقد ولّى زمنُ الاستخفاءِ والتلاعبِ بوجوهِكم المُتعدِّدة. فواللهِ، لن يضيعَ هذا الدمُ الطاهرُ، ولن يفلتَ من قبضتِنا أيُّ خائنٍ باعَ وطنَهُ للأمريكيِّ والصهيونيِّ. إنَّ مصيرَكم هو القاعُ الذي لا قاعَ بعدَهُ، ولن يُجدِيكم الهروبُ أو التخفيُّ في جحورِكم الرطبة. لقد انتهى عهدُ الغفلة، وها هي البصيرةُ تتفجَّرُ في عيونِ المجاهدينَ لتكشفَ عوراتِكم وتُمزِّقَ أقنعتَكم. إنَّ العدلَ الإلهيَّ والعدلَ اليمنيَّ قادمٌ لا محالة، وسيقطعُ كلَّ يدٍ امتدتْ إلى دمِ الأبرياءِ أو عرضتْ أمنَ الوطنِ للخطرِ. (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) – هذا هو حكمُ اللهِ فيكم، وهذا ما سنُنفِذُهُ بكم بلا هوادة! إنَّ النهايةَ الوحيدةَ للمنافقِ هي الخسرانُ المُبينُ، سواءٌ في الحياةِ الدنيا حيثُ الخزيُ والعارُ، أو في الآخرةِ في الدركِ الأسفلِ من النارِ.
إنَّ رحيلَ الفريقِ الركنِ محمدِ عبدالكريمِ الغماري ونجلِهِ البار لم يكنْ مجردَ خسارةٍ عسكرية، بل كانَ تجسيداً لانتصارِ الروحِ على المادةِ، وخسراناً لنموذجٍ مُتفرِّدٍ في التواضعِ والبلاغةِ الروحيةِ والعسكرية. لقد تركا لنا إرثاً لا يُقدّرُ بثمن: إرثَ الوعيِ والبصيرةِ والصدقِ، وعهدَ تضحيةِ الأجيال، وهي القواعدُ التي لا يمكنُ أن يُبنى عليها النصرُ إلا بها. إننا نرى في هذا الاستشهادِ دافعاً إضافياً مُتجدِّداً لتكثيفِ الجهودِ والتضحياتِ، وإثباتَ أنَّ هذهِ المسيرةَ هي مسيرةُ بناءِ الرجالِ التي لا تتوقفُ عندَ رحيلِ فردٍ مهما كانتْ منزلتهُ.
وإننا، كشبابِ موالينَ لنهجِ الثباتِ، نرى في الشهيدينِ الغماريَّينِ تجسيداً لوعدِ الله. نرى فيهما دليلاً قاطعاً على أنَّ القادةَ الذينَ يتربَّون على مائدةِ القرآنِ لا يخذلونَ أمتَهم ولا يتخلفونَ عن ميادينِ العزِّ والشرفِ.
رسالةٌ إلى السيد القائد (حفظه الله)
سيدي ومولاي، يا قائدَ المسيرةِ وحاملَ الرايةِ، إنَّ عزاءَنا في فقدِ الركنِ الغماري وولده البار هو أننا تحتَ قيادتِكم الحكيمةِ والربانيةِ التي تسيرُ على خطى الأنبياءِ والأولياء. نُجدِّدُ العهدَ والبيعةَ لكم، ونعدُكم بأنَّ كلَّ قطرةِ دمٍ تُسكَبُ ستُثمِرُ ألفَ قائدٍ وركناً. قلوبُنا فداءٌ لنهجِكم، وأجسادُنا درعٌ لمشروعِكم. إننا نُدركُ حجمَ المسؤوليةِ الملقاةِ على عواتقِنا بعدَ هذا الفقدِ، ونعلمُ أنَّ العدوَّ يستهدفُ الرؤوسَ ليُشتِّتَ الصفوفَ، لكنكم علمتمونا أننا بنيانٌ مرصوصٌ لا يُهدمُ بفقدِ ركنِهِ، بل يزدادُ صلابةً وإصراراً. ثباتُنا من ثباتِكم، وبصيرتُنا من بصيرتِكم. ماضونَ خلفَكم، مُصطَفُّونَ صفاً كالبنيانِ المرصوصِ، حتى يتحققَ النصرُ الذي وعدَ اللهُ بهِ المؤمنين. لكم العهدُ والوفاءُ المُطلق، وعلى نهجِ الشهداءِ ماضونَ، ولن نترددَ ولن نحيدَ قيدَ أنملة.
في الختام
في الختام لا نملك إلا أن نقول : نم قريرَ العينِ أيها السنوارُ اليمنيُّ أنت وولدك الشهيد المبارك ، فقد أوفيتما بالعهدِ والوعدِ، ووصلتما إلى محطةِ الخلودِ الأبهى. فسلامٌ عليكما يا ركنيِ الصدقِ اللذانِ ارتفعا، سلامٌ عليكما يا سِنْوَارَيْ اليمنِ، يومَ ولدتُما، ويومَ جاهدتُما، ويومَ ارتفعتما إلى ربكما حيَّينِ تُرزقان .. سلام مبارك وتحيةٌ مُعطَّرةٌ بدمِ الشهداءِ لروحِ الفريقِ الركنِ محمدِ عبدالكريمِ الغماري ونجلِهِ الشهيد، وإلى النصرِ والفتحِ المُبينِ بإذنِ اللهِ تعالى.