مؤامرة (وارسو) الأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية !
في منتصف عام 2019م , أجرى روبرت ساتلوف مدير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى , مقابلة مع جاريد كوشنر( مستشار الرئيس الأمريكي ترامب وصهره ) , حول عملية السلام في الشرق الأوسط التي يريد ترامب تطبيقها في المنطقة والمتمثلة في مشروع صفقة القرن ..
علي الشراعي
وفي أعقاب المقابلة نشر ساتلوف مقالا مهما على موقع ( أمريكان انترست ) حذر فيه من أن : ( خطة كوشنر للسلام ربما تكون كارثية على سياسة أمريكا تجاه الشرق الأوسط , وأن حل الدولة الواحدة يعنى نهاية إسرائيل والطريق للصراع الأبدي ) .
ما بين عامي ( 2017و 2019م ) واللذين تزامنا مع ذكرى مئويات عدة منها وعد بلفور1917م , ونهاية الحرب العالمية الأولى1918م , وثورة 1919م في مصر . شكل أيضا صعود الرئيس الامريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع 2017م , والذي حمل معه مشروع صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية عبر العديد من القرارات منها الاعتراف بالقدس عاصمة للعدو الصهيوني ونقل السفارة الامريكية من تل ابيب إلى القدس في مايو 2018م , والاعتراف بسيادة العدو الصهيوني على أرض الجولان السورية المحتلة في مارس2019م. كذلك عمل على عقد العديد من المؤتمرات الدولية لنفس الغرض تصفية القضية الفلسطينية ومن تلك المؤتمرات مؤتمر وارسو المنعقد في فبراير 2019م , ومؤتمر المنامة المنعقد في مايو من نفس العام .
تساؤلات عن المؤتمر ؟!
لم تحقق المؤتمرات الدولية المنعقدة طوال العامين (2017و 2019م ) نتائج في التسوية بقدر ما كشفت في مجموعها ومنها مؤتمر وارسو عن حقيقة المؤتمرات كآلية دبلوماسية لإدارة الصراعات في ظل اختلال توازنات القوي المخفية بين رعاة المؤتمرات من قوى كبرى أو عملائهم الاقليميين وبين ممثلي النظم المنهكة الأكثر ميلا للاستسلام والمواءمات لحسابات المصالح وحماية لأنظمتهم على حساب شعوبهم وقضيتهم العربية الأولى القضية الفلسطينية . وقد أثيرت وقت إعلان انعقاد مؤتمر وارسو جملة من التساؤلات منها : ما هي الأهداف التي سعى المؤتمر لتحقيقها ؟ ولماذا انعقد المؤتمر في ذلك التوقيت ؟ ولماذا تم اختيار بولندا تحديدا لانعقاده ؟ والأهم هل تضمن المؤتمر أي حلول أو تسويات للصراعات القائمة أو الأزمات المندلعة في المنطقة العربية أو الشرق الأوسط ؟ وهل رمى إلى تحقيق مصالح الدول العربية وشعوبها أم مصالح القوى غير العربية ؟
الأمن الأوسع
عقد في العاصمة البولندية وارسو , يومي 13و 14 فبراير 2019م , المؤتمر الوزاري الدولي الموسع لتعزيز ( السلام والأمن في الشرق الأوسط ) بحضور ممثلين عن نحو 60 دولة بالإضافة إلى المنسقين الأمميين لسوريا واليمن , وذلك بعد مرور شهر على دعوة أطلقها ( مايك بومبيو ) وزير الخارجية الأمريكي في خطاب ألقاه في الجامعة الأمريكية في القاهرة , لتنسيق الجهود الإقليمية والدولية لمواجهة ما سمي نشاطات إيران المزعزعة للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط . وقد اضطرت إدارة ترامب للتراجع عن الإطار الأصلي الذي رسمه بومبيو لهذا المؤتمر من (بناء تحالف ضد إيران ) إلى ( الأمن الأوسع ) في الشرق الأوسط , ليشمل : عملية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية , والأزمات الإنسانية في سوريا واليمن , والأمن السيبراني , والإرهاب والتطرف , وتطوير الصواريخ وانتشارها , والتهديدات التي تستهدف التجارة البحرية وغيرها .
صفقة القرن
قدم فكرة مؤتمر وارسو وأشرف على الإعداد له السفير ( برايان هوك ) رئيس لجنة مراقبة نشاطات إيران بوزارة الخارجية الأمريكية . واعتبره مناسبة لجمع مسؤولين عرب وإسرائيليين علنا تحت عنوان مواجهة ( الخطر الإيراني ), ويعد تحقيق التقارب بين العرب وإسرائيل هدفا رئيسا وجزءا من جهود إدارة ترامب الداعمة لإنشاء تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي أو الناتو العربي , الذي يضم دول الخليج إضافة إلى مصر والأردن على أن يواكب ذلك تنسيقا عربيا – إسرائيليا . فمؤتمر وارسو جزءا من الترتيبات الأمريكية لفرض نظام إقليمي جديد تكون الدول العربية جزءا أساسيا فيه , في إطار تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي المعروف بالناتو العربي والذي يثير المخاوف الإيرانية والتركية . وبعبارة اكثر ايضاحا هدف المؤتمر إلى إنشاء تحالف عربي – إسرائيلي لمواجهة إيران , ولتحقيق ذلك تطلب الأمر تسوية القضية الفلسطينية في إطار ( صفقة القرن ) , وتطبيع العلاقات العربية – الإسرائيلية , وهو ما يعني قيام العدو الصهيوني بمساعدة الدول الثمان وخاصة الخليجية وعلى رأسها السعودية على مواجهة إيران , مقابل قبولهم بتصفية القضية الفلسطينية .
الدلالات والدوافع
تزامن المؤتمر مع احتفال إيران بمرور 40 عاما على الإطاحة بمحمد رشا بهلوي ونظام الشاه المقرب من الغرب وإقامة الجمهورية الإسلامية . وهو الأمر الذي أعاد للأذهان مؤتمر ( غوادلوب ) بفرنسا في عام 197م , والذي عقدته أربع قوى دولية آنذاك وهي : الولايات المتحدة الأمريكية , والمملكة المتحدة , وفرنسا , وألمانيا الغربية , وفيه تم الاتفاق على ضرورة رحيل نظام الشاه , وهو المؤتمر الذي سبقه اجتماع غير معلن لمجلس الأمن , وتحدث فيه الرئيس الامريكي ( جيمي كارتر ) عن نهاية نظام الشاه وحتمية مغادرته إيران ! وارسو لا ينظر لها كمكان محايد مثل جنيف أو هلسنكي أو فيينا , فقد تم اختيار العاصمة البولندية على الرغم من تراجع اهتمام بولندا بقضايا الشرق الأوسط ورغم انها عضو فاعل في حلف شمال الأطلسي ( حلف الناتو) , فوارسو لا تملك رفض استضافة المؤتمر بالنظر لعلاقاتها الوثيقة مع واشنطن من جانب , وتوتر علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي من جانب آخر . فاستضافه بولندا لذلك المؤتمر سعيا منها لإقامة شراكة خاصة مع الولايات المتحدة من اجل تعزيز مكانتها المتنامية في العالم والتعاون الاستراتيجي مع واشنطن , وفي ظل رغبتها في وجود قوات أمريكية دائمة وقاعدة عسكرية أمريكية تتجاوز تكلفتها 2 مليار دولار على أراضيها , والتي اقترح لها الرئيس البولندي اسم ( فورت ترامب ) أو ( قلعة ترامب ) , في خطوة قد تؤدي إلى زيادة التوتر بين بولندا وروسيا . فيما اعتبر البعض بأن اختيار واشنطن للعاصمة البولندية وارسو لعقد المؤتمر يرسم خطوطا جديدة لتقسيم القارة الأوروبية بين حلفاء جدد تابعين لها يتماهون مع سياستها الإقليمية والدولية من ناحية , وحلفاء قدامي لديهم سياسات أكثر استقلالا عنها في غرب القارة الأوروبية من ناحية أخرى . ليدل اختيار وارسو لعقد المؤتمر على مدى ارتهان بولندا للسياسة الأمريكية , في ظل الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة الأمريكية لأغراض الدفاع عن النفس في مواجهة التهديدات الروسية لأمنها , ومن قم تنحاز بولندا لواشنطن في مواقفها حتى عند تعارضها مغ سياسات الاتحاد الأوروبي . وعلى هامش المؤتمر وقعت وارسو مع واشنطن على عقد لشراء قاذفات صواريخ محمولة من طراز ( هيمارس ) بقيمة 414 مليون دولار , تسلمها أمريكا إلى بولندا بحلول عام 2020م .
موقف متناقضة
تمثلت أبرز الدول لمشاركة في المؤتمر في الولايات المتحدة ومثلها ( مايك بينس) نائب الرئيس الأمرايكي , و( مايك بومبيو) وزير الخارجية و ( جاريد كوشنر ) مستشار الرئيس ترامب وصهره, وانظم اليهم ( بنبامين نتنياهو ) رئيس وزراء العدو الصهيوني الإرهابي , ووزراء خارجية تسعة دول عربية أبرزها ( مصر ,والسعودية , والامارت , والبحرين , والاردن والمغرب , وعمان ) وشهد المؤتمر لقاءات وزراء خارجية عرب مع رئيس الوزراء الصهيوني . لم تشارك عدة أطراف في مقدمتها روسيا والصين , فقد تجلى الموقف الروسي في تصريح الكسندر زاسبيكين ) السفير الروسي في لبنان بقوله : ( بأن الدعوة للمؤتمر تختلف تماما عن رؤيتنا للعيش المشترك وتنقية الأجواء في المنطقة كهدف أساسي ) , فقد اعلنت روسيا أن مؤتمر وارسو يهدف لإنشاء تحالف ضد إيران , متجاهلا المشكلة الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط والمتمثلة في الصراع العربي – الإسرائيلي , وهو ما برره زاسبيكين بقوله : ( عدم قدرة الوقود على صناعة أي قرار لأنه حكر على منظمي المؤتمر , وأن انعقاد المؤتمر دون الأخذ في الاعتبار آراء قوى إقليمية وغير إقليمية عدة , ودون رعاية الأمم المتحدة ) . في حين تباينت المواقف العربية من المؤتمر بين الرفض التام له إلى حد مقاطعته وهو ما تجلى في الموقفين الفلسطيني واللبناني وتمثلت أسباب المقاطعة في التمسك بالمواقف العربية الراسخة من القضية الفلسطينية , فيما تجلى مواقف دول عربية اخري بالانخراط فيه إلى حد التطبيع والترحيب بالحلول الجاهزة لأزمات المنطقة . وهذا ما اكده رئيس وزراء العدو الصهيوني الارهابي نتنياهو ان التهديد لايراني المشترك لكل من إسرائيل والدول العربية يستوجب له ( على تفهم ما يهدد مستقبلنا , ومتطلبات أمننا , وإمكانية التعاون في مختلف جوانب الحياة ) .
مؤامرة أمريكية
وصفت الحكومة الفلسطينية مؤتمر وارسو بأنه ( مؤامرة أمريكية ) , ورفضت عقد أي محادثات مع الولايات المتحدة الأمريكية مالم تتبع سياسة متوازنة . كما حذرت الدول من المشاركة في المؤتمر معتبرة أنه يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية , بل والنيل من استقلالية قرارات المشاركين به حيال قضايا جوهرية , مثل الموقف من القضية الفلسطينية . كما أكدت في بيان لها : (على أن الموقف الفلسطيني واضح حيال مثل تلك المؤتمرات الهادفة إلى النيل من قضية الشعب الفلسطيني وتصفيتيها , فالمؤتمر أمريكي بإمتياز لدفع الدول المشاركة إلى تبني مواقف الإدارة الأمريكية من القضايا المطروحة , وتحديدا القضية الفلسطينية ... وإنها لن تتعامل مع أية مخرجات لهذا المؤتمر , وسوف تتمسك بمواقفها الثابتة وتواصل مساعيها مع الدول وكأن مؤتمر وارسو لم ينعقد ) . واوضح البيان الفلسطيني ايضا : ( أن النوايا الخبيثة لهذه الإدارة - إدارة ترامب- كررها الرئيس الأمريكي في خطابه حول حالة الاتحاد الذي ألقاه أمام الكونجرس , والذي أكد فيه على مواصلة سياسته المنحازة بالمطلق لإسرائيل , بعيدا عن التوازن في علاقته مع الجانب العربي- الفلسطيني ) .
غطاء للتطبيع
فحقيقة مؤتمر وارسلو انه سعي لبناء تحالفات إقليمية , وبخاصة فيما يتعلق بتشكيل ( تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي ) الذي تحدث عنه الرئيس الأمريكي ترامب خلال زيارته إلى المملكة العربية السعودية في مايو 2017م , وكان يفترض إطلاقه في اكتوبر 2018م . فمؤتمر وارسو اشبة بغطاء لتطبيع العلاقات بين بعض الدول العربية والعدو الصهيوني بذريعة مواجهة تهديد ايران المشترك ويمكن القول ان كافة المحاولات الامريكية لإيجاد رابط بين مواجهة ايران وتصفية القضية الفلسطينية بحيث تضغط الدول العربية على الفلسطينيين للقبول بتسوية وفقا للأهداف الصهيونية في مقابل تعاون عربي- اسرائيلي لمواجهة إيران . لذلك لم تعد حلول الصراع الفلسطيني – الصهيوني نابعة من الدول العربية , وإنما باتت تفرض من القوى الكبرى في صفقات سرية وغير سرية تبحث لها عن آليات للتنفيذ دون أن تتطلب موافقة عربية مسبقة أو حتى فلسطينية .