هدنة (بايدن - نتينياهو) .. الأسباب والمحركات والأهداف والغايات
في ظل التطورات التي يشهدها مسار وقائع وأحداث الصراع الإسرائيلي اللبناني على المستوى السياسي والعسكري الداخلي ومستوى المحيط الإقليمي والدولي تبرز أهمية القراءة التحليلية لطبيعة تطورات اليوم التالي لهدنة (بايدن - نتينياهو) المشبوهة أسبابها ومحركاتها وأهدافها وغاياتها وما يمكن أن تفضي إليه وفق "نظرة واقعية".. وذلك ما نحاول الوصول إليه في السياق التالي :
طلال الشرعبي
في كلمة ألقاها في البيت الأبيض أكد الرئيس الأميركي جو بايدن مساء الثلاثاء 27 نوفمبر، التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، وذلك بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو موافقة الحكومة الأمنية على الاتفاق.
وعند الساعة الرابعة فجر اليوم الأربعاء 28 نوفمبر بتوقيت بيروت (الثانية بتوقيت غرينتش) بدأ سريان اتفاق وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل.
وقبل بدء سريان الاتفاق كان حزب الله اللبناني وكيان الاحتلال الإسرائيلي قد صعدا من هجماتهما المتبادلة حيث أعلن الحزب قصف مناطق في شمال إسرائيل بالصواريخ، في حين استبَقت إسرائيل وقف إطلاق النار بشن سلسلة غارات واسعة النطاق على العاصمة اللبنانية وضاحيتها الجنوبية وعدة قرى وبلدات جنوب وشرق لبنان.
بإعادة النظر في تطورات أحداث ووقائع معركة المواجهة العسكرية الأعنف بين حزب الله وجيش الاحتلال الإسرائيلي منذ إعلان الأخير عن بدء التقدم البري داخل الأراضي اللبنانية مطلع شهر أكتوبر 2024م وحتى لحظة إعلان وقف إطلاق النار .. تتجلى حقيقة دوافع وأسباب وغايات وأهداف موافقة الكيان الإسرائيلي (حكومة نتينياهو) على اتفاق وقف إطلاق النار وبمعنى أدق ما يصدق وصفه بهدنة (نتنياهو - بايدن) المشبوهة .
الأسباب والمحركات
مع الإشارة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي لم يكن ليصمد لـ 3 أشهر متتالية فقط في هذه الجولة من الحرب العربية الإسرائيلية التي انطلقت شرارتها الأولى في ال 7 من أكتوبر 2023م لولا الأسلحة والذخائر الأمريكيةولولا الدعم المادي واللوجستي السعودي الإماراتي والخذلان العربي لغزة بشكل عام ورغم كل ذلك الدعم فقد تعرض جيش وكيان الاحتلال الإسرائيلي لخسائر بشرية ومادية كبيرة لا يمكن تعويضها حيث نجحت المقاومة الفلسطينية في إلحاق الضرر المباشر بهيكله العسكري وتحييد وتفكيك أقوى ألوية النخبة والاحتياط الإسرائيلية التي تجاوزت خسائرها 50000 قائد عسكري وضابط وجندي ما بين 7000 إلى عشرة ألف قتيل ، و15000 جريح و18000 معاق وفق ما أعلنت عنه هيئة البث الإسرائيلية، إضافة إلى عشرات الآلاف من حالات الانهيار والاعتلال النفسي التي تعرض لها جنوده إلى جانب فقدانه للمئات من الجنود والضباط منذ انطلاق عملياته البرية في غزة .
وإلى جانب خسائر كيان الاحتلال المادية الاقتصادية المهولة ومع الإشارة إلى أنّ هذه الحصيلة لا تتضمّن خسائر العدوّ الإسرائيلي في القواعد والمواقع والثكنات العسكريّة والمُستوطنات والمُدن المُحتلّة
فقد تعرض جيشه لخسائر مادية كبيرة منذ بدء عمليته البرية في غزة حيث نجحت المقاومة الفلسطينية في استهداف وتدمير أكثر من 1000 آلية من آلياته العسكرية تقريبا أي ما يساوي ثلث قدراته العسكرية المادية البرية.
بالمقابل بلغت الحصيلة التراكميّة للخسائر التي تكبدها جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ إعلانه عن بدء التقدم البرّي داخل الأراضي اللبنانيّة في 01-10-2024 وحتى لحظة إعلانه عن اتفاق وقف إطلاق النار في ال27 من نوفمبر مقتل أكثر من 130 جندياً وضابطاً وأكثر من 1250 جريحاً وتدمير 59 دبابة ميركافا، و11 جرّافة عسكريّة، وآليّتي هامر، ومُدرّعتين، وناقلتي جند وإسقاط 6 مُسيّرات من طراز "هرمز 450"، ومُسيّرَتين من طراز "هرمز 900"، ومُحلّقة "كوادكوبتر".
وإضافة إلى هذه الخسائر البشرية والمادية شبه المؤكدة فقد لخسائر بشرية في أرواح مستوطنيه وخسائر وأضرار مادية كبيرة ظل إعلامه العبري يعلن عنها تباعا لحقت آلاف المنازل والمباني في شمال فلسطين المحتلة ومنشآت خدمية وصناعية وعسكرية منها ما تضرر كلياً ومنها ما تضرر بشكل جزئي.
وبشكل عام فقد كانت فاتورة هزيمة وخسارة كيان الاحتلال الإسرائيلي ثقيلة طيلة 424 يوما من عمر المعركة على مستوى جبهات الإسناد حيث تحولت قواعده وقواته على الحدود الفلسطينية اللبنانية إلى حفلة شواء وصيد واسعة تتعرض للاستنزاف الحاد في قوام جيشه وقواته البشرية وبنية دفاعاته وسيطرته الاستطلاعية والعسكرية النارية إلى جانب تحويل مستوطناته الحدودية وبعمق يمتد إلى مراكز المدن الرئيسية كيافا وحيفا المحتلتين إلى مستوطنات ومدن أشباح نتيجة تعرضها المستمر لعمليات الاستهداف الصاروخي من كافة جبهات الدعم والإسناد على امتداد محور المقاومة .
وفي هذا السياق ووفقا للبيان رقم 4638 الصادر عن غرفة عمليّات المُقاومة الإسلاميّة عقب الإعلان عن بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار ( هدنة بايدن - نتينياهو) المشبوهة فقد بلغ عدد عمليّات المُقاومة الإسلاميّة منذ انطلاق عمليّات طوفان الأقصى في 08-10-2023 أكثر من 4637 عمليّة عسكريّة (مُعلن عنها) خلال 417 يوماً، بمعدل 11 عمليّة يوميًا.
من ضمن هذه العمليّات 1666 عمليّة عسكريّة متنوعة منذ بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان وانطلاق عمليّات أولي البأس في 17-09-2024، وبمعدل 23 عمليّة يوميّا. استهدفت هذه العمليات مواقع وثكنات وقواعد جيش العدو الإسرائيلي، والمدن والمستوطنات الإسرائيلية بدءاً من الحدود اللبنانيّة الفلسطينيّة حتى ما بعد مدينة تل أبيب، كما تضمنت التصدي البطولية للتوغلات البريّة لقوات العدو داخل الأراضي اللبنانيّة.
وفي إطار عمليّات "أولي البأس" نفذت المُقاومة الإسلاميّة 105 عمليّات عسكريّة ضمن سلسلة عمليّات خيبر النوعيّة، استهدفت من خلالها عشرات القواعد العسكريّة والأمنيّة الاستراتيجيّة والحساسة، والتي جرى استهدافها للمرّة الأولى في تاريخ الكيان، باستعمال الصواريخ النوعيّة البالستيّة والدقيقة، والمُسيّرات الانقضاضيّة النوعيّة، التي وصلت حتى ما بعد تل أبيب، بعمق 150 كلم داخل الأراضي الفلسطينيّة المُحتلّة.
هزائم وانتكاسات متوالية
بالنظر إلى ما تقدم ذكره نجد أن توالي الهزائم والانتكاسات التي تعرض لها كيان الاحتلال الإسرائيلي إضافة إلى ما تعرض له داعميه الأمريكي والبريطاني من هزائم وانتكاسات خلال معركة المواجهة البحرية مع جبهة الإسناد اليمنية التي أثبتت ولا تزال تثبت فاعليتها وتأثيرها الكبير على مجريات الأحداث التي تشهدها المنطقة .. أنتجت الكثير من المخاوف التي بدأ يستشعر مخاطرها قادة الإدارة الأمريكية وقادة كيان الاحتلال الإسرائيلي على حد سواء ويرون أن إمكانية تحولها إلى حقائق مستقبلية أمر غير مستبعد .
وبالتزامن مع استمرار غرق الاحتلال الإسرائيلي في مستنقع حربه العدوانية الإجرامية التي لم يتحقق له فيها هدف ذي قيمة تكتيكية أو استراتيجية مما أعلنه أو حتى صورة إنجاز صغير أو كبير في جنوب لبنان
وبالمقابل استمرار صمود مجاهدي حزب الله رغم ما قدمه الحزب من تضحيات ونجاحهم في فرض معادلة الضغط والتفوق العسكري الميداني وجد كيان الاحتلال الإسرائيلي نفسه بحاجة إلى هدنة إنقاذ له من السقوط في مستنقع انكساره الاستراتيجي وإيجاد حل مؤقت يمنع استمرار مسلسل هزائمه وانتكاساته الاستراتيجية .. ومن هنا جاء مقترح راعيه وداعمه الأمريكي الداعي إلى المفاوضات التي أثمرت التوصل إلى إعلان اتفاق وقف إطلاق النار هدنة ( بايدن - نتينياهو) المشبوهة التي أثبتت تطورات الأحداث والوقائع على مستوى الداخل اللبناني والمحيط الإقليمي أنها ليست سوى مؤامرة (أمريكية - إسرائيلية) جديدة بدأت تتكشف حقيقتها بوضوح تام من خلال ما يلي:
الأهداف والغايات
- إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن تزويد إسرائيل بصفقة أسلحة متطورة عقب إعلان اتفاق الهدنة كما أن حديث نتنياهو أن من أسباب موافقته على وقف إطلاق النار هو تجديد قواته وتجهيزها بالكامل وإعادة تسليحها يشير فيما يبدو إلى أن هناك وعود حصل عليها نتينياهو من ترمب بتزويد إسرائيل بأسلحة لم يسبق للإدارات السابقة أن زودت إسرائيل بها من قبل بالاضافة إلى الذخائر التي تحصل عليها اسرائيل دورياً.
- تحريك جبهة المعارضة السورية يؤكد سعي الاحتلال الإسرائيلي إلى تطويق لبنان من سوريه ومنع إمداد مقاومته كمقدمة لجولة ثانية سيخوضها الإسرائيلي مستقبلا وما يؤكد ذلك هو الادعاء الإسرائيلي سابقا أن هناك صواريخ سوريه استخدمتها المقاومة اللبنانية إضافة إلى أن حديثه عن إيران وعن سوريه الذي أكد توجهه الواضح والصريح نحو جولة أخرى من الحرب العدوانية التي ستشمل لبنان ومناطق أخرى كذلك.
- المحاولات السياسية والعسكرية الأمريكية لفرض معادلات لم يستطع فرضها الاحتلال الإسرائيلي أثناء الحرب وقد تجلى ذلك بوضوح من خلال تسجيل عشرات الخروقات الإسرائيلية والاستمرار في تفجير المنازل ومحاولات التقدم ببطئ مستغلا وضع الاتفاق وفي هذا السياق جاءت تهديدات الرئيس الأمريكي ترامب للمقاومة بتداعيات خطيرة إذا لم يتم إطلاق سراح الأسرى في قطاع غزّة وذلك في رسالته لبنيامين نتنياهو.
مقاومة شعب
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه وفيما كان كيان الاحتلال الإسرائيلي يخطط ويتحدث أن مصير أبناء جنوب لبنان سيتقرر بنقلهم إلى سوريه والعراق فقد تفاجأ بعودة أبناء الجنوب خلال الساعات الأولى من وقف إطلاق النار الذين تحدوا كل التحذيرات وتجاوزوا كل العوائق وأثبتوا للعالم ولكيان الاحتلال أن المقاومة اللبنانية ليست مقاومة كتائب وفرق عسكرية فقط بل مقاومة شعب تجلت حقيقتها الواضحة في الملامح التي ارتسمت على وجوه أبناء الشعب اللبناني العائدين إلى الجنوب رغم التحذيرات الإسرائيلية رافعين الأعلام وملوحين بشارات النصر فكانت تلك الصورة مزعجة للاحتلال وكان ذلك المشهد أكثر ازعاجاً لداعمه الأمريكي والبريطاني وكل من يعمل مع الاحتلال ومن يقف خلفه ويراهن عليه.
خلاصة
وتبقى الخلاصة هي خلاصة انتصار حزب الله التي أكدتها غرفة عمليّات المُقاومة الإسلاميّة في التالي:
• طوال العمليّة البريّة لجيش العدو الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، ومنذ 01-10-2024، وبفعل ثبات مجاهدينا في الميدان، لم تفلح محاولات القوات المعادية المتوغلة في احتلال والتثبيت في أي بلدة من بلدات النسق الأول من الجبهة - علما ان هذه البلدات كانت تتعرض للاعتداءات منذ بدء "طوفان الأقصى"- كما لم تفلح في إقامة منطقة عسكريّة وأمنية عازلة كما كان يأمل العدو، وكذلك لم تتمكن من إحباط إطلاق الصواريخ والمُسيّرات على الداخل المُحتل؛ وحتى اليوم الأخير من العدوان، واصل مجاهدونا استهداف عمق العدو من داخل البلدات الحدوديّة.
• إن المرحلة الثانية من العمليّة البريّة لم تكن إلا إعلانًا سياسيًا وإعلاميًا، إذ لم يتمكن العدو من التقدم إلى بلدات النسق الثاني من الجبهة، وتلقى خسائر كبيرة في الخيام التي انسحب منها ثلاث مرّات، وعيناثا، طلوسة، وبنت جبيل والقوزح. فيما كانت محاولة التقدم الوحيدة إلى بلدات البيّاضة وشمع في القطاع الغربي، والتي أصبحت مقبرة لدبابات وجنود نخبة جيش العدو، الذين انسحبوا منها تحت ضربات المجاهدين.
• إن خطط المُقاومة الدفاعيّة مبنيّة على نظام الدفاع البُقَعي، ولقد أعدّت المُقاومة أكثر من 300 خط دفاع جنوبي نهر الليطاني، كانت كل بقعة فيها على أعلى مستوى من الجاهزية من حيث العديد والعتاد والإمكانات، وما حصل في البيّاضة والخيام خير دليل.
• تؤكد غرفة عمليّات المُقاومة الإسلامية أن مجاهديها ومن مُختلف الاختصاصات العسكريّة سيبقون على أتم الجهوزيّة للتعامل مع أطماع العدو الإسرائيلي واعتداءاته، وأن أعينهم ستبقى تتابع تحركات وانسحابات قوّات العدو إلى ما خلف الحدود، وأيديهم ستبقى على الزناد، دفاعا عن سيادة لبنان وفي سبيل رفعة وكرامة شعبه.
وفيما يتعلق باستمرار موقف الخذلان العربي فيبدو أن البعض لن يفهم أهمية هذه المعركة إلا بعد أن تتكشف المخططات الأمريكية الإسرائيلية لهذه المنطقة وكيف أن المقاومة بما قدمته وتقدمه من تضحيات ومعها الشعوب من فلسطين إلى لبنان واليمن والعراق تسهم اليوم في إفشال تلك المخططات التي تستهدف كل الدول بما فيها المطبعة وتلك التي على طريق التطبيع