الفاتيكان .. وموقفها من وعد بلفور وتنفيذه !

في 26 يناير 1904 م , رفض البابا بيوس العاشر الذي استقبل مؤسس الحركة الصهيونية اليهودية تيودور هرتزل , من حيث المبدأ إقامة وطن يهودي في فلسطين ..

الفاتيكان .. وموقفها من وعد بلفور وتنفيذه !

علي الشراعي

ومن قبل أصدر البابا ( غريغوري الثالث عشر) , حكم الإدانة ضد اليهود في العام 1581م , ولم يرفع هذا الحكم إلا مؤخرا . حيث نص حكم الإدانة البابوي على اليهود : ( أن خطيئة الشعب الذي رفض المسيح وعذبه تزداد جيلا بعد جيل , وتحكم على كل فرد من أفراده بالعبودية الدائمة ) .

بعد سبع سنوات من إعلان موقف الكنيسة الإنجيلية الكاثوليكية من  الحركة الصهيونية  في مايو عام 1897م , عشية المؤتمر الصهيوني الأول . وجه البابا ( بيوس العاشر ) رسالة جوابية إلى ثيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية قال فيها : ( لا نستطيع أبدا أن نتعاطف مع هذه الحركة - الصهيونية - نحن لا نستطيع أن نمنع اليهود من التوجه إلى القدس , ولكننا لا يمكن أبدا أن نقره . إنني بصفتي قيما على الكنيسة لا أستطيع أن أجيبك بشكل آخر . لم يعترف اليهود بسيدنا , ولذلك لا نستطيع أن نعترف بالشعب اليهودي , وبالتالي فإذا جئتم إلى فلسطين وأقام شعبكم هناك , فإننا سنكون مستعدين كنائس ورهبانا لتعميدكم جميعا ) .

 

لا سيادة لليهود

بعد صدور وعد بلفور المشؤوم في الثاني من نوفمبر 1917م , أوفدت الحركة الصهيونية أحد أعضائها وهو الروسي ( ناحوم سوكولوف ) لمقابلة البابا ( بنديكت الخامس عشر ) , في هذا اللقاء الذي تم بينهم  قال البابا : ( لا لسيادة اليهود على الأرض المقدسة ) . وبعد هذا اللقاء دافعت الصحف الكاثوليكية في أوروبا وفي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها عن موقف البابا . حتى إن المجلة الكاثوليكية الأمريكية نشرت في عددها الصادر في إبريل 1918م مقال بعنوان : ( موقف المسيح من التطلعات السياسة - الدينية لليهود ) قالت فيه : ( بما أن الانتقام هو صفة اليهود المميزة , فإن التدمير الكامل لأعدائهم هو من أعظم إنجازات تطلعاتهم القومية . ويرى كثير من اليهود في إشباع مشاعرهم الانتقامية هذا جزءا من عظمة مستقبلهم السعيد ) . تلقف البابا التضامن الإسلامي – المسيحي العربي في فلسطين ضد وعد بلفور ليؤكد رفض السيادة اليهودية على الأرض المقدسة . ففي ديسمبر 1920م , تألفت هيئة إسلامية – مسيحية لمطالبة السلطات البريطانية بإعادة النظر في وعد بلفور , كما أن المؤتمر العربي الثالث في حيفا طالب باستبدال الانتداب البريطاني لفلسطين بحكومة عربية . ( الصهيونية المسيحية , محمد السماك )

 

مذكرة الفاتيكان

احتلت أحداث الانتفاضة الفلسطينية في ربيع عام 1921م , الصفحات الأولى في الصحف الكاثوليكية في العالم . وفي 14 يونيو 1921م , أعلن البابا : ( إن الوضع في فلسطين لم يتحسن , بل إنه ازداد سوءا من خلال التنظيمات المدنية الجديدة التي استهدفت عمليا على الأقل , ولو من غير قصد أصحابها , إقصاء المسيحية عن موقعها السابق ووضع اليهود في مكانها . ولذلك فإننا نهيب بحرارة بجميع المسيحيين بمن فيهم الحكومات غير الكاثوليكية أن تحث عصبة الأمم على إعادة النظر في الانتداب البريطاني على فلسطين ) .وفي 15 مايو 1922م , وجه الفاتيكان مذكرة رسمية إلى عصبة الأمم تنتقد بشدة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين , وجاء في المذكرة التي وضعها الكاردينال ( كاسباري ) : ( إن الحبر الأعظم لا يعارض في أن يتمتع اليهود في فلسطين بالحقوق المدنية أسوة بغيرهم من أبناء الجنسيات والمعتقدات الأخرى , ولكنه لا يمكن أن يوافق على منح اليهود امتيازات على غيرهم من السكان ) .تجاوبا مع هذا الموقف تحركت الدبلوماسية الفرنسية والإيطالية والبرازيلية ( وكلها دول كاثوليكية ) في اتجاه تأخير إقرار الانتداب البريطاني على فلسطين في عصبة الأمم إلى أن يعاد النظر في وعد بلفور ) .

 

سياسة الخداع

في عملية استيعابية وخداعية لهذه التحركات , قام ( ونستون تشرشل ) وكان حينها وزيرا للمستعمرات البريطانية بحركته الالتفافية , فأصدر الورقة البيضاء التي استهدفت إقناع خصوم الصهيونية بفرض قيود على المستقبل  السياسي للمستوطنين اليهود في فلسطين دون إعادة النظر في نص وعد بلفور أو في مضمونه . وفي هذا الإطار أيضا - خداع السياسة البريطانية – جاءت توضيحات القومندون  البريطاني (هوغارث) من المكتب العربي في القاهرة بأن : ( أي مستوطنة يهودية في فلسطين لن تقام إلا في حدود مراعاة الحريات السياسية والاقتصادية للسكان العرب ) . عززت حركة تشرشل الموقف الذي اتخذه الكونجرس الأمريكي بمجلسيه ( الشيوخ والنواب ) في 21 سبتمبر 1922م , بتأييد وعد بلفور بمنح اليهود وطنا قوميا ( دون إلحاق الأذى بالحقوق الدينية للمسيحيين أو غيرهم من المجموعات غير اليهودية ) , - لقد أنكر وعد بلفور وبيان الكونجرس ذكر العرب نهائيا  بل اعتبرهم كجاليات أخرى ,وحتى بيان وتأييد الرئيس الأمريكي ويلسون لوعد بلفور -  . وبسبب الموقفان البريطاني ( الإنجليكاني ) و الأمريكي ( البروتستانتي )  , وكلاهما وقعا تحت تأثير المسيحية الصهيونية وأديا معا إلى إضعاف موقف الفاتيكان ( الكاثوليكي ) من رفضه لوعد بلفور . وبرغم ذلك وبرغم انشغال البابوية بالانعكاسات السلبية على الكنيسة الكاثوليكية في الدول الشيوعية آنذاك , فإن الفاتيكان لم يتراجع عن معارضة تهويد فلسطين خلال الثلاثينيات من القرن المنصرم .

 

معارضة التقسيم

 في يوليو عام 1937م , وفي أعقاب الثورة الفلسطينية التي نشبت  عام 1936م , ثورة عز الدين القسام والتي استمرت ثلاث سنوات , ألفت بريطانيا لجنة للتحقيق . أوصت اللجنة بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية مع إبقاء الأماكن الدينية في القدس وبيت لحم تحت إشراف الانتداب البريطاني .

وعارض العرب المسلمون والمسيحيون توصيات اللجنة , وعارضها الفاتيكان أيضا . ففي مذكرة وجهها إلى الحكومة البريطانية في 6 أغسطس 1936م , عارض البابا تقسيم فلسطين , وعارض بصورة أخص وضع المناطق المقدسة بما فيها بحيرة طبريا والناصرة ضمن الجزء المخصص للدولة اليهودية . وأعرب عن قلقه الشديد من نتائج هذا التقسيم لفلسطين على المجموعات المسيحية . وبنتيجة الثورة الفلسطينية وبنتيجة هذه المعارضة الفاتيكانية  وما رافقها من توتر دولي – حيث كانت نيران الحرب العالمية الثانية بدأت تلوح بالأفق ولخداع العرب وضمهم إلى صفها في الحرب - , تراجعت الحكومة البريطانية عن مشروع التقسيم , وكأسلوبها المخادع في سياستها أصدرت في عام 1939م , ما سمى بالكتاب الأبيض والذي حدد بموجبه عدد اليهود الذين يسمح لهم بالهجرة سنويا إلى فلسطين ومساحة الأراضي التي يسمح لهم بتملكها . وفي نفس الوقت وتحديدا في أغسطس 1938م , عكست الصحف الأمريكية الكاثوليكية منها صحيفتي ( ساين و تابليت ) الحملة الفاتيكانية ضد التقسيم وركزت على : ( أن فلسطين ليست ولن تكون وطنا قوميا لليهود ) .

 

مواقف ثابتة

ظل هذا الموقف من الثوابت الفاتيكانية  حتى إلى ما بعد تصويت الأمم المتحدة على قبول عضوية الكيان الصهيوني المشروطة في المنظمة الدولية في مايو 1949م , ففي 22 يونيو عام 1943م , وردا على بيان المنظمات الصهيونية الذي صدر في نيويورك ( بيان بلطيمور ) في مايو 1942م , وجه المبعوث الفاتيكاني إلى الولايات المتحدة الأمريكية الأسقف ( أملتو تشيكونياني ) مذكرة إلى الحكومة الأمريكية جدد فيها نداءات البابا بنديكت الخامس عشر بمعارضة إنشاء دولة يهودية في فلسطين , وضمن المذكرة صورة من مذكرة الكاردينال غسباري إلى عصبة الأمم في 4 يونيو 1922م , وقد جاء في مذكرة تشيكونياني إلى الإدارة الأمريكية : ( إذا كانت إقامة وطن يهودي أمرا مرغوبا فيه , فلن يكون من العسير إيجاد مكان مناسب أكثر من فلسطين , إن مشاكل دولية جديدة سوف تترتب على زيادة عدد السكان هناك , وسيتصدى كاثوليك العالم لهذا الأمر ) . غير أن الصهيونية المسيحية – أتباع المذهب البروتستانتي – كانت أقدر على انتزاع موقف من الكونجرس يدعو فيه الإدارة الأمريكية إلى بذل جهودها وإلى اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لفتح أبواب فلسطين أمام اليهود وإفساح المجال أمامهم لاستعمارها بحيث يتمكن الشعب اليهودي من إعادة بناء فلسطين كدولة يهودية ديمقراطية حرة .

 

خطر الصهيونية

أمام مواقف الكونجرس و الصهيونية المسيحية المتشددة والمناصرة للصهيونية اليهودية  , أوفد الفاتيكان في العام 1944م , إلى الولايات المتحدة الأمريكية المونسينيور ( توماس ماكماهون ) ليحذر من خطر خضوع الغرب إلى المطالب الصهيونية على المجموعات المسيحية في الشرق . وأكد ماكماهون خلال ذلك أن المسيحيين في العالم يطالبون بصوت واحد : ( أن تحافظ أرض المسيح على قداستها وحرمتها ....وبما أن الإسلام لا يقدر على طرد المسيح من فلسطين -أي المسيحيين  المتواجدين في فلسطين فالإسلام منذ فتح القدس احترم شعائر وطقوس وكنائس المسيحيين  - فإن دولة يهودية سوف تفعل ذلك بالتأكيد ) . وقبل اعتراف الأمم المتحدة بالكيان الصهيوني بأسبوعين , وجه البابا ( بيوس الثاني عشر ) رسالة في الأول من مايو 1948م , قال فيها : ( في الوقت الحاضر هناك قضية أخرى تحزننا وتدمي قلوبنا . إننا نعني بذلك قضية الأماكن المقدسة في فلسطين التي تعرضت منذ وقت طويل لأحداث محزنة والتي تؤدي يوميا إلى عمليات قتل وتدمير , مع ذلك فإذا كان هناك جزء من العالم عزيز على ضمير كل إنسان واعِ ومتحضر , فإن هذا الجزء هو فلسطين ... ) , ثم دعا المسيحين إلى تخصيص الصلاة في شهر مايو ( لتسوية قضية فلسطين على أساس المساواة حتى يسود السلام والتفاهم ) .

 

حقيقة اليهود

تحتل الكنيسة الكاثوليكية النفوذ ذاته داخل الولايات المتحدة الأمريكية موقعا أماميا في التصدي للصهيونية المسيحية . فالفاتيكان التي ظلت حتى مطلع 1994م . لم تعترف بالكيان الصهيوني اعترافا قانونيا  رغم الضغوطات التي مورست عليها  من قبل أتباع المسيحية الصهيونية وأيضا الصهيونية اليهودية  , فقد ظلت أيضا تعارض أهداف الحركة الصهيونية اليهودية , وتعارض هجرة اليهود إلى فلسطين . فالمسيحية  تنظر إلى حقيقة اليهود : ( وتعتبر اليهود خطرا على جميع شعوب العالم , وخاصة على شعوب المسيحية ) . كذلك ترى فيهم ( إن القوى ذاتها التي صلبت المسيح طيلة 1900 سنة , تسعى اليوم إلى صلب كنيسته . لقد فرض على المسيحية في عصرنا الراهن , نضال عظيم , نهايته ستحدد مصير المسيحية حياة أو موتا , لكن معظم القادة المسيحين لم يعوا ذلك بعد . إن اليهودية العالمية التي نجحت في إذلال شعوب الأرض , تترقب الفرصة المواتية الآن لسحق المسيحية سحقا كاملا ) , فيما إعلان البابا ( جريجوري التاسع ) في العام 1242م .إن :  ( التلمود يتضمن كل الكفر والإلحاد والخسة ) كذلك تؤكد المسيحية : ( ففيما نجد في قرآن محمد أفكارا تعبر عن الاهتمام بالمسيح والاحترام العميق لشخصه , نقرأ ليهودي في القرن التاسع عشر وصفه للمسيح بقوله إنه المولود الجديد المقتنع بالموت , وفي أواخر القرن التاسع عشر راح اليهود يصدرون طبعات بالعبرية يوضحون فيها الفقرات السرية من التلمود , كي لا يثيروا حقدنا عليهم , فحذفت من الطبعات غير العبرية الألقاب والنعوت التي اصطلحوا على تسمية المسيح بها , مثل : المجنون , الساحر , النجس , الكلب , ابن الحرام , الوثني , ابن الشهوة .... الخ , إلى جانب مسمياتهم لأمه العذراء الطاهرة ) .


طباعة