من عاصفة الحزم إلى حلف مكة.. 13 تحالفاً سعودياً والهزيمة أمام صنعاء هي النتيجة الواحدة

منذ 26 مارس 2015 وحتى أغسطس 2026، لم تتوقف الرياض عن صياغة التحالفات واختلاق الذرائع لتبريرها. وكلما أخفق تحالف وانكشفت هشاشة مبرراته، سارعت المملكة إلى ابتكار مسوغات جديدة لتغطي بها على الإخفاقات المتعاقبة،

من عاصفة الحزم إلى حلف مكة.. 13 تحالفاً سعودياً والهزيمة أمام صنعاء هي النتيجة الواحدة

متخذة في كل مرة تسمية جديدة، ومتحولة بين الجبهات البحرية والبرية، والدينية والاقتصادية، والإقليمية والدولية؛ بيد أن النتيجة ظلت واحدة وثابتة: عجزٌ تام عن تحقيق الغايات المعلنة لتلك التحالفات، وفي مقدمتها كسر إرادة محور صنعاء بقيادة أنصار الله.

بكيل العزي الحميني *

الحشد الأكبر وبداية الحكاية
بدأت الحكاية بالحشد الأكبر تحت مسمى "التحالف العربي لدعم الشرعية"؛ 17 دولة بجيوشها وطائراتها، تتقدمها 100 طائرة سعودية و150 ألف جندي، إلى جانب 30 طائرة إماراتية ومشاركات متفرقة من البحرين والكويت وقطر والأردن والمغرب والسودان ومصر.
أعلنت تلك العملية باسم "عاصفة الحزم" ثم "إعادة الأمل"، وقيل حينها إنها مسألة أيام أو أسابيع قليلة لتنتهي المعركة مع محور صنعاء والقوى التحالفية لثورة 21 سبتمبر وتستعاد العاصمة وإعادة الشرعية المزعومة.
واليوم، وبعد مضي نحو إحدى عشرة سنة، آل هذا التحالف إلى التفكك العملي؛ فقد خرجت قطر عام 2017، وانسحبت المغرب والسودان بهدوء، بينما لم تدخل مصر المعركة ميدانياً، وتحولت الإمارات إلى منافس ونظير للرياض في المحافظات الجنوبية، لتبدو النتيجة الحتمية: لا الشرعية استُعيدت، ولا حدود المملكة أُمِّنت.

تحالفات تغطية العجز والهزيمة
وللتغطية على التراجع العسكري، اتجهت السعودية نحو تأسيس تكتلات شكلية، كـ (التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب) بمشاركة 41 دولة؛ تحالفٌ بلا غرفة عمليات مركزية، وبلا معركة ميدانية يخوضها، بل ودون بيانٍ يُذكر—سواء أكان عسكرياً أم إنسانياً—فيما شهدته أقطار إسلامية، أو فيما تعرضت له غزة من عدوان صهيوني وإبادة جماعية غير مسبوقة، حيث صُمّت آذان هذا التكتل وغُضّت أبصاره.
وبذلك تحول الحلف إلى مجرد لافتة سياسية تُستخدم لشيطنة محور صنعاء، عاجزة حتى عن إجراء مناورة مشتركة واحدة.
وعندما نقل أنصار الله المواجهة إلى مسرح البحر الأحمر وباب المندب إسناداً لغزة، سارعت الرياض لإنشاء أطر بحرية متعددة: (مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر)، و (القوة البحرية المشتركة CTF-153)، و(التحالف الدولي لحماية الملاحة IMSC).
ثم تلت ذلك التشكيلات الدولية عبر (عملية حارس الازدهار) تقودها الولايات المتحدة في ديسمبر 2023، و(عملية أسبيدس) الأوروبية في 2024. وقد شكل هذا الاستدعاء اعترافاً ضمنياً بالخيبة؛ فالمملكة التي تمتلك الشريط الساحلي الأطول على البحر الأحمر احتاجت لمظلة أمريكية وأوروبية لحماية الملاحة بزعم تهديدها من قبل محور صنعاء، ورغم هذا الحشد البحري الدولي، لم تتمكن تلك القوات من وقف العمليات البحرية القادمة من صنعاء أو كسر معادلة الحظر المتبادل.

تكتلات هشة ونتائج عكسية
وعلى الصعيدين السياسي والأمني، تكرر سيناريو التكتلات الهشة عبر مشروع (الناتو العربي MESA) و (التحالف الرباعي)، في محاولات لعزل أنصار الله وتصويرهم كمجرد طرف يمكن خنقه عبر تحالفات إقليمية، دون إدراك أن المخاطر الاستراتيجية والعدوان الصهيوني لا يميزان بين المكونات الإسلامية بل يستهدفان الأمة برمتها. وكان الأحرى بتلك التكتلات توجيه طاقاتها لنصرة غزة ورفع الظلم عنها، بدلاً من محاصرة القوى(أنصار الله وحلفائهم) التي انحازت لقضيتها ومدت لها يد العون، وحشدت كل الطاقات لمساندتها.
وجاءت النتائج عكسية؛ إذ تسبب التحالف الرباعي في أزمة داخل مجلس التعاون الخليجي، بينما تعثر مشروع الناتو العربي قبل ولادته نتيجة رفض عدة أطراف خوض حروب بالوكالة.
وتوجت هذه المسارات مؤخراً باتفاقيتين أمنيتين بارزتين: (اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك مع باكستان) في 17 سبتمبر 2025، و (اتفاقية مكة للدفاع المشترك) في 7 أغسطس 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان، والتي تنص على اعتبار أي اعتداء على أي دولة منها اعتداءً على الجميع، مع إنشاء أمانة عامة ومشاريع تصنيع عسكري مشتركة. والنتيجة لا أمانة عامة قامت، ولا مصانع عسكرية أنشئت.
وهنا يطرح المتابع تساءلاً محورياً: لماذا تلجأ السعودية إلى الاستعانة بقوى إقليمية ودول ذات قدرات نووية كباكستان وتركيا لحماية أراضيها والمقدسات الإسلامية إذا كانت قد حققت الحسم في اليمن كما تعلن؟ ولماذا يُصار إلى إشاعة استنفار شامل في منطقة مكة المكرمة—التي تمتد على مساحة 137 ألف كيلومتر مربع وتضم مدناً رئيسية و16 محافظة كجدة والطائف والقنفذة والليث والخرمة ورابغ وغيرها—بدعوى التهديدات القادمة من اليمن، واستدعاء منصات إعلامية ومحللين لتضخيم هذه الروايات؟

استراتيجية مواجهة صريحة
إن القراءة الفاحصة لسلوك أنصار الله وبياناتهم الرسمية تعكس استراتيجية صريحة في الإعلان عن عملياتهم العسكرية بكل وضوح ودون تردد، مع حرصهم المعلن والمستمر على قدسية الحرمين الشريفين والمقدسات الإسلامية. وبالتالي، فإن اختلاق روايات عن استهداف مكة المكرمة يُقرأ في سياق محاولات الرياض استغلال الرمزية الدينية للحرمين بهدفين رئيسيين: الأول، استجداء عاطفة العالم الإسلامي وشيطنة موقف صنعاء بعد خيبة التحالفات العسكرية؛ والثاني، حث أنقرة وإسلام آباد على تفعيل بند الدفاع المشترك بعد امتناعهما المباشر عن المشاركة في العمليات العسكرية داخل اليمن.
وبالعودة لموقف صنعاء المساند لغزة ففي الوقت الذي تراجعت فيه مواقف العديد من الأطراف تجاه غزة، اتخذ أنصار الله خيار المواجهة المباشرة؛ عبر استهداف مواقع في العمق الفلسطيني المحتل (كـ إيلات ويافا)، وفرض حظر بحري على الملاحة المرتبطة بالكيان الصهيوني وحلفائه، متحملين تبعات ذلك من ضربات جوية أمريكية وبريطانية وإسرائيلية طالت صنعاء والحديدة وعمران، وقدموا في سبيل ذلك قيادات بارزة وخسارات فادحة. وبالتالي هذا التحول نقل المواجهة—من وجهة نظري الشخصية وكثير من المحللين—من إطار النزاع المحلي إلى مسار التحرر الإقليمي والانحياز للقضايا المركزية للأمة.
إن حصيلة 13 تحالفاً سعودياً وإقليمياً ودولياً، ممتدة من "عاصفة الحزم" إلى "حلف مكة"، تظهر مفارقة بين حجم التكتلات العسكرية المسخرة والنتائج المتحققة على الأرض. فسنوات العدوان والحصار لم تؤدِّ إلى تفكيك القوة الميدانية في صنعاء، بل أسهمت في انتقالها من الفاعلية المحلية إلى فرض معادلات إقليمية ودولية في البحر الأحمر والعمق الإقليمي.

والخلاصة هي ، أن الاعتماد على خيار التحالفات الكبيرة والمواجهات العسكرية الشاملة لم يحقق الأهداف المعلنة للرياض: فلا سلطة الشرعية المزعومة عادت إلى العاصمة، ولا التهديدات الحدودية زالت، ولا الملاحة البحرية خضعت لسيطرة الرياض وتحلفاتها، ؛ مما يجعل هذه المحطات بمثابة تحول استراتيجي في توازنات القوى بالمنطقة.

* أمين عام حزب شباب العدالة والتنمية


طباعة