كيف استولى الكيان الصهيوني على المنابر الإعلامية في العالم؟! (1-2)

كيف استولى الكيان الصهيوني على المنابر الإعلامية في العالم؟! (1-2)

بشير القيز

 

في زمن صار فيه الكذب صنعة، والدجل مهنة راقية، يجلس الكيان الصهيوني على عرش الإعلام العالمي كـ"مخرج" وقح، يُدير مشاهد الدماء كأنها أفلام دعائية، يحرر الحقيقة بالمقص، ويرمي الضحية خلف الكواليس..

هكذا تحولت شاشات الأخبار إلى معسكرات تدريب على النفاق، وتحولت منصات الإنترنت إلى أبواق تصدح بأكاذيب تُغلف بالإنسانية الزائفة.ولأن المعركة على الوعي لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض، كان لا بد من تفكيك هذه المنظومة الإعلامية الصهيونية، والوقوف على مكامن تغلغلها، وأساليبها الملتوية في صناعة الرواية وتحريف الوقائع.في هذا التحليل، ننتقل من رصد الصورة العامة إلى الغوص في التفاصيل: كيف بنى الكيان شبكاته الإعلامية حول عنق الحقيقة..؟  كيف اختطف المنابر العالمية لتغني على ألحانه المزيفة...؟وكيف جاءت عملية "طوفان الأقصى" كصفعة فجّرت الشاشات المزخرفة وكشفت الزيف المستتر خلف أقنعة الإنسانية المصطنعة..؟على هذه الأسئلة، وعلى غيرها، يحاول هذا التحليل أن يقدّم إجابات فاضحة، تكشف الحقيقة كما هي:

 

أرض الفرص الواسعة لصناعة الكذبة المقدسة

حين اجتمع أرباب المشروع الصهيوني في مؤتمر بازل عام 1897م برئاسة «تيودور هرتزل»، كانوا يدركون أن الحلم اليهودي لن يُنسج بالخيوط المتقطعة للحروب وحدها، بل لا بد له من نولٍ آخر: نولٍ ينسج وعي العالم، ويخيط الحقائق كما يشاؤون... فاستقر الرأي يومها على أن مفاتيح النصر لا تُؤخذ بالسلاح فقط، بل تُصنع على موائد الإعلام.

ومنذ تلك اللحظة، مضى الصهاينة يزرعون أياديهم في جسد الصحافة الغربية كما تُغرس الخناجر في خاصرة غافل في بريطانيا، لم يتأخروا كثيرًا عن اقتحام الصحف الكبرى: فاستقروا في «التايمز»، واستوطنوا «الصنداي تايمز»، وعبثوا بمحررات «الصن» و«سيتي ماغازين»، حتى تحولت "حرية الإعلام" هناك إلى حرية مرهونة بتصريح عبري.

بحلول عام 1981م، كانت الأرقام تتحدث بجرأة المجاهرين بالخيانة: خمسة عشر صحيفة بريطانية خاضعة للقبضة الصهيونية توزع يوميًا قرابة 33 مليون نسخة، داخل بريطانيا وخارجها؛ جرائد تُباع للناس كالمقدسات، وما هي إلا نشرة أوامر مغلفة بورق فاخر.

أما الولايات المتحدة الأميركية، فحدث ولا حرج؛ فقد صارت أرض الفرص الواسعة فرصةً كبرى لصناعة الكذبة المقدسة:

1759 صحيفة يومية، و668 صحيفة أسبوعية تتوزع بين يدي 61 مليون أميركي، وتدور حولها أكثر من 1700 شركة توزيع، نصفها أسير بيد الصهاينة، والنصف الآخر يقبع راضيًا في قوائم الانتظار.

وإذا كانت فرنسا قد ادعت يوماً أنها أمُّ الحريات، فقد نُكست راياتها على أعتاب نفوذ صهيوني وقح، فرض سطوته رغم أن عدد اليهود هناك لا يزيد على 700 ألف نسمة، لكنهم مدوا أعناقهم في السياسة والاقتصاد والإعلام حتى خُيِّل للمرء أن باريس باتت ضاحية من ضواحي تل أبيب.

ولم يكتفِ الأخطبوط الصهيوني بابتلاع الصحافة، بل أرسل مجساته إلى ميادين الفن والإعلام البصري؛ففي هوليوود ـ عاصمة الخيال ـ لم يبقَ من الحلم الأميركي سوى لافتة على بوابة مدينة اختطفتها أقليات متنفذة: إذ تشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 90% من صنّاع السينما الأميركية ـ إنتاجًا وإخراجًا وتمثيلًا وتصويرًا ومونتاجًا ـ يسبّحون بحمد المشروع الصهيوني صبحًا ومساءً.

أما التلفزة الأميركية، تلك القلاع الإعلامية التي تتبجح بالحياد، فهي في حقيقتها أسوار محصنة يحرسها مرتزقة الدعاية الصهيونية، يبثون للعالم سموم الرواية الإسرائيلية مزينةً بألوان الديمقراطية الزائفة حتى المسارح لم تسلمو ولا قاعات الفنون؛ فقد وُضِعت تحت مقصلة الرقابة الصهيونية، فلا يُرفع ستار، ولا يُضاء مشهد، ولا يُقال بيتُ شعر، إلا بإذن من سدنة الهيمنة الإعلامية.

 

كيف أسس الصهاينة إمبراطوريات الإعلام الكبرى؟

منذ بواكير ثمانينيات القرن العشرين، نجح اللوبي الإعلامي اليهودي في اختراق آلة "الميديا" الناشئة، واضعاً نصب عينيه هدفاً مركزياً: السيطرة على العقول تمهيداً للسيطرة على السيادات والمجتمعات، انطلاقاً من الولايات المتحدة، حيثُ وفرت الأرض الأميركية الحاضنة الأمثل لانطلاقة هذا المشروع الطموح.

ومع انحلال المعسكر الاشتراكي وبزوغ شمس العولمة الليبرالية، تهافت رأس المال اليهودي للاستحواذ على ماكينة الإعلام، مؤسساً بذلك قواعد حرب نفسية مستدامة، تستند إلى مؤسسات عملاقة تحترف صناعة الصوت والصورة والخبر..وبقراءة الخريطة الإعلامية، يتبين أن هذه الآلة الجبارة تتركز اليوم بقبضة خمس إمبراطوريات كبرى، تدار جميعها بأيدٍ يهودية ماهرة، ضامنةً بذلك تدفق الرواية المعلبة بما يخدم مشاريع الهيمنة الإقليمية، وخصوصاً في آسيا والشرق الأوسط.

 

أولاً: إمبراطورية "أميركا أون لاين – تايم وورنر"

أكبر الكيانات الإعلامية الأميركية في الوقت الحاضر، وقد تشكّلت إثر صفقة ضخمة بلغت 160 مليار دولار، استحوذت بها شركة "أميركا أون لاين" على "تايم وورنر". وبموجب هذه الصفقة أصبح جيرالد ليفين، اليهودي الأصل، المدير التنفيذي الأوحد.

سيطر اليهود بذلك على "تايم وورنر" وأحكموا قبضتهم على سوق الإنترنت في أميركا الشمالية، حيث تعد "أميركا أون لاين" أكبر مزود لخدمات الشبكة العنكبوتية هناك، فاتحةً بوابات السيطرة الناعمة على العقول.

 

ثانياً: إمبراطورية "والت ديزني"

مملكة الإنتاج الترفيهي، التي بلغت وارداتها عام 1997 نحو 23 مليار دولار. يترأسها مايكل أيزنر، اليهودي الشغوف بالهيمنة حتى النخاع، بحسب وصف بعض وسائل الإعلام.

تتبع لـ"ديزني" سلسلة من الشركات مثل "والت ديزني تيليفجن"، و"تاتشستون تيليفجن"، و"بوينا فيستا تيليفجن"، وشبكات الكيبل التي تضم أكثر من مئة مليون مشترك.

أما في مجال الإنتاج السينمائي، فتدير ديزني عبر ذراعها "والت ديزني بيكتشرز"، و"تاتشستون بيكتشرز"، و"هوليوود بيكتشرز"، و"كارافان بيكتشرز" التي أسسها اليهودي جوزيف روث وأدارها لاحقاً زميله روجر بيرنباوم.

وتشرف ديزني أيضاً على شبكة "إيه إس بي إن" بقيادة اليهودي ستيفن بورنشتاين، وتملك شبكة إذاعية واسعة، بالإضافة إلى مؤسسة "فير تشايلد بابليكيشن" المتخصصة بالنشر.

 

ثالثاً: إمبراطورية "فياكوم"

تخضع لسيطرة اليهودي سومنر ريدستون الذي يمتلك 76% من أسهمها تدير المجموعة 13 قناة تلفزيونية و12 محطة إذاعية، إلى جانب شركة "باراماونت بيكتشرز" التي ترأسها اليهودية شيري لانسينغ وتعتبر "فياكوم" أكبر مزود للبرامج عبر الكيبل، حيث تمتلك شبكات ضخمة مثل "شوتايم"، و"إم تي في"، و"نيكلوديون"، التي تستهدف الأطفال وقد بلغ عدد مشتركيها أكثر من 65 مليون مشترك داخل الولايات المتحدة، مع توسع سريع في أوروبا.

 

رابعاً: إمبراطورية "يونيفرسال ستوديوز"

يملكها ويديرها اليهودي إدغار برونفمان الابن، نجل رئيس المؤتمر اليهودي العالمي امتلك برونفمان شركتي "إم سي إيه" و"يونيفرسال بيكتشرز" بعد دمجهما، وزاد من سطوته بشراء شركة "بوليغرام" الأوروبية العملاقة مقابل 10.6 مليارات دولار عام 1998تضم "بوليغرام" شركات تسجيل كبرى مثل "غراموفون" و"ديكا" و"فيليبس"، وتبلغ عائداتها السنوية نحو 12 مليار دولار كما نسبت إليها مسؤولية ترويج موسيقى "الراب"، التي تدفع السود إلى العنف والانفلات الأخلاقي، تحت ذرائع "التحرر الثقافي"، ضمن خطة مبرمجة لتحطيم الهوية.

 

خامساً: إمبراطورية "فوكس االإعلامية

يتربع على عرشها اليهودي الأسترالي روبرت مردوخ، صاحب اليد الطولى في التحكم بالإعلام المرئي والنشر السينمائي وتشمل مجموعته شركات ضخمة مثل "فوكس تيليفيجن نيتوورك"، و"توينتيث سينتشري فوكس"، و"فوكس 2000"، بإيرادات تخطت 11 مليار دولار عام 1997.. ويترأس العمليات التنفيذيّة بيتر تشيرنين، اليهودي الشهير وتعمل تحت إشرافه لاورا زيسكين رئيسة "توينتيث سينتشري فوكس"، واليهودي بيتر روث مدير "فوكس إنترتينمنت".

 

الإعلام التقليدي قبل الاحتواء الكامل

لم تكن شبكات التلفزة الأميركية الكبرى (ABC، CBS، NBC) بعيدة يوماً عن النفوذ اليهودي حيث سيطر على "ABC" ليونارد غولدينسون، وعلى "NBC" كل من ويليام بالي ولورنس تيش، وكلاهما يهوديان وظل الطاقم الإداري والفني والإعلامي في هذه الشبكات مرصّعاً باليهود طيلة عقود ومع صعود الإمبراطوريات الكبرى، تم ابتلاع هذه الشبكات، وانتقل معها النفوذ بسلاسة، ليكتمل احتكار الرواية دون أن يرفّ للعالم جفن.

 

اللوبي اليهودي في واشنطن..من "إيباك" إلى الهيمنة الإعلامية

تظل الولايات المتحدة الأميركية، مع كل ادعاءاتها عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، هي الحاضنة الكبرى للهيمنة اليهودية في السياسة والإعلام. وإذا كنت قد تخيلت يومًا أن قوة المال وحدها هي التي تسير الأمور هناك، فـ "إيباك" قد أثبتت لك أن السياسة في واشنطن ليست فقط لعبة للمال، بل لعبة عصابات إعلامية وخيوط خفية تسحبها من وراء الكواليس.

كما يقول الاقتصادي رودريغ ترامبلي، لا يمكنك فهم ما يحدث سياسيًا في واشنطن من دون أن تدرك أن هناك تحالفًا صلبًا بين الصهاينة المسيحيين والجماعات اليهودية .. هذا التحالف ليس مجرد كارتل مالي، بل هو الآمر الناهي في السياسة الأميركية.. هذه الميليشيا السياسية تسيطر على كل شيء، بدءًا من البنتاغون ووزارة الخارجية، وصولاً إلى الكونغرس الأميركي، وبالطبع وسائل الإعلام الكبرى في واشنطن، إذا أردت أن تصبح سياسيًا ذا وزن، عليك أن تمر عبر بوابة «إيباك».

وكأن هذا اللوبي ليس قويًا بما فيه الكفاية، فإن «إيباك» لا تكتفي بتوجيه النصائح؛ بل هي التي تحدد مصير الانتخابات، وتدير الحملات السياسية بأيديها، حتى أن السياسيين الأميركيين لا يتجرأون على تحدي إرادتها، وإلا فإنهم يتحولون إلى حطام سياسي في مهب الريح وبالطبع، يضمن هذا اللوبي أن الانتخابات ستظل مشهدًا هزليًا حيث لا يُسمح بأي نقد لإسرائيل أو حتى لإمبراطورية أميركا المتغطرسة.

وفي حال كانت لديك شكوك بشأن هذا التأثير، فالأبحاث الأكاديمية الحديثة أزالت الغموض تمامًا.. دراسة نُشرت في 2006 من قبل بروفسورَيْن أميركيَّين، بينت بشكل لا لبس فيه أن «إيباك» ليست مجرد منظمة ضغط عابرة، بل هي المحرك الرئيسي للسياسات الأميركية التي جلبت للعالم الحرب على العراق..وإذا لم يكن ذلك كافيًا، فهنالك أيضًا "مكتب اللاسامية الشاملة" الذي أنشأته وزارة الخارجية الأميركية لمراقبة أي انتقاد لإسرائيل أو سياسة أميركا المتغطرسة، وكأن العالم بحاجة إلى وكيل دائم لفحص نوايا النقد ضد الدولة العبرية.

أما على الصعيد الديني، فالمسيحيون الصهاينة قاموا بعملهم على أكمل وجه. 40% من الأميركيين يعتقدون أن إسرائيل هي هدية إلهية، بينما الثلث يؤمنون بأن إنشاء إسرائيل كان بداية نهاية العالم، وكأننا في فيلم رعب ديني قديم.

 

وكالات الأنباء والصحافة في قبضة الكيان

رويترز منبعها يهودي اسمه جوليوس رويتر، الذي كان يُدعى قبل "التجميل الإعلامي" إسرائيل جوزافات. أما أسوشيتد برس، ذلك الاسم المقدس في الصحافة الأمريكية، فقد تأسست وسط "مستنقع" من الصحف المتصهينة، قبل أن تتوحد لاحقًا تحت راية الإعلام الخاضع للمال اليهودي...وفي فرنسا أنشأ اليهودي هاشيت وكالته، وأسَّس آخرون وكالة هافاس التي أصبحت الصوت الرسمي للجمهورية "العلمانية" التي لا تنام إلا على أنغام الكنيست.

أما الصحافة فحدّث ولا حرج: صحيفة التايمز العريقة حين أصابتها الشيخوخة والإفلاس، هرع إلى نجدتها اليهودي روبرت ميردوخ، الذي لا يملك صحيفة إلا وتحولت إلى جوقة تلميع للكيان الصهيوني، مع بعض الإعلانات الإباحية على الهامش لضمان شعبية الرسالة! يمتلك ميردوخ مجلات مثل "صن" و"نيوز أوف ذي وورلد"، حيث الإباحية تُقدَّم كأنها وجبة ثقافية يومية لشعب الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس!

أما بريطانيا – حاملة شعلة الحضارة الغربية كما تزعم – فتحولت إلى حديقة خلفية للصحف اليهودية، بدءًا من ديلي تلغراف إلى الديلي إكسبريس، وكلها تخضع لذات "الإله الإعلامي" متعدد الأذرع.

لم يكن غسيل أدمغة الرأي العام العالمي، وعلى رأسه الأمريكي والأوروبي، من قبل اليهود مجرد "ضربة حظ"، بل كان نتاج عقود طويلة من التخطيط المحكم والمكر الأسود. ففيما كانت صورة اليهودي تتجسد في أذهان البشر بذلك النمط الكاريكاتوري: البخيل الماكر، سفاك الدماء، الجبان الأناني، سعى حكماء الصهيونية إلى إعادة تصنيع هذه الصورة عبر ماكينة إعلامية جبارة، ليظهر اليهودي فجأة في ثوب العبقري الطموح والإنساني الملهِم.

ولعل أفضل تلخيص لاستراتيجية هذا الانقلاب الكوني ما قاله الحاخام اليهودي "راشورون" في خطاب ببراغ عام 1869م:"إذا كان الذهب هو قوتنا الأولى للسيطرة على العالم، فإن الصحافة ينبغي أن تكون قوتنا الثانية."


طباعة