نموذج العمل التنموي المتكامل: الاقتصاد المجتمعي والمقاوم (الحلقة السابعة)

نموذج العمل التنموي المتكامل: الاقتصاد المجتمعي والمقاوم (الحلقة السابعة)

في حلقة اليوم، نواصل الحديث عن نموذج العمل التنموي المتكامل، ونتناول إحدى سياساته المهمة، وهي سياسة الاقتصاد المجتمعي والمقاوم، التي لا تقل أهمية عن بقية السياسات، بل قد تكون من أهمها؛ لما لها من دور في تعزيز الصمود والثبات، وحماية الاقتصاد الوطني من الانهيار في مواجهة الأزمات والحروب والعدوان.

وعند الحديث عن الاقتصاد المجتمعي، قد يتبادر إلى الذهن أن البناء الاقتصادي مسؤولية الدولة من خلال الاقتصاد الحكومي، أو القطاع الخاص الذي يمتلك رؤوس الأموال الكبيرة. غير أن الواقع يؤكد أن المجتمع نفسه يمثل ركيزة أساسية في بناء الاقتصاد الوطني، وتقدر مساهمته بما لا يقل عن 75%، وقد تتجاوز هذه النسبة في بعض الأنشطة.
ويمتاز الاقتصاد المجتمعي بقدرته على تشغيل شريحة واسعة من الأيدي العاملة، واعتماده على المواد الخام المحلية، وانخفاض تكاليفه، وإسهامه في خفض فاتورة الاستيراد، وتعزيز الاستقرار الأسري، إلى جانب قدرته العالية على الصمود أمام الأزمات والحروب، مقارنة بالاقتصاد الحكومي أو بعض أنشطة القطاع الخاص التي تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة، وتعتمد بدرجات متفاوتة على المدخلات المستوردة، وتتركز غالباً في المدن.
ومن هنا تظهر أهمية الاقتصاد المجتمعي في بناء اقتصاد أكثر قدرة على المقاومة. فعلى سبيل المثال، عندما تُنشأ مزرعة أبقار حكومية أو خاصة على نطاق كبير، فإنها تحتاج إلى استثمارات ضخمة لإنشاء البنية التحتية، واستيراد السلالات والآلات والمعدات، كما تشغل عدداً محدوداً من الأيدي العاملة مقارنة بعدد الأسر التي يمكن أن تعمل في تربية المواشي على المستوى المجتمعي. وفي حال تعرض هذه المنشأة للاستهداف أو التدمير، يتوقف إنتاجها بصورة كاملة.
أما عندما يمتلك المزارعون الأبقار في منازلهم ومزارعهم الصغيرة، فإن الإنتاج يصبح موزعاً في مئات وآلاف المواقع، ويصعب تعطيله أو استهدافه بالكامل. كما أن هذه الثروة تعتمد بدرجة أكبر على السلالات المحلية والخبرات المتوارثة، ولا تحتاج إلى منشآت ضخمة، وتوفر الحليب والسمن والجبن والزبادي وغيرها من المنتجات للأسر والمجتمع.
وينطبق الأمر ذاته على إنتاج الحبوب والبقوليات والفواكه والخضروات، وكذلك على معامل إنتاج الألبان والصلصة وغيرها من الصناعات الغذائية الصغيرة. فرغم محدودية حجم هذه المشاريع، إلا أنها قادرة على تشغيل أعداد كبيرة من الأيدي العاملة، والاستفادة من المواد المحلية، وتوزيع الإنتاج على مناطق متعددة، ما يجعلها أكثر قدرة على الصمود والاستمرار.
ولعل تجربة القطاع الزراعي خلال سنوات الحرب والعدوان خير دليل على أهمية الاقتصاد المجتمعي. فعلى الرغم من الخسائر والأضرار الكبيرة التي لحقت بالقطاع الزراعي، والتي تجاوزت الخسائر المباشرة وغير المباشرة فيها 111 مليار دولار، إلا أن القطاع لم يتوقف ولم ينهَر، بل استطاع الصمود والاستمرار واستيعاب أعداد كبيرة من الأيدي العاملة التي فقدت وظائفها أو مصادر دخلها في قطاعات أخرى.
ففي الوقت الذي توقفت فيه قطاعات النفط والغاز والسياحة والنقل، وتراجعت الصناعة بصورة كبيرة، ظل القطاع الزراعي قائماً؛ لأنه يعتمد بدرجة واسعة على مزارعين صغار يمتلكون أراضي محدودة، ويعملون بمواردهم وإمكاناتهم، ولا يعتمدون بصورة كاملة على الدولة أو المدخلات المستوردة. وهذه إحدى المزايا النسبية المهمة للاقتصاد الزراعي والمجتمعي في اليمن.
والأمر ذاته يمكن ملاحظته في قطاع الكهرباء. فبعد استهداف محطات توليد الكهرباء وتوقف المنظومة الحكومية، دخل المجتمع والقطاع الخاص في توفير بدائل للطاقة، وتحولت الكهرباء من منظومة حكومية مركزية إلى منظومة موزعة تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة الشمسية. وأصبح المواطنون والمستشفيات والبنوك والمدارس والمؤسسات يمتلكون أنظمة طاقة مستقلة، ما جعل قطاع الكهرباء أكثر قدرة على الاستمرار، وأقل عرضة للتوقف الشامل؛ لأن مصادر التوليد أصبحت موزعة في الأحياء والمنازل والمؤسسات.
لكن بقاء الاقتصاد المجتمعي قوياً ومقاوماً لا يعني تركه يعمل بصورة عشوائية، وإنما يحتاج إلى تنظيم وتنسيق يضمن تكامل الجهود وتحويل الطاقات الفردية إلى قوة اقتصادية جماعية. ويتم ذلك من خلال الجمعيات التعاونية الزراعية متعددة الأغراض، التي ينظم في إطارها المزارعون والأسر المنتجة وأصحاب المعامل والحرف اليدوية والأنشطة الإنتاجية المختلفة، بما يتيح تنظيم الإنتاج وتوفير مستلزماته والتصنيع والتسويق والاستفادة من الموارد المحلية. كما ينتظم الصيادون في الجمعيات التعاونية السمكية، مثل جمعية ساحل تهامة، بما يسهم في تنظيم أعمالهم وحماية مصالحهم وتطوير الإنتاج السمكي وتسويقه. وبهذا التنظيم تتحول الجهود الفردية المتفرقة إلى قوة اقتصادية مجتمعية منظمة، وتتسع دائرة التكامل بين المجتمع والقطاع الخاص والدولة، بما يعزز الإنتاج والصمود والاستمرار.
ويتحقق هذا التكامل من خلال ثلاثة مكونات رئيسية: الاقتصاد الحكومي، والقطاع الخاص، والاقتصاد المجتمعي. فالدولة، ممثلة في الوزارات والمؤسسات والهيئات، تتولى وضع السياسات والأنظمة واللوائح والقوانين، والتنظيم والرقابة، وتوفير الخدمات العامة والتدريب والتأهيل. بينما يقوم القطاع الخاص بالاستثمار والتصنيع والتسويق وتوفير الخدمات، في حين يتولى الاقتصاد المجتمعي الإنتاج الأولي والاستفادة من الموارد المحلية وتنظيم المنتجين من خلال الجمعيات والتعاونيات.
فعلى سبيل المثال، في سلسلة الألبان، يتولى المزارعون تربية الأبقار وإنتاج الحليب، ويقوم القطاع الخاص بشراء الحليب وتصنيعه إلى زبادي وجبن وزبدة وغيرها من المنتجات، إضافة إلى الاستثمار في مصانع الأعلاف والخدمات المرتبطة بالإنتاج. أما الدولة فتتولى التنظيم والرقابة، وتدريب وتأهيل الأطباء البيطريين، وتوفير اللقاحات والخدمات الإرشادية، بالتنسيق مع القطاع الخاص والمجتمع.
وينطبق هذا النموذج على بقية سلاسل الإنتاج؛ فمثلاً يمكن للمزارعين إنتاج القطن وتسليمه إلى مصانع الغزل والنسيج، ثم تقوم المصانع بإنتاج الخيوط والأقمشة، ويأتي القطاع الخاص ليحولها إلى ملابس ومنتجات نهائية تصل إلى المستهلك. وبهذه الطريقة تتحول عملية الإنتاج من حلقات منفصلة إلى سلسلة قيمة متكاملة، يشارك فيها كل طرف وفق دوره واختصاصه.
إن الاقتصاد الذي يقوم على هذا التكامل يكون أكثر قدرة على الاستمرار والصمود؛ لأنه لا يعتمد على حلقة واحدة يمكن تعطيلها أو استهدافها، وإنما يقوم على شبكة واسعة من المنتجين والمصنعين والمسوقين والمستهلكين، موزعة في مختلف المناطق. وبالتالي، فإن أي خلل في جزء منها لا يعني انهيار المنظومة الاقتصادية بالكامل.
وإذا عدنا إلى تاريخ المجتمع اليمني، سنجد أن الاقتصاد المجتمعي كان في فترات طويلة أساس الحياة الاقتصادية، وأن المجتمع كان أكثر اعتماداً على موارده المحلية. فقد كان المزارع ينتج القمح والشعير والذرة والبقوليات، ويمتلك الأغنام والأبقار والماعز والدجاج، ويوفر لأسرته الحليب والسمن واللحوم والبيض، كما كانت كثير من الاحتياجات والملابس والأدوات تُنتج محلياً من الموارد المتاحة.
وهذا النمط من الحياة لم يكن مجرد أسلوب اقتصادي، وإنما كان يمثل نموذجاً من الاكتفاء والاعتماد على الذات، ويمنح المجتمع قدرة أكبر على مواجهة الأزمات والحروب والتحديات، ويقلل من ارتهانه للخارج.
ومن هنا، فإن بناء الاقتصاد المجتمعي والمقاوم لا يعني العودة إلى الماضي بكل تفاصيله، وإنما الاستفادة من المبادئ التي جعلت المجتمع أكثر اعتماداً على ذاته، وتطويرها بأدوات العصر والتكنولوجيا الحديثة. فالهدف هو بناء اقتصاد وطني متكامل، يبدأ من المنتج الصغير، ويمر عبر الجمعيات والتعاونيات، ثم التصنيع والتسويق، وصولاً إلى المستهلك، مع قيام الدولة بدورها في التخطيط والتنظيم والحماية، وقيام القطاع الخاص بدوره في الاستثمار والتصنيع والخدمات.
وفي الخلاصة، فإن قوة الاقتصاد الوطني لا تقاس فقط بحجم المصانع والمشروعات الكبرى، وإنما بقدرته على الاستمرار عندما تتعرض البلاد للأزمات. وكلما كان الإنتاج موزعاً بين آلاف المزارعين والصيادين والأسر المنتجة والحرفيين وأصحاب المشروعات الصغيرة، كان الاقتصاد أكثر صموداً وأقل قابلية للانهيار أو الابتزاز.
ولهذا فإن الاقتصاد المجتمعي والمقاوم يمثل أحد الأعمدة الأساسية لنموذج العمل التنموي المتكامل؛ لأنه يحول المجتمع من مجرد مستهلك إلى شريك ومنتج، ومن الاعتماد على الخارج إلى الاعتماد على الموارد المحلية، ومن المشروعات المنعزلة إلى سلاسل قيمة مترابطة. وعندما تتكامل جهود الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، يصبح الاقتصاد أكثر قدرة على حماية قوته الإنتاجية، وتحقيق الاكتفاء، وخلق فرص العمل، وتعزيز الاستقرار، ومواجهة الأزمات بثبات.
فالتنمية الحقيقية ليست في أن نبني اقتصاداً كبيراً فقط، وإنما في أن نبني اقتصاداً يستطيع الصمود والاستمرار والنهوض مهما كانت التحديات؛ اقتصاداً يكون المجتمع فيه شريكاً أساسياً في الإنتاج، والدولة حاضنة ومنظمة، والقطاع الخاص محركاً للاستثمار والتصنيع، لتصبح التنمية قوة وطنية متكاملة لا تستطيع الأزمات كسرها ولا العدوان إسقاطها.


طباعة