ثلاث سنوات على الطوفان الذي غيّر قواعد المنطقة

ثلاث سنوات على الطوفان الذي غيّر قواعد المنطقة

في مثل هذا اليوم، قبل ثلاث سنوات، لم يكن العالم على موعد مع عملية عسكرية عابرة، بل مع زلزال استراتيجي أعاد رسم خريطة الصراع في المنطقة بأكملها، لم يكن طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 مجرد رد فعل لحظي،

بل كان إعلاناً صريحاً بأن زمن الاستفراد بالقضية الفلسطينية وتصفيتها عبر صفقات التطبيع قد انتهى إلى غير رجعة، وثلاث سنوات مرت، وما زالت تداعيات ذلك اليوم التاريخي تتوالى.
لأكثر من سبعة عقود، روّج الاحتلال لفكرة الجيش الذي لا يُقهر والمنظومة الأمنية التي لا تخترق، ولكن في ساعات معدودة صباح السابع من أكتوبر، سقطت تلك الأسطورة من جذورها وأثبتت المقاومة الفلسطينية أن الإرادة حين تمتلك القرار والقدرة، قادرة على اختراق كل التحصينات مهما بلغت تكلفتها وتعقيدها. وما حدث في غلاف غزة لم يكن تفوقاً عسكرياً فحسب، بل كان انتصاراً للعقل الأمني الفلسطيني على منظومة استخبارات دولية كاملة، وأهم تحول استراتيجي فرضه الطوفان هو أنه أنهى جغرافيا الصراع المجزأة، فلم تعد غزة وحدها تقاتل.
وخلال ثلاث سنوات، تشكلت معادلة جديدة اسمها "وحدة الساحات"، فلسطين تقاتل في الميدان، ولبنان يسند، والعراق يضغط، واليمن غيّر قواعد الاشتباك البحري في العالم، ولأول مرة منذ عقود، وجدت واشنطن وتل أبيب نفسيهما أمام جبهة واحدة ممتدة من البحر الأحمر إلى جنوب لبنان، فالحصار البحري الذي فرضه اليمن في باب المندب، وإغلاق ميناء أم الرشراش، ليسا حدثين منفصلين عن طوفان الأقصى، بل هما امتداده الاستراتيجي المباشر الذي حول شعار "لستم وحدكم" من خطاب تضامني إلى واقع عسكري يهدد سلاسل الإمداد العالمية.
اليوم وبعد ثلاث سنوات من طوفان الأقصى نسأل: ماذا حقق الاحتلال؟
الحقيقة أنه لم يحقق شيئاً رغم ارتكابه جرائم حرب بشعة يندى لها جبين الإنسانية، ولم يحصد سوى العزلة والذل والهوان، فعسكرياً، فشل في تحقيق أي من أهدافه المعلنة ولم يستعد أسراه بالقوة، ولم يقضِ على المقاومة، ولم يفرض واقعاً أمنياً جديداً في القطاع.
وسياسياً، تحول من كيان يبحث عن التطبيع مع العواصم العربية إلى كيان معزول تلاحقه مذكرات المحاكم الدولية وتظاهرات شوارع العالم في واشنطن ولندن وباريس.
وإنسانياً وأخلاقياً، كشف الطوفان حقيقة الاحتلال أمام الرأي العام العالمي، فصور المجازر في غزة أسقطت كل دعاية استمرت 75 عاماً، وأعادت فلسطين إلى قلب كل جامعة وعاصمة.
بالنسبة لليمن، لم يكن طوفان الأقصى حدثاً خارجياً أو تضامناً عابراً، فاليمن الذي عاش 12 عاماً من العدوان والحصار وقصف المطارات والموانئ، وجد في طوفان الأقصى معركته ذاتها، ولذلك كان الموقف اليمني هو الأكثر تقدماً والأكثر كلفة، وفتح جبهة بحرية استراتيجية أربكت الاقتصاد العالمي وفرض معادلة واضحة "أمن البحر الأحمر مرتبط بأمن غزة"، ولا يمكن فصل المسارين، وبهذا أصبح اليمن شريكاً حقيقياً في صناعة معادلة الردع الجديدة، لا متضامناً بالخطابات.
بعد ثلاث سنوات، يمكن القول بثقة طوفان الأقصى لم ينتهِ في 7 أكتوبر، بل بدأ هناك، فهو لم يكن معركة يوم واحد، بل مسار تحرري جديد أعاد الاعتبار للمقاومة كخيار استراتيجي وحيد بعد فشل كل مسارات التسوية والتفاوض.
واليوم، وبعد كل التضحيات الجسيمة التي قدمتها غزة، باتت حقيقة واحدة راسخة لا يمكن تجاوزها "لا أمن ولا استقرار في المنطقة دون فلسطين"، ولا يمكن لأي قوة في العالم أن توفر الحماية لكيان يرفضه التاريخ والجغرافيا، فالطوفان مستمر، وقواعد الاشتباك التي رسمها لن تعود إلى الوراء أبداً.


طباعة