نموذج العمل التنموي المتكامل: سلسلة القيمة «الحلقة السادسة»
نواصل الحديث حول نموذج العمل التنموي المتكامل عن سياسات العمل التنموي، وفي هذه الحلقة نتناول سلاسل القيمة باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للعمل التنموي الحديث، وأحد الأساليب التي تتبناها الدول لتنظيم الإنتاج وتحقيق أعلى قيمة ممكنة للمنتجات، ابتداءً من توفير المدخلات وحتى وصول المنتج إلى المستهلك.
في السابق، كان العمل الزراعي يتركز في بعض حلقات العملية الإنتاجية، مثل المدخلات والإنتاج والإرشاد، بينما تُهمل حلقات أخرى، كالحصاد والنقل والتسويق والتصنيع. ورغم توفر الموارد والتمويلات وبذل جهود كبيرة، فإن كثيرًا من المشاريع لم تحقق شيئا ولكنها فشلت؛ لأن العمل كان يتم بصورة مجزأة، فيجد المزارع بعد الإنتاج نفسه أمام مشكلات التسويق وانخفاض الأسعار وارتفاع تكاليف النقل وضعف التخزين أو غياب التصنيع، فتضيع أجزاء من الجهود والموارد التي أنفقت في المراحل السابقة.
ومن هنا برزت الحاجة إلى الانتقال من العمل في حلقات منفصلة إلى العمل في سلسلة متكاملة، بحيث لا يُنظر إلى الإنتاج باعتباره هدفاً نهائياً، وإنما جزءًا من منظومة تبدأ من المدخلات وتنتهي بالمستهلك.. وسلسلة القيمة ليست مجرد مصطلح أو برنامج تنموي، وإنما منظومة من الحلقات والعمليات المترابطة، تبدأ من المدخلات، ثم الإنتاج، ومعاملات ما بعد الحصاد، والنقل والتسويق والتصنيع، وصولًا إلى المستهلك. وكل حلقة تؤثر في الأخرى، وأي خلل فيها ينعكس على السلسلة كاملة، وقد يؤدي إلى انخفاض جودة المنتج وارتفاع تكلفته وتراجع عائد المزارع والمنتج.
من المدخلات إلى المستهلك.. حلقات مترابطة
تبدأ سلسلة القيمة من المدخلات، وهي الأساس الذي تقوم عليه العملية الإنتاجية، وتشمل البذور والأسمدة والمبيدات والحراثة والري والإرشاد الزراعي وغيرها من الاحتياجات. وتوفير المدخلات المناسبة في الوقت المناسب وبالجودة المطلوبة ينعكس مباشرة على الإنتاجية وجودة المنتج.
وتأتي بعدها حلقة الإنتاج، التي تشمل مختلف العمليات والممارسات الزراعية، من إعداد الأرض والحراثة والبذار، مرورًا بالري والتقليم والتسميد والمكافحة، وصولًا إلى الحصاد.
وهنا تبرز أهمية الإرشاد والتوعية الزراعية، سواء عبر المرشدين الزراعيين أو الإرشاد المجتمعي والمجموعات الإنتاجية العاملة في إطار الجمعيات التعاونية الزراعية متعددة الأغراض؛ فالعملية الزراعية لها توقيتها، وتنفيذ أي ممارسة في غير موعدها قد يؤدي إلى ضعف الإنتاج أو انخفاض الجودة أو زيادة التكاليف.
أما الحصاد وما بعد الحصاد، فتشمل تحديد علامات النضج، وطرق وموعد القطف أو الحصاد، والفرز والتدريج والتعبئة والتغليف والتخزين. وتكتسب هذه الحلقة أهمية كبيرة؛ لأن المنتج قد يصل إلى مرحلة النضج بجودة عالية، ثم يفقد جزءًا من قيمته نتيجة الممارسات الخاطئة، ويسهم التعامل الصحيح معه في الحد من الفاقد والحفاظ على الجودة ورفع القيمة التسويقية.
وتأتي بعد ذلك حلقة النقل والتسويق والتصنيع، التي تمثل الجسر بين المزرعة والسوق، وبين المنتج الأولي والمنتج النهائي ذي القيمة المضافة. وإهمال هذه الحلقات يجعل المزارع يواجه مشكلات التسويق والأسعار والتصنيع، وقد يؤدي تكرار الخسائر إلى العزوف عن زراعة بعض المحاصيل.
أما المستهلك فهو الحلقة الأخيرة والطرف الذي يحدد طبيعة الطلب على المنتج؛ ولذلك يجب أن يتوافق الإنتاج مع احتياجاته وذوقه ومتطلبات السوق، محليًا كان أو خارجيًا. ومن هنا لم يعد السؤال فقط: كم سننتج؟ وإنما أصبح: ماذا ننتج؟ ولمن ننتج؟ وبأي مواصفات؟ وكيف نسوق ونصنع هذا المنتج؟
إن العمل وفق سلاسل القيمة يعني الانتقال من العمل المتفرق إلى العمل المنظم وفق خطط وأدوار واضحة، بحيث تتكامل جهود الوزارات والمؤسسات والجهات الحكومية والخاصة المرتبطة بكل سلسلة، بدلًا من تكرار الجهود أو ترك بعض الحلقات دون معالجة.. وانطلاقًا من هذا المفهوم، يجري العمل حاليًا على تنفيذ برنامج سلاسل القيمة لـ42 سلسلة نباتية وحيوانية وسمكية، تشمل عددًا كبيرًا من المنتجات ذات الأهمية الغذائية والاقتصادية.
وتشمل السلاسل الحبوب، مثل القمح والذرة الشامية والذرة الرفيعة والدخن والشعير، والبقوليات، مثل الفول والفاصوليا والبازلاء والعدس وفول الصويا، إلى جانب البن والمانجو والتفاح والرمان والعنب والجوافة واللوز والقطن والخوخ والفراولة والتمور والسمسم والحبحب والبطاطا والطماطم، إضافة إلى الدواجن واللحوم والألبان والعسل،والصوف والجلود، والحراجيات والأرز والأعلاف والأسماك وغيرها.
ولا يقتصر العمل على وزارة الزراعة، وإنما تمتد إلى الاقتصاد والصناعة والنقل والمواصفات والمقاييس والتمويل والتسويق وغيرها؛ لأن نجاح السلسلة يتطلب تكامل أدوار جميع الجهات ذات العلاقة.
ومن الأدوات المهمة في البرنامج اختيار ضابط لكل سلسلة من أصحاب المعرفة والخبرة، يتولى متابعة السلسلة في مختلف حلقاتها، ومعرفة احتياجاتها ومشكلاتها وفرص التسويق والتصنيع، والتنسيق بين الجهات والفاعلين، وتحديد الأولويات ومتابعة تنفيذ الخطط.
ولا يقتصر مفهوم سلاسل القيمة على المنتجات الزراعية، بل يمكن تطبيقه على مختلف المنتجات والمشاريع الزراعية والصناعية والحرفية والخدمية؛ فأي منتج له مدخلات وإنتاج وتجهيز ونقل وتسويق، وربما تصنيع، ثم مستهلك، ويمكن بناء سلسلة قيمة متكاملة له.
كما يسهم هذا النهج في الانتقال من معالجة المشكلات بعد وقوعها إلى التخطيط لها مسبقًا، وتجنب الوقوع في المشكلة، بحيث يتم إعداد استراتيجية شاملة لكل منتج، مزمنة، ومحدد فيها الهدف الذي سيتحقق.
فعندما ننتج كميات كبيرة من المانجو تغطي السوق المحلي ونصدر كميات إلى الخارج، وفي الوقت نفسه نستورد لب المانجو للمصانع، فإن ذلك يكشف خللًا في السلسلة يتمثل في عدم استيعاب الإنتاج المحلي في التصنيع. وهنا يأتي دور وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار في منع الاستيراد وتشجيع المصانع على استخدام المنتج المحلي وتصنيعه، بما يرفع القيمة المضافة ويحقق عائدًا أفضل للمزارع والاقتصاد الوطني.
وفي النهاية، فإن الهدف من سلسلة القيمة ليس زيادة الإنتاج فقط، وإنما إنتاج ما يحتاجه السوق، بتكلفة أقل وجودة أعلى، وفي الوقت المناسب وبأقل فاقد، وصولًا إلى عائد أفضل للمنتج والمزارع والمستهلك.
وهنا تكمن أهمية سلسلة القيمة باعتبارها السياسة السادسة من سياسات العمل التنموي المتكامل؛ فهي تربط المدخلات بالإنتاج، والإنتاج بما بعد الحصاد، والتسويق والتصنيع بالمستهلك، وتجمع مختلف الحلقات في مسار واحد.
فالتنمية الحقيقية لا تتحقق بالعمل في حلقة وترك أخرى، وإنما بتكامل جميع الحلقات والأدوار نحو بناء إنتاج مستدام واقتصاد منتج، وتحقيق أفضل عائد للمنتج والمزارع والمستهلك والوطن، والإسهام في خفض فاتورة الاستيراد وتحقيق الاكتفاء الذاتي.