فزاعة الحرمين وأهمية الوعي والتبين

فزاعة الحرمين وأهمية الوعي والتبين

تختزل السجلات التاريخية والأنثروبولوجية لأمة الإسلام حقيقة ناصعة مفادها أن أرض اليمن وشعبها يحظيان بخصوصية إيمانية ووجدانية فريدة في النسيج الحضاري للأمة؛ إذ لم تكن النصرة اليمنية للحق وليدة ظروف طارئة أو حسابات سياسية نفعية، بل امتدت جذورها العميقة منذ الإرهاصات الأولى للدعوة الإسلامية.

وتجلت هذه الخصوصية في المأثور التاريخي عن الملك تُبّع اليماني ووصيته المبكرة بالنبي الخاتم قبل مولده الشريف، ثم توجت بموقف الأنصار من الأوس والخزرج الذين فتحوا قلوبهم وديارهم لدعوة الهدى، وكانوا الساعد الضارب والكتيبة الأولى في الفتوحات الإسلامية التي أخرجت البشرية من ظلمات العبودية إلى نور العدالة. وإن هذا الإرث الحضاري هو ما فضّله الشارع الحكيم وعززه بالشهادة النبوية الشارحة لجوهر الشخصية اليمنية: «الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ»، لتبقى هذه المزايا ميثاقاً إيمانياً وأخلاقياً متجدداً يتجسد اليوم في انحياز اليمنيين المبدئي نصرة للمظلومين ومقارعة للظلم، وفي طليعة ذلك الوقوف الثابت والميداني إلى جانب الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة ومقدسات الأمة المهدورة.
وفي المقابل، يكشف التحليل النقداتي لسوسيولوجيا السلطة والحرب النفسية عن فرق شاسع بين من يستند إلى أصول الإيمان الأصيل والنخوة التاريخية، وبين من يستغل "الرمزية المقدسة" كأداة بروباغاندية لتغطية الفشل الميداني وضمان الهيمنة الإقليمية. لقد أثبتت الاستراتيجية الإعلامية للنظام السعودي أنه كلما تلقت منظومته العسكرية والسياسية ضربات استراتيجية موجعة تطال مفاصله الاقتصادية والحيوية، و كلما انكشفت خياراته ومواقفه أمام الجماهير، يسارع إلى استخدام "تقنية الترهيب بالمقدس" وإحداث صدمة عاطفية لدى الأمة؛ فيعيد تدوير الفرية والبهتان بزعم استهداف حركة «أنصار الله» والقوات اليمنية للعاصمة المقدسة مكة المكرمة أو المدينة المنورة. إن هذا الادعاء المكرر يفتقر كلياً إلى أدنى الأدلة المادية أو التوثيق الفضائي عبر الأقمار الصناعية، فضلاً عن كونه يتناقض كلياً مع العقيدة القتالية والوجدانية لأبناء اليمن، الذين يَرون في حرمة المشاعر المقدسة خطاً أحمر عقائدياً لا يمكن المساس به تحت أي ظرف.
والأشد إيلاماً في هذه المعادلة هو الانسياق السريع لبعض المنظومات الإعلامية والهيئات الدينية والأنظمة الموالية وراء هذه الروايات المضللة، ومسارعتها لإصدار بيانات الإدانة والتكفير والتجييش الطائفي دون ممارسة الأدنى من التثبت والتحري؛ معطلةً بذلك المنهج الدستوري والأخلاقي المحكم الذي أسسه القرآن الكريم في إدارة الأنباء والشائعات، حيث يقول الحق جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]. إن القفز على هذا المبدأ القرآني الصريح واعتماد الروايات الإعلامية الفاقدة للمصداقية يمثلان مشاركة غير مباشرة في التغطية على الجرائم والحصار المترتب على يمن الإيمان، ويوفران غطاءً أخلاقياً ممتداً يستغل الدين لصالح صفقات السياسة والتحالفات المشبوهة.
إن التفكيك الفلسفي والسياسي للواقع الراهن يفرض على جماهير الأمة الإسلامية ونخبها الفكرية والعلمائية امتلاك الوعي الناقد والفرز الدقيق بين الخطاب الإعلامي النفعي الذي يتاجر باسم الحرمين للتغطية على تخاذله وتطبيعه، وبين الموقف الميداني الشريف الذي يكتب بالدم والعمليات المباشرة نصراً حقيقياً للأقصى ولفلسطين ولأمة الإسلام كافّة. إن العودة إلى المنهج القرآني في التثبت، وإسقاط الشائعات المضللة، ونصرة قضايا الأمة العادلة، هي المسار الوحيد لاستعادة الأمة لكرامتها وسيادتها، وقطع الطريق أمام جميع محاولات التزييف واستغلال المقدس.


طباعة