شذرات من حياة وفن الهامة الثقافية عبدالله العُمري ( 1-2 )

شذرات من حياة وفن الهامة الثقافية عبدالله العُمري ( 1-2 )

في يوم الثلاثين من يونيو من عامنا الجاري انطوت في صنعاء صفحة عمر الفنان المسرحي والهامة الثقافية عبدالله مسعد العمري – رحمه الله رحمة الأبرار- لقد كان صديقي عبدالله العمري صاحب فن ثقافي وفير ساهم من خلاله في إثراء الثقافة والفن المسرحي للمسرح العسكري بشكل خاص ومسرح وزارة الثقافة بشكل عام.

استطاع الأستاذ عبدالله عبور برزخ الأيديولوجيا إلى فضاء الفن المسرحي والتلقين الثقافي الحي.. وكان يعمل ويبدع دوماً بإنكار ذات ودون ضجيج, لقد كان حقاً جندياً قلما نجد مثله.
إن الأستاذ عبدالله العمري الذي توزعته مروحة واسعة من الاهتمامات الصحفية والسياسية والتاريخية بقي دائماً مخلصاً لفن المسرح الذي كان معينه في أداء استحقاقات بقية المهمات, وقد كانت تجربته وعمله لفترة طويلة في هذا المضمار فترة خصبة، تعلم منها وعلم الكثير من الشباب..فالشباب كثيراً ما يبحث عن الثقافة وقليلا ما يجد مثقفين بمعنى الكلمة، ونادراً ما يبقى ويلتف الناس حولهم, هكذا هي الثقافة التي نتحدث عنها كثيراً ونادراً ما نفهم ماذا تعني؟ وكيف نوظفها التوظيف الصحيح.
كلامي هذا عن أو حول الراحل عبدالله العمري ليس من باب إسقاط الواجب أو مجاملة، بل هو من واقع معرفة طويلة، فقد عرفت الأستاذ عبدالله في أواخر مارس أو أوائل أبريل من عام 1990م، قبل تحقيق الوحدة اليمنية بفترة بسيطة، عرفته عندما جاء الخريجون من معهد الميثاق في صنعاء إلى معهد عبدالله باذيب في عدن، كان الطالب عبدالله العمري ضمن الطلبة الخريجين من معهد الميثاق، وأنا كنت حينذاك خريجاً من معهد الفقيد عبدالله باذيب للعلوم الاجتماعية، الصدفة جمعتنا وكانت فرحتنا نحن الخريجين من معهدي باذيب والميثاق كبيرة وكانت النقاشات تصب في اتفاقيات الوحدة.. ومعروف أن معهد باذيب كانت تشرف عليه اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، ومعهد الميثاق تشرف عليه اللجنة الدائمة للمؤتمر الشعبي العام..كلنا الخريجين شاركنا في نقاش متعدد وكان كلام عبدالله العمري خلال النقاشات لافتاً أكثر من غيره،كونه كان يركز في حديثه على الجانب الثقافي وترسيخ الأخوة بين مواطني الشطرين، كان حديثه حديث المثقف الفاهم والملم وأغلب حديثه عن الجانب المهني والثقافي.. تعرفت عليه حينذاك أي قبل أكثر من 35 عاماً وبعد الوحدة استمرت المعرفة والعلاقة الودية، لكن لقاءاتنا كانت قليلة وبعضها بمحض الصدفة..لكنني كنت ارتاح في النقاش معه عن أو حول الثقافة وفن المسرح والأدب، فقد كان مثقفاً بما تعنيه الكلمة –رحمه الله–ما زلت أذكر بعض عباراته عن الثقافة في إحدى المرات أثناء النقاش الودي معه،قال: "الحضارة تتقدم بالشعوب..والفن والثقافة رسالة حضارية مهمة" وعندما سألته عن التحدي الكبير للثقافة اليمنية؟ قال: "وجود نسبة كبيرة من الأميين في بلادنا هو التحدي الكبير للثقافة اليمنية"..وكانت عباراته قوية تدل على فهمه وسعة اطلاعه في أكثر من مجال..وكان دائم الجدل مع زملائه بين أنصار"الفن للفن"، وأنصار"الفن للحياة"، وكان شخصية متفردة في رؤيته الخاصة باعتباره للفن والحياة معاً..ولم يوقف نشاطه الثقافي المعتاد سوى المرض، كما أنه عاش سنواته الأخيرة متألماً للأوضاع السياسية والأمنية في بلادنا التي يعرفها الجميع.
قبل أكثر من سنة صادفته في منطقة التحرير في العاصمة صنعاء، وسألته عن رأيه بالوضع العام؟! قال للإجابة عن سؤالك أستعين بما قاله الروائي والأديب الليبي أحمد إبراهيم الفقيه، الذي قال: " في عالمنا العربي: الأول خائف من الثاني, والثاني خائف من الثالث, والثالث خائف من الأول والخائف خائف من الخائف".
في شهر يونيو الماضي من العام الجاري 2025، انطوت صفحة الفنان المسرحي والهامة الثقافية الأستاذ عبدالله مسعد العمري الذي ناهز 77 عاماً..واختار صنعاء مستراحاً نهائياً لجسده الذي أتعبه المرض خلال الشهور الأخيرة من حياته .. رحم الله عبدالله العمري وأسكنه فسيح جناته، وعوض أسرته وأحبته عنه خيراً، فإن في جمال فنه وثقافته خيراً كثيراً، وكان علماً بين صناع هذا الجمال والخير.. لا يفوتني في هذه الأسطر أن أذكر المعنيين بما قاله الأستاذ عبدالله العمري "وسام على الصدر خير من عشرة على القبر".
يتبع العدد القادم.


طباعة