العسل اليمني .. توجّه حكومي لتعظيم القيمة المضافة للمنتج الوطني وتحويله إلى ركيزة أساسية للسيادة الدوائية
في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في التعامل مع الموارد الطبيعية الوطنية، بدأت الجهات المعنية في صنعاء تحضيرات مكثفة لعقد "المؤتمر العلمي الأول للعسل الدوائي اليمني".
في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في التعامل مع الموارد الطبيعية الوطنية، بدأت الجهات المعنية في صنعاء تحضيرات مكثفة لعقد "المؤتمر العلمي الأول للعسل الدوائي اليمني".
هذا الحراك لا يمثل مجرد حدث أكاديمي، بل يشي بوجود توجه حكومي جاد لانتشال قطاع العسل من النمط التقليدي إلى مرحلة "التصنيع الدوائي"، بما يضمن الحفاظ على الميزة النسبية لهذا المحصول النقدي كأحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني.
ثروة تستحق التمكين
يعد العسل اليمني، وخاصة "السدر" و"السمر"، أيقونة عالمية بخصائصه العلاجية الفريدة. ومع ذلك، طالما واجه هذا القطاع تحديات تتعلق بآليات التسويق، ومعايير الجودة، وحماية الهوية التجارية. التوجه الجديد الذي تبنته اللجنة التحضيرية للمؤتمر يضع "البحث العلمي" كجسر للربط بين "النحالة" و"الصناعة الدوائية"، وهو ما يعني عملياً تحويل العسل من مادة خام إلى مستحضرات طبية ذات قيمة مضافة عالية.
مسار للسيادة الدوائية
أكد الدكتور غسان المداني، رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر، أن هذا التوجه يندرج ضمن استراتيجية أوسع لتحقيق "السيادة الدوائية". إن الاعتماد على العسل كمادة خام في الصناعات الوطنية ليس ترفاً، بل هو استغلال ذكي للموارد المحلية لتقليل فاتورة استيراد الأدوية.
من جانبه، أشار أحمد الشهاري، النائب الأول لرئيس اتحاد منتجي الأدوية، إلى أن نجاح هذا المسار يتوقف على تكامل منظومة العمل، مؤكداً أن "الجودة والمواصفات وبناء العلامة التجارية" ليست مجرد شعارات، بل هي المرتكزات التي ستحمي المنتج اليمني من المنافسة غير العادلة وتضمن دخوله الأسواق الدولية بثقة.
حفاظ على الميزة النسبية
لضمان أن يحقق هذا التوجه أهدافه دون المساس بجودة العسل أو الإضرار بسمعته التاريخية، يرى خبراء اقتصاد وزراعة أن على الدولة تبني مسارات موازية بالتزامن مع المؤتمر لضمان تحقيق آثر مستدام يساهم في تطوير هذا المحصول النقدي الهام ومن هذه المسارات:
- المعايير الصارمة: وضع بروتوكولات علمية دقيقة لفرز العسل "الدوائي" عن "الغدائي" لضمان معايير الجودة العالمية في التصنيع الدوائي.
- حماية المنتج الأصلي: استخدام تقنيات (Blockchain) أو علامات تجارية موثقة لتوثيق المنشأ (Traceability)، لمنع غش العسل الذي يضر بالميزة النسبية للمنتج اليمني.
- دعم النحالين: ربط صغار النحالين بالصناعات الوطنية، لضمان استفادة المنتج الأولي من القيمة المضافة التي ستخلقها الصناعة الدوائية، بدلاً من بقاء الأرباح محصورة في المراحل النهائية.
- التسويق الاستراتيجي: بناء "هوية بصرية وعلمية" للعسل اليمني الدوائي تعكس عمقه التاريخي وخصائصه الكيميائية الفريدة، ليكون منافساً قوياً في الأسواق العالمية.
ويمثل "المؤتمر العلمي الأول للعسل الدوائي" نقطة انطلاق هامة، فإذا ما تكللت هذه الجهود بآليات مؤسسية تحمي المزارع والنحال وتدعم المصنع، فإن العسل اليمني لن يكون مجرد مادة استهلاكية، بل سيتحول إلى "عملة صعبة" تدعم الاقتصاد الوطني وتثبت أقدام اليمن في خريطة الصناعات الدوائية الطبيعية.