رغم محاولة النظام السعودي تفعيلها ورفض الجانب الإسرائيلي: مبادرة السلام العربية .. 283 شهرًا من الوهم واللهث خلف السراب
في القمة العربية في بيروت عام 2002 أطلقت المملكة العربية السعودية ما سمي بمبادرة السلام العربية التي تبنت في مجملها إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية وحل مشكلة اللاجئين .. كما قضت بالتزام العرب بإنهاء الحرب مع إسرائيل وتطبيع العلاقات معها .
وسيم عبدالله حليف
هذه المبادرة التي ولدت ميتة لم ترى النور إلا فيما يتعلق بالجزئية المتعلقة بالتطبيع مع الكيان الإسرائيلي بعد أن شرعت دولا عربية كالإمارات والبحرين في تنفيذ الشق الأخير منها ومحاولة صانعوها اختصارها بعد أن أدركوا أن لا إلتفاتة إسرائيلية إليها منذ إعلانها وبما يوحي أن السعودية وصلت إلى قناعة أن لا بأس في أن يتحقق من مبادرة السلام هذا البند المتعلق بالتطبيع العربي الإسرائيلي يوم أوعزت إلى البحرين أن تلتحق بطابور المطبعين العرب و ( أنتم السابقون ونحن اللاحقون) وإلا لما فعلت المنامة ما فعلت لولا أن هناك نوايا مبيتة من قبل الرياض للحاق بها وقد أكد محمد بن سلمان ذلك بنفسه لولا لم يأتي طوفان الأقصى ويوقف الأمر إلى أجل غير مسمى.
سراب السلام
من كامب ديفيد إلى أوسلو إلى وادي عربة وأخيراً مبادرة السلام العربية ، من محطة إلى أخرى يعيش العرب وهم السلام والتقارب مع الكيان الذي لا يريد بقاء لهؤلاء العرب مقاومهم ومطبعهم ، محاربهم ، ومنزوع السلاح منهم .. ولا يأبه بما يقولون وما يتخذون من مواقف إيجاباً أو سلباً ، تهديداً أو مهادنة .. يتحدثون عن السلام فيجيبهم بالحديث عن إسرائيل الكبرى التي يجب أن تمتد لتشمل جغرافيا عربية أخرى ، ينتقدون المقاومة الفلسطينية ويشن إعلامهم عليها الحملات الممنهجة فيرد عليهم نتنياهو بالحديث عن خارطة أرض الميعاد التي ستصبح دولة لكيانه والتي ستأتي على كل بلدانهم العربية ، لكن هؤلاء العرب لا يكلون ولا يملون من الحديث عن سراب السلام الذي لطالما حلموا به أمام عدو أرعن لا يفهم سوى لغة القوة ولا يؤمن بالسلام والتعايش.
التكرار الذي لم يثمر
رغم تعنت الكيان الصهيوني تجاه كل دعوات السلام العربية وحتى الدولية إلا أن العرب لم ينفكوا يوما عن اللهث وراء هذا الوهم ومر على قمة بيروت سنوات طويلة وهي التي شهدت إعلان المبادرة العربية للسلام إلا أن الحديث عن ضرورة تفعيل هذه المبادرة وتطبيقها وإقرار العمل بها يتردد مع كل محفل أو قمة أو مؤتمر عربي من أي نوع كان على مستوى القمة أو وزراء الخارجية أو غير ذلك لكنهم - أي العرب - ، يعرفون جيدا أن لا أحد يكترث لهم ولا لمبادرتهم لا إسرائيل ولا الأمريكان ولا غيرهم من الغرب.
فقط تريد السعودية ومحورها صناعة ضجيج سياسي وإعلامي عن ما تقدمه للقضية الفلسطينية ويسخّرون لذلك أدوات إعلامية كثيرة تسبح بحمد الموقف السعودي والعربي المزعوم الداعم للقضية الفلسطينية ومع تكرار الحديث الذي مله الشعب العربي عن هذه المبادرة ما يزال بعض العرب يرددون الحديث عنها كمرجعية لحل القضية الفلسطينية كما لو أنهم يمتلكون أوراق القوة لفرضها على إسرائيل التي لا تعيرهم ولا مبادرتهم أي اهتمام يذكر بصرف النظر عن كون هذه المبادرة تلبي في جانب كبير منها الحاجة الإسرائيلية لاحتواء العرب وتطبيع العلاقات معهم ومن ثم السيطرة السياسية والاقتصادية عليهم تمهيدا لإخضاعهم عسكريا في زمن لاحق وفقا لمخططات إسرائيل الكبرى التي تتكشف تباعاً.
الخايب على الخايب
بين فترة وأخرى يوعز نافذو العرب في الرياض وأبو ظبي مهمة تسويق وتلميع مبادرتهم الميتة للسلام المزعوم إلى جوقة رام الله وسلطة أوسلو ممثلة بمحمود عباس وشلته الذين لا يفوتهم مناسبة أو خطاب يلقونه على الناس لإبداء تصنعهم لهذه المبادرة مع التمسح بالمواقف العربية وتحديدا يعنونون ويسمون مواقف دول محور النفط التي يصفونها بالداعمة للقضية الفلسطينية التي يؤمن بها أبو مازن والذي يسعى لإقناع المواطن الفلسطيني بأنها القضية التي لا يجب أن تحمل سلاحا ولا تقدم تضحية ولا ترفض ظلما ولا تسعى لاستعادة أرضاً .. ومن باب الاحتفال بالنصر الكبير يبدأ الإعلام السعودي والإعلام المرتبط بالسياسات العربية المتبنية لهذه المبادرة بعنونة آخر أخباره بالحديث الفلسطيني المطالب بإحلال السلام وفقاً لهذه المبادرة ويكرر هذا الإعلام أجزاء من هذه الخطابات التي تبدو نارية من حيث ضخامة الأصوات التي يمتلكها ساسة رام الله وإن كانت فارغة القيمة والجدوى وهم ينادون العالم بالضغط على إسرائيل للقبول بهذه المبادرة التي لا يوليها حتى الأوروبيين أي اهتمام يذكر وهذا الأمر واضح للجميع ممن هم على اطلاع واهتمام بالسياسة الدولية وقد لا نجد من تحدث عنها سابقا إلا ما ندر من التصريحات التي قيلت على سبيل المجاملة للسعودية لا أكثر .. ليبقى الشاهد الأبرز على عظم ومكانة هذه المبادرة وبلا منازع أبو مازن وأبواق الضفة الغربية التي يتهددها الاستيطان الإسرائيلي المتواصل فيما يستمر هؤلاء في غيهم المعهود بعيدا عن مهددات الوجود الفلسطيني الأرض والإنسان.
قوى المقاومة الفلسطينية والمبادرة
لحسابات حساسة تتعلق بتصيد عرب المبادرة لأي تصريحات أو إيحاءات تسؤوهم قد تتجنب قوى المقاومة الفلسطينية إبداء الموقف الكامل من هذه المبادرة وما احتوته من اعتراف بالحق الإسرائيلي في الأرض والسيادة إلا أن هذه الحركات والفصائل لا تجامل عرب المبادرة إلى الحد الذي يضطرهم إلى كيل المديح لها والتعامل معها كمخرج للشعب الفلسطيني وهم الذين يدركون جيداً ما يخفيه لهم هؤلاء العرب ويبدونه كل يوم من العداء الواضح والحروب التي يشنونها عليهم بشتى الوسائل رغم محاولة الفصائل الفلسطينية لعقود مضت الحصول على مواقف عربية مساندة وإن بشكل ضئيل أو حتى رضى عربي عما يقولونه وما يتبنونه وإن كلفهم ذلك التنازل عن كثير من الأمور التي قد تخل بثبات الموقف التاريخي لهذه الفصائل من المحتل والأرض والحق في العيش بسلام على كامل التراب الفلسطيني لكن مع ذلك لم يتمكنوا من الوصول إلى ذلك الموقف العربي حتى المهادن لقوى المقاومة وليس الداعم لها كما لم تكن تمانع الفصائل بل تتمنى وجود مواقف عربية طاغية حتى على مواقف قوى عربية وإسلامية دعمت فعليا الحق الفلسطيني في المقاومة والكفاح المسلح وآزروها بكل الطرق الممكنة ثم يأتي هؤلاء العرب الذين خذلوهم لأكثر من نصف قرن ليعتبون ويعيبون عليهم إشادتهم بمواقف من دعموهم وساندوهم كإيران وحزب الله ( أكثر من بيان سابق ولاحق للفصائل في غزة ) إلا أن هذه الفصائل وبعد أن خبرت هؤلاء العرب جيدا لم تلتفت في نهاية المطاف لأقاويلهم وما يتحدثون عنه ، وهل يعقل أن تجافي من يقف بجانبك من أجل أن ترضي من يناصبك العداء على الملأ وأمام الجميع.
ما يراه الشارع العربي
من البديهي أن يكون السلام بمفهومه الأعم هو المرحب به من قبل كل الشعوب والأمم خصوصا تلك التي عانت الويلات والحروب ولفترات من الزمن أو حتى فقط شاهدت ما يحدث على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ سنوات كما هو الحال مع الشارع العربي الذي يتمنى السلام لفلسطين الجريحة ولا يحلم سوى بأن يرى المواطن الفلسطيني ينعم بالخير والسلام .. لكن من يتابع سير الأحداث في المنطقة والتفاعلات الشعبية معها لن يجد أن هناك كتلة شعبية عربية لا بأس بها قد تشكلت دعماً واصطفافا خلف ما يسمى بالمبادرة العربية للسلام التي طرحتها الرياض في قمة بيروت كما أسلفنا والسبب الواضح والجلي لذلك أن الشارع العربي لم يعد يرى في حكامه وحكوماته منذ زمن الانتكاسات والتراجع والتشرذم العربي على مختلف المستويات والأصعدة .. لم يعد يرى فيهم أولئك الجديرين بأن يفرضوا واقعا أو يغيروا معادلة أو يمرروا موقفا .. لا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ولا بغيرها ومن هنا يصبح كل ما يصدر عن العرب من مواقف ومبادرات وبيانات بالنسبة للشعب والشارع العربي مجرد هراء وضجيج إعلامي لا يقدم ولا يؤخر وإن أعجبهم بعض مما يقولونه ، لذلك كان من الطبيعي أن تصبح المبادرة العربية عند مواطني العرب حبرا على ورق وكلهم ثقة بأن مواقفهم تجاه هذه المبادرة لن تتغير ولن تتبدل لأنها لن تغير من واقعهم شيئا ولن تؤدي إلى حدوث أي شيء على طريق السلام في فلسطين المحتلة ما لم تفعل البندقية ذلك.
غرفة الانعاش
مما لا شك فيه أن الزخم المصطنع للمبادرة العربية للسلام قد اضمحل خلال السنوات الأخيرة وتراجع لتأتي الضربة القوية والمزعزعة لهذه الوثيقة المهترئة من الأساس مع حلول الطوفان صبيحة السابع من أكتوبر 2023 والذي أوقف قطار التطبيع باعتراف العرب وجمّد بشكل كبير أحلام العرب في السلام الذي يتوسلونه من المبادرات العربية والأممية وجاءت الحرب العدوانية والإبادة الجماعية في غزة فأدخلت مبادرة السلام العربية العناية المركزة لتعاني لحظات الاحتضار فلا هي ماتت ولا هي عاودت الانتعاش وما زالوا يتحدثون عنها لكن على استحياء كما يبدو.