أذرع الداخل وتشكيلاتها المسلحة .. من التبشير بنعيم التحالف إلى التحذير واستجداء التعاطف

بعد أن تاهت عاصفة الحزم في غياهب اليمن وظلت الطريق إلى صنعاء واُوقفت الجموع عن محاولات شق طريق ما نحو العاصمة كما كان مأمولا منذ اليوم الأول لحرب الرياض وأبو ظبي العدوانية على اليمن ،

أذرع الداخل وتشكيلاتها المسلحة .. من التبشير بنعيم التحالف إلى التحذير واستجداء التعاطف

اضطر كل طرف من وكلاء الداخل ووفقا لتوجيهات وتوجهات خارجية إلى التمركز في جغرافيا معينة من اليمن والانتظار لفتات وفضلات آتية من بعيد يجود بها من يسوقونهم كالأغنام إلى الحرب أو إلى السلام وليس شرطا أن يتم إخبارهم لماذا وكيف ومتى؟! قد تنقطع الفتافيت ولن تستمر على ما يبدو بالنظر لسنوات الانتظار بلا حرب وما قادت إليه الأمور من تململ لدى الممول وتحول في المواقف وتبدل في القناعات ليبقى الوكلاء في انتظار كل أمر محتوم وكل قدر لا مفر منه في مسيرهم غير المحسوم النهايات.

وسيم عبدالله حليف

مأرب محطة أولى لتضارب المواقف
كان الحديث عن احتمالية تخلي التحالف العدواني عن مأرب والمليشيات التي تقاتل فيها بالوكالة لصالح ما سمي عاصفة الحزم والرياض وأبو ظبي واحتمالية انقطاع المستحقات المالية التي تصرف بالريال السعودي أكثر ورودا مقارنة بما لو تعلق الأمر بمن هم في عدن أو جبهات ما وراء الحدود على سبيل المثال لأسباب عديدة عرفنا بعضاً منها على مدى السنوات الماضية على لسان أوساط إعلامية عديدة تابعة لحزب الإصلاح أو مقربة منه على سبيل المثال إيمانا منهم بحتمية عدم تخلي أبوظبي عن مشروع استهدافهم المتوقع استمراره منذ اليوم الأول لخوضهم حربا ضروسا تحت إمرتها وقيادتها مهما قدموا من أثمان في سبيل ذلك وقد قيل الكثير حول هذا العداء وهذا التعامل الإماراتي تجاه من هم في مأرب لاعتبارهم حسب التصنيف الإماراتي جزءا لا يتجزأ من الإخوان المسلمين الذين تبنت أبو ظبي خوض حروب عديدة ضدهم في كل مكان من الوطن العربي والعالم وبدأت هذه الحروب بشكل رسمي ورغم استباقها لذلك من مصر حين جرى إسقاط الرئيس المصري الراحل محمد مرسي بافتعال تظاهرات احتجاجية تزعمتها حركة شبابية أسميت ( تمرد) واتضح لاحقا تمويلها وتحريكها بالكامل من الإمارات.
قد لا تأتي جميع الهواجس والمخاوف من إمكانية التخلي السعودي الإماراتي عن جبهات الداخل نابعة فقط من التنبؤ بنوايا عدائية واضحة تبيتها الإمارات تجاه الجبهات الداخلية التي يقودها حزب الإصلاح أو محسوبة عليه لكن هناك ما يمكن أن يعتبر أمرا مثيرا للمخاوف المالية ومخاوف أخرى تتعلق بالوجود من أساسه وهو طول أمد بقاء هذه القوات بلا عمل ولا مهام موكلة لها من عاصمتي التمويل اللتين قد يأتي اليوم الذي تنظران فيه لهذه القوات كعبئ لم يعد لوجوده حاجة خصوصا إذا ما استمرت قناعتهما باستحالة الوصول إلى أي هدف فيما يتعلق بحربهما العدوانية على صنعاء ومطامع السيطرة على القرار فيها والتي استمرت لسنوات قبل أن تتعثر آلتهم العسكرية وتتوقف بشكل اضطراري لا رغبة فيه عن تنفيذ العمليات العسكرية داخل اليمن واضطرارها إلى تجميد كل الجبهات وتنويم كل القوات وإبقائها قيد الانتظار في أماكنها إلى ما شاء الله .

أين الراتب والإكراميات؟!
عند نطلاق العمليات العسكرية العدوانية لتحالف الرياض وأبو ظبي كان عدد من منتسبي القوات التي تقاتل تحت راية هذا التحالف يباهون بالمبالغ التي تصرف عليهم بالريال السعودي والحالة المالية التي كان قد وصلها كل واحد منهم وما الذي حققه كل فرد على المستوى الشخصي من امتلاك عقار في مأرب أو في الجوف أو غيرهما أو شراء سيارة إلى غير ذلك .. لكن ذلك لم يطل ومرت الأيام وتعاقبت الأشهر والسنين وبدأت الانقطاعات الشهرية للرواتب وما يسمونها بالإكراميات خصوصا في جبهات مأرب والجوف وأطلق ناشطون منهم في أكثر من مكان الهاشتاقات التي تطالب بصرف الإكراميات والحقوق مهاجمين قادتهم في حكومات الفغلة المتعاقبة في فنادق الرياض موضحين حجم الأنين الذي بات يسكن تلك القوات المنتشرة في أكثر من جغرافيا حول اليمن جراء هذه الانقطاعات في ظل غلاء المعيشة وارتفاع سعر الصرف الأجنبي مقابل الريال اليمني وغيرها من مشاكل الحياة الصعبة.

صرخات تتواصل
لم تدم سنوات النعيم كثيرا بالنسبة للتشكيلات العسكرية التي مولتها الرياض وأبو ظبي منذ العام 2015 حتى بدأنا نسمع الأنات وصرخات الموجعين بسبب انقطاع المستحقات المتكرر والذي يستمر لأشهر عديدة وهنا بالإمكان أن نورد عددا من صرخات هؤلاء البائسين من وجد العديد منهم نفسه على قارعة الطريق بلا مأوى ولا سكن ولا غير ذلك.
كتب أحدهم حد وصفه : ( أربعة أشهر والجرحى وأسر الجيش الوطني يعانون بسبب غياب رواتبهم للشهر الرابع وعند نزولهم للمطالبة بصرفها وتسوية أوضاعهم بباقي زملائهم في التشكيلات العسكرية الأخرى سارعوا المعنيين بصرف راتب شهر مقدر بـ 50,000 ألف ريال من أجل إسكاتهم ولكن لن يسكتوهم سيظلوا يناشدون ويطالبوا حتى يتم الاستجابة لمطالبهم المشروعة وصرف رواتب الأربعة الأشهر كاملة وإنصافهم وإنهاء معاناتهم ، يكفي إهمال وظلم وتلاعب لن تسكتوهم براتب شهر ) .
الأمر الملفت في هذا الشأن أن قناة سهيل الناطقة باسم حزب الإصلاح التي لطالما تصدرت مشهد التغني بالتحالف ومنجزاته باتت تفرد مساحات من بثها لنقل مناشدات بصرف رواتب وإكراميات من تسميهم الجيش الوطني ، والمضحك كذلك عنوان بارز على موقع سهيل نت يقول : وزارة الدفاع تشدد على صرف مرتبات الجيش بانتظام وأولوية رعاية الجرحى وأسر الشهداء بالإضافة إلى أخبار كثيرة جدا على مواقع إخبارية أخرى ظلت تطرح ذات المطالب التي لم يصغ إليها أحد لتستمر الانقطاعات والمعاناة وتبادل الاتهامات داخل شرعية الغفلة.

ما يعزز حتمية الفشل
منذ العام 2015 يعيش وكلاء الداخل اليمني موجات من الفشل على كافة المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية والأهم من كل ذلك فشل امتلاك إرادة وإدارة في المناطق التي يفترض أنها تحت سيطرتهم في الجنوب والشرق وما يعزز هذا الفشل ولحاجات في أنفس موكليهم أنه جرى تفتيتهم وتحويلهم إلى كيانات وأطراف مختلفة المصالح والأهداف يسيطر كل منها على مناطق معينة وكل يدين بالسمع والطاعة إما للرياض أو لأبوظبي أو لكليهما معا .. وساد بين أولئك منذ اليوم الأول وبحسب الرغبة السعودية الإماراتية كذلك أن ليس من ضمن دائرة اختصاصهم الحديث عن مصير البلاد السياسي والعسكري ولا عن ملفات الاقتصاد والثروات العامة ولا السؤال عن إيرادات البلاد والدخل القومي لمناطق سيطرتهم وأين تذهب وفيما تُنفق ولا عن الأسباب التي أدت إلى تدهور سعر صرف الريال اليمني في تلك المناطق ولماذا يتم توريد الأموال اليمنية إلى البنك الأهلي السعودي وليس إلى بنك عدن الذي يعاني الكثير من الأزمات بفعل التجاذبات السياسية والمناطقية حتى وهو المعلوم للجميع ومن هنا لا تمتلك هذه الأطراف مجتمعة أي مقاومات استمرارية أو إيفاء بالتزامات ونحوه.

أذرع الإمارات الحصرية
على وقع تباين المواقف وتضارب المصالح بين الرياض وأبو ظبي في الداخل اليمني وبعد فشل الحرب ضد صنعاء عمدت أبو ظبي إلى إنشاء وتأسيس كيانات سياسية وعسكرية تدين بالولاء الحصري لها دون الخروج عن الطاعة الصورية للرياض كذلك وأوكلت إليها مهام عديدة كالعبث في عدن وعدد من المحافظات والعمل على تمرير أجندتها هناك ومدتها بالمال والسلاح لضمان فرض سيطرة رسمية إماراتية على محافظات ومدن عديدة في جنوب اليمن بعد أن كانت الرياض قد ضمنت الولاء الأكبر في مأرب والجوف وتعز المدينة ومناطق أخرى في حجة وجبهات ما وراء الحدود ليتقاسمان مؤخرا السيطرة على ما تبقى من محافظات ومناطق الجنوب في حضرموت والمهرة وسقطرى وغيرها وإسقاط شبوة في أيدي أذرع الإمارات بحرب خاطفة بعد أن كانت تدار من قبل سلطة محلية أكثر قربا من السعودية وأجندتها ، لكن وعلى الرغم من أن أدوات الإمارات كانت الأقل معاناة وضائقة مالية خلال السنوات الماضية على مستوى تشكيلاتها المسلحة على الأقل إلا أنها لم تكن أحسن حال في نهاية المطاف في ظل أزمات متراكمة تعيشها مناطق سيطرتها وعدن على وجه التحديد التي شهدت موجات غضب واحتجاجات على سوء الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات وانقطاع المرتبات وفوضى أمنية عارمة عززت جميعها من صعوبة مهام شرعية الغفلة التي فشلت محاولات عديدة لتمكينها من إدارة تلك المحافظات التي يسود فيها صوت مجلس الإمارات الانتقالي برئاسة عيدروس الزبيدي الذي يمتلك منصبان أحدهما في مجلس رشاد العليمي وآخر في جمهورية الجنوب العربي غير الموجودة أصلاً ، الأمر الذي أسهم في تعزيز حالة الفوضى واللادولة هناك.

حراك ومطالبات بصرف الحقوق
خلال السنوات الأخيرة شهدت محافظات جنوبية عدة حملات مطالبة بالحقوق والمرتبات وتحسين الخدمات واللافت من خلال تتبع عدد من التصريحات والأخبار على مواقع وصحف ووكالات أنباء أن أطرافا هناك لا تقر بالوحدة اليمنية لكنها تطالب بصرف رواتبها من مجلس الثمانية غير الكرام برئاسة العليمي على الرغم من اعترافها بما يسمى المجلس الانتقالي الإماراتي ممثلا للجنوب ومن ذلك ما رصدناه في أحد المواقع الإخبارية وتضمن الآتي :- ( أصدرت الهيئة العسكرية العليا للجيش والأمن الجنوبي رسالة مساء أمس إلى مجلس القيادة الرئاسي طالبت فيه المجلس بتوجيه وإلزام الحكومة بصرف كافة المرتبات لمنتسبي الجيش والأمن الجنوبي بما فيها المتأخرات من المرتبات وانتظام صرفها شهريا وتنفيذ قرارات التسويات لآلاف المتقاعدين والمبعدين قسرا من وضائفهم وأعمالهم عسكريين وأمنيين وفتح كافة الترقيات المستحقة قانونا لضباط وصف ضباط وجنود المنطقة العسكرية الرابعة والثانية ودفع كافة الاستحقاقات المالية المترتبة عنها بأثر رجعي.)
في السياق قالت صحيفة الأيام العدنية في أحد عناوينها الرئيسية أن عدداً من العسكريين رفضوا استلام الراتب المصروف مطالبين بحقهم في استلام كافة مرتباتهم المتأخرة.
وفي العام 2022 وبعد فشل إعلان المجلس الانتقالي الإماراتي في فرض ما أسماه السيادة على الجنوب والدخول في مرحلة الإدارة الذاتية وعدم تمكنه عمليا من الوصول لذلك وفي حالة تؤكد استمرار حالة الابتزاز واستخدام شماعة فك الارتباط التي لم يثبتوا جدارة لتبنيها من الأساس بصرف النظر عن المواقف والآراء حيال ذلك .. نقلت وكالة أنباء الأناضول خبرا مفاده : قال المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيا، الإثنين، إنه سيتخذ "ما يراه مناسبا" لضمان صرف رواتب منتسبي الجيش والشرطة بالمحافظات الجنوبية، والمتوقفة منذ 4 أشهر، على خلفية إعلان المجلس "حكما ذاتيا" بتلك المحافظات.
في ذات السياق وفي الجانب المدني هناك .. قال ما يسمى الاتحاد العام لنقابات عمال الجنوب إن الأوضاع المعيشية الصعبة ازدادت سوءاً نتيجة التأخير المستمر والطويل في صرف الرواتب لثلاثة أشهر متتالية.

آخر المتحولين
بعد أن ظل في صنعاء لسنوات يتقمص دور المحارب ضد التحالف السعودي الإماراتي غادر طارق صالح العاصمة متوجها إلى محافظات الجنوب حتى استقر في المخاء والساحل الغربي وشرع وبإيعاز إماراتي في تشكيل قوة عسكرية مدعومة بشكل كبير كون الإمارات قد وجدت ضالتها فيه دون غيره ممن سبقوه في ميدان الارتهان كأداة قادرة على تمرير كل مشاريعها عبره ومن خلاله ورغم ذلك فشلت حملته العسكرية الأبرز باتجاه محافظة الحديدة إلى جانب أذرع عسكرية أخرى تتقاسم ولاءها الرياض وأبو ظبي وهي ما سمي ( قوات العمالقة) .
بعد تيقين الإمارات من استحالة فرض سيطرتها على الحديدة والدخول فيما سمي باتفاق استكهولم وجهت طارق صالح والتشكيلات الأخرى بالعودة والاستقرار كل في المعاقل التي حددت له وحضيت هذه التشكيلات بالعناية الأكبر من قبل الإمارات وشيدت المدن السكنية وتم إمداد قادتها بالغالي والنفيس لتسويق أنفسهم سياسيا وعسكريا كبناة أوطان ومعمرين في رسالة لأطراف أخرى من أدوات الرياض وأبو ظبي في المناطق المختلفة من اليمن ودخل طارق صالح في سباق سياسي وحرب غير معلنة مع أطراف سياسية وعسكرية أخرى في تعز المدينة وكذلك في سباق مع الانتقالي على نيل الرضا الإماراتي الأكبر وبالتالي ضمان استمرار الدعم المالي وهو الهاجس الذي بات يؤرق عددا من منتسبي قوات ولاية المخاء والخوف من أن يأتي اليوم الذي تتوقف فيه قوافل الدعم الإماراتي فيما لو تحولت هذه التشكيلات المسلحة إلى عالة وعبئ على أبو ظبي لا فائدة منه بالنظر للمستقبل المجهول لطارق صالح ورفاقه رغم الهالة الإعلامية التي تروج له ولعائلة صالح ومحاولة صناعة حضور فاعل لهم في مستقبل اليمن السياسي والعسكري .
وبالعودة إلى المخاوف المالية التي هي محور موضوعنا هنا فقد أوضح لي أحد منتسبي تشكيلات طارق صالح أن الأمور مالياً لا تمضي في أحسن حال ، فيما أبدى بعضا آخر منهم الخوف من بوادر نقص تدريجي في المستحقات المالية هناك.
وهكذا من مأرب إلى الجوف فتعز والجنوب والساحل وأطراف اليمن والشريط الحدودي إلى جبهات ما وراء الحدود وفي ظل تجاهل دولي واضح لأذرع الداخل رغم نداءاتهم المستمرة بالاحتواء والتوظيف ضمن جبهات عسكرية ورغم محاولاتهم العديدة لاستغلال حروب شنت على صنعاء مؤخرا من واشنطن وتحالفاتها المتعددة والمتعاقبة ، يبقى المستقبل المجهول وتبدد أسباب البقاء مالياً وعسكرياً لهذه المكونات والتشكيلات المرتزقة حاضرة بشكل كبير لا لبس فيه.


طباعة