7 أكتوبر والاختبار الأخلاقي .. قراءة في خطاب القيادة اليمنية تجاه الأنظمة المطبعة والموقف الدولي

عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023م لم تكن مجرد اختراق تكتيكي لجدار الفصل الإسمنتي الذي استحال إلى مجرد "حاجز ورقي". بل كانت، في حقيقتها العميقة، صدعاً تاريخياً وفصلاً وجودياً فرض نفسه على الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، وأعاد تعريف الثوابت الأخلاقية والوجودية للأمة بأسرها.

7 أكتوبر والاختبار الأخلاقي .. قراءة في خطاب القيادة اليمنية تجاه الأنظمة المطبعة والموقف الدولي

إنها لم تختبر فقط صلابة الإرادة المقاومة في غزة، بل وضعت العالم بأسره، وعلى رأسه الأنظمة والحكومات العربية، أمام امتحان أخلاقي كوني مصيري فَصَلَ بوضوح قاطع بين مَن ارتفع بـ "الوعي الإيماني" و "التحقق الرسالي" إلى مصاف الفاعلين في نصرة الحق، ومَن انحدر بـ "التنازل السياسي المذل" إلى مستنقع الخذلان والتواطؤ.. تفاصيل في السياق التالي :

أصيل علي البجلي

لا يمكن قراءة الموقف اليمني، بقيادة "أنصار الله"، بمعزل عن تبنيه الصارم لـ "عقيدة التكليف الإلهي والاصطفاء الرباني" المستنبطة من القرآن الكريم. هذه العقيدة لا تجعل الإسناد لغزة مجرد خيار سياسي تكتيكي عابر، بل واجباً وجودياً مصيرياً لا يسقط بالتقادم، ولا تتأثر قيمته بضخامة ثمنه، ولا تضعف عزيمته بحجم المؤامرات المضادة. إن هذا الخطاب الجذري يُعلي من شأن البُعد الأخلاقي، معتبراً أن الأزمة في جوهرها هي صراع بيني مركب بين الإيمان والخذلان، حيث أصبح "الخذلان" هو الجريمة الأخلاقية والسياسية الأكبر التي لم تُفجّر الأوضاع فحسب، بل أمدت العدوان بـ "وقود الصمت" و "غطاء التواطؤ" اللازم للاستمرار.

الخذلان كـ"متلازمة للوهن"
مفهوم "الخذلان" في التحليل اليمني يتجاوز كونه فعلاً سياسياً منعزلاً ليصبح متلازمة مركبة ناتجة عن ثقافة الوهن المتراكمة عبر عقود من الهيمنة الفكرية والاستراتيجية الغربية. إنه انحراف أيديولوجي عميق وجريمة استراتيجية ذات أبعاد عقدية، تُحلل بموجبها الآيات القرآنية كمعايير حاكمة على المواقف السياسية.

1. الوهن في مواجهة الثبات القرآني: إعادة تعريف القوة النفسية
يرى هذا المنظور أن الأنظمة التي آثرت الصمت أو التطبيع سقطت في اختبار "القوة النفسية الجهادية" أمام العدو، واستسلمت لمنطق الخوف من العقاب الأمريكي-الإسرائيلي و التبعية الاقتصادية. هذا الوهن هو نقيض للثبات القرآني المطلق الذي يوجه المؤمنين إلى الصمود الجذري غير المشروط: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾
إنّ السقوط في فخ "الوهن" هو الذي سمح بتحويل بوصلة العداء الأيديولوجي. فبدلاً من رؤية العدو المشترك في المشروع الصهيوني وحلفائه، تم تحويل الجهد والعداء ليُصب على قوى "المحور المقاوم" التي استجابت للنداء. هذا التناقض هو جوهر الخذلان العقائدي والثقافي الذي يمثل الداء الذي يجب اجتثاثه عبر "التعبئة المعرفية".

2. التواطؤ السياسي: التخلي عن "واجب العزة" والاستقالة من "التكليف"
إنّ نصرة فلسطين ليست مجرد "تطوعاً" أو "مناورة" سياسية لتحقيق مكاسب آنية، بل "تلكيفاً وجودياً" مفروضاً على كل مَن يملك القدرة على التغيير. عندما تعطل الأنظمة العربية ثقلها الجغرافي، السياسي، والاقتصادي لئلا تُغضب الغرب، فإنها تُصبح شريكة في العدوان بالمعنى القرآني الدقيق. فالقرار السياسي القائم على "تولّي" غير المؤمنين هو خيار وجودي يحكم عليه النص بالفصل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُم فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
"الخذلان" هنا ليس تقصيراً في الأداء، بل هو تجسيد لـ "التولي"، وهو خيار سياسي يدفع بالدولة إلى صف العدو، ويُجمّد قدرتها على المبادرة الإيجابية. هذه هي القراءة الأصعب والأكثر تعقيدًا للسياسة الإقليمية، حيث يصبح الصمت تواطؤاً، والتواطؤ خروجاً عن الالتزام الإيماني .

المواجهة البينية: تفعيل الاقتصاد الجيوسياسي وتحدي الثقافة الليبرالية
تكمن صعوبة الموقف اليمني في أنه ربط الإيمان بالعملية العسكرية المباشرة، محولاً الوعي إلى سلاح استراتيجي فعال وأداة ضغط اقتصادي غير مسبوقة، مستغلاً في ذلك موقعه الجغرافي كأعظم ورقة ضغط في العالم.

1. الردع بالجيوسياسة: تحويل الخذلان إلى "تكلفة مباشرة" على النظام العالمي
لقد كشفت حرب غزة عن أن القوة الكامنة للأمة تتمثل في "سلاح الجغرافيا" (مضيق باب المندب)، و "سلاح الاقتصاد" (تعطيل سلاسل الإمداد العالمية). بينما عطلت الأنظمة المطبعة والمترددة هذا الثقل خوفاً من رد الفعل الغربي، جاء التحرك اليمني ليملأ هذا الفراغ الاستراتيجي ويثبت أن القوة الكامنة التي أُهملت يمكن تفعيلها، حتى بأقل الإمكانات.
قرار استهداف السفن المرتبطة بالكيان في البحر الأحمر هو إعلان واضح بأن إسناد غزة هو خط أحمر عملي، وبأن الخذلان له ثمن دولي يجب أن يدفعه حلفاء العدوان الغربيون. قال تعالى ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
التحرك اليمني هو تجسيد لـ "العزم" و "التوكل" الذي يكسر وهم القوة الأمريكية المهيمنة ويفرض تكلفة اقتصادية وعسكرية مباشرة على القوى الغربية. هذا التحدي يهدف إلى تغيير "قواعد الاشتباك الاقتصادية" في المنطقة، عبر فرض "قسط تأمين مرتفع" على كل من يدعم العدوان.

2. المواجهة الثقافية: هدم أسطورة "الكيان الآمن" عبر الإسناد العسكري
كان الهدف الأيديولوجي الأكبر للتطبيع هو ترسيخ ثقافة "التعايش" و "القبول بالواقع"، وطمس هوية الصراع باعتباره صراعاً وجودياً. عملية 7 أكتوبر، ومن ثم الإسناد اليمني، أتت لتهدم هذه الثقافة الاستسلامية من جذورها.
المواجهة في البحر الأحمر لم تكن فقط صواريخ ومسيرات؛ بل كانت مواجهة ثقافية لـ "عقيدة الأمن الإسرائيلي" الهشة. إنها أثبتت أن الكيان محاصر وأن عمقه الحيوي غير آمن، مما يكسر الرهان العربي على قوة الكيان ويُفشّل الاندماج الإقليمي. هذا الرفض اليمني المطلق لأسلمة التطبيع هو أصعب أنواع المقاومة الثقافية التي تواجه مشروع الهيمنة الغربية-الصهيونية، ويؤكد على أن الردع الإيماني أشد فتكاً من الردع المادي .

المأزق البيني المعقد: الردع الإيماني وتكاليف الالتزام
إن الرد اليمني وضع الأنظمة المطبعة والمتخاذلة في "مأزق بيني استراتيجي وجودي" لا فكاك منه، يُهدد شرعيتها واستقرارها على المدى الطويل:

1. تضاعف المأزق الاقتصادي للخذلان: "الخسارة المزدوجة"
باتت هذه الدول مجبرة على المفاضلة بين ضرورة حماية مصالح الغرب التجارية والاقتصادية التي يهددها الإسناد اليمني لغزة، وبين الضغط الشعبي المتصاعد لدعم الفلسطينيين. الخذلان هنا يتحول إلى "تكلفة اقتصادية مضاعفة" تُفرض عليها من جبهة هي الأبعد جغرافياً ولكنها الأقرب إيمانياً. تتحمل هذه الأنظمة عبء إرضاء السيد الغربي دون أن تجني منه أي نصر أو استقرار، بينما تُعاني هي وحلفاؤها من ارتفاع "قسط التأمين الجيوسياسي" بسبب تصعيد اليمن، لتصبح في حالة "خسارة مزدوجة": خسارة للكرامة وخسارة للاستقرار.

2. التموضع في "المنطقة الرمادية" الأمنية:
أظهرت عملية 7 أكتوبر أن الرهان على المظلة الأمنية الغربية لا يمكن أن يضمن الاستقرار. الأنظمة المطبعة باتت في "منطقة رمادية" أمنياً: لا هي جزء فعال من المحور المقاوم يمتلك قدرة الردع الذاتي، ولا هي آمنة بضمانات التطبيع، الذي أثبت فشله. تحول البحر الأحمر إلى جبهة اشتباك، يضع هذه الدول تحت ضغوط أمريكية وغربية مباشرة للمشاركة في "حماية الملاحة" (وهي في حقيقتها حماية للكيان)، مما يعرضها لمخاطر عسكرية لا تخدم قضيتها القومية أو أمنها الحقيقي. قال تعالى : ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾
تؤكد هذه الآية كـ "دليل عملي" على أهمية كل خطوة تُغيظ العدو. والموقف اليمني، بفعله في البحر الأحمر، يطبق هذا التكليف حرفياً، ويثبت أن الشراكة في الألم والأمل مع غزة هي الطريق الوحيد للخروج من دائرة الاستكانة والخذلان.

الخاتمة: التحول البنيوي بعد الخذلان واستراتيجية الفتح الموعود
إن "طوفان الأقصى" أطلق مرحلة جديدة تتطلب من الأمة إعادة قراءة مفهوم "القوة والضعف" و"العزة والذلة". لقد كشف الخذلان الأخلاقي الذي مارسته بعض الأطراف عن الضريبة الكبرى التي دفعتها غزة، وهي ضريبة لم تكن لتُدفع لو كان هناك وعي إيماني وتفعيل لقوة الأمة.
ويبقى الإسناد اليمني، المتمثل في تحويل البحر الأحمر إلى مسرح ضغط دولي واستراتيجي، شاهداً على أن الكرامة الوطنية والاستراتيجية تبدأ من الالتزام الأخلاقي الجذري غير المشروط بقضية الأمة المركزية. هذا الفعل ليس ترفاً سياسياً، بل هو تأسيس لعقيدة ردع جديدة تجعل العدو وحلفاءه يدفعون ثمناً باهظاً مقابل أي عدوان على أي جزء من جسد الأمة. الموقف الأخلاقي هو المنطلق، والنتيجة هي التمكين والعزة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾
فالنصر هنا ليس فقط عسكرياً، بل هو ثبات في الموقف وعزة في القرار، وهو ما يسعى إليه هذا التحرك المعقد والمصيري الذي يُعيد لليمن دوره التاريخي كقائد ومُسنِد، ويُشرعن قيادة "أنصار الله" كحاملة لواء التحرير في مرحلة "الفتح الموعود"، ويُبرهن على أن الخلاص يبدأ من مواجهة الخذلان كـ"ثقافة وكيان".


طباعة