مشروع (ريبليكيتور) .. وماذا يعني تعثره بعد الهزيمة الأمريكية في البحر الأحمر؟!
ضرار الطيب
ساهمت هزيمة البحرية الأمريكية في معركة البحر الأحمر في تعاظم هاجس تطوير "الأنظمة غير المأهولة" بشكل كبير لدى البنتاغون، حيث تم إلقاء جزء كبير من وزر الهزيمة -بشكل غير واقعي- على عاتق "عدم التناسب" بين تكاليف العمليات العسكرية الأمريكية والعمليات اليمنية، الأمر الذي جعل الحاجة إلى تطوير أساطيل من الأسلحة "المسيّرة" تتصدر قائمة "الدروس المستفادة" من الهزيمة.
خلال جلسة ترشيحه لمنصب قائد رئيس العمليات البحرية، في يوليو الماضي، قال الأدميرال في البحرية الأمريكية داريل كودل أمام مجلس الشيوخ إن "الأحداث الأخيرة في أوكرانيا والبحر الأحمر أثبتت التأثير الذي يمكن أن تُحدثه أنظمة القتال الجوي بدون طيار في ساحة المعركة الحديثة". وأضاف: "يجب الاستفادة من التطوير والابتكار التجاري بشكل متكرر لتسريع التعلم والاستجابة لاحتياجات القتال" متعهدا بـ"إنشاء تشكيلات هجينة من الأنظمة المأهولة وغير مأهولة لتكون شديد الفتك، لردع ومواجهة أي عدوان محتمل".
وقد تضمنت ميزانية وزارة الحرب الأمريكية لعام 2026 نحو 13.4 مليار دولار لتطوير الأنظمة غير المأهولة.
كان البنتاغون قد وضع بالفعل برنامجا لاستيعاب هذه الحاجة يدعى (ريبليكيتور) وقد تم إعلانه في أغسطس 2023، بهدف نشر عدد كبير من الأنظمة غير المأهولة بحلول أغسطس 2025، لتقليل تكاليف الاعتماد على المعدات باهظة الثمن، وكذلك للاستعداد لأي مواجهة مستنزفة مع الصين، وكانت التكلفة المقدرة نحو مليار دولار.
لكن معركة البحر الأحمر كانت أقرب، وتصدرت المشهد بالكامل وبصورة غير متوقعة، وفرضت ضغطا كبيرا على البنتاغون لتسريع إنجاز البرنامج، وفقا لما ذكر الأدميرال فريد بايل، قائد الحرب السطحية، في مايو2024.
لكن بحلول نهاية ذلك العام، لم يتغير شيء، وعلى وقع تزايد ضغط معركة البحر الأحمر وتزايد التهديدات التي تعرضت لها السفن الحربية الأمريكية، أعلن وزير الدفاع الأمريكي آنذاك لويد أوستن عن برنامج (ريبليكيتور2) الذي يهدف بشكل أساسي للحماية من هجمات الطائرات المسيرة، على أن يتم إنجاز ذلك بالتوازي مع البرنامج الأول لمدة عامين، أي حتى نهاية عام 2026.
بالنظر إلى الجدول الزمني فقد انتهى الموعد المقرر لإنجاز برنامج (ريبليكيتور1) ومرت نحو نصف المدة المحددة لإنجاز النسخة الثانية من البرنامج، وبرغم التصريحات المتكررة حول "التقدم" المحرز في هذا الإطار، فإن النتائج التي تم كشفها مؤخرا كانت محرجة للغاية!
هذا الأسبوع كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية أن مشروع (ريبليكيتور) فشل في تحقيق هدفه تماما، حيث قام القائمون على المشروع بشراء "أنظمة غير جاهزة للاستخدام" لدرجة أن بعضها كان مجرد "فكرة" عندما تم اختياره، بالإضافة زوارق مسيرة ليست مصممة للمهام المطلوبة أصلا، وطائرات بدون طيار ذات تقنيات قديمة، وأخرى فشلت محاولات التنسيق فيما بينها أثناء التجارب العملية.
كانت النتيجة بحسب الصحيفة هي تسليم المشروع إلى قسم جديد في البنتاغون يدعى (مجموعة الحرب الدفاعية المستقلة) وذلك بعد إقالة قائد وحدة "الابتكار الدفاعي" التي كانت قائمة على المشروع، لكن القسم الجديد يواجه جدولا زمنيا ضيقا لإنجاز المهمة بالإضافة إلى التحديات التي واجهتها الوحدة السابقة.
وكانت وكالة "رويترز" قد سلطت الضوء في أغسطس الماضي على جوانب من الانتكاسات الفاضحة للمشروع، حيث كشفت عن اختبار أجرته البحرية الأمريكية في يوليو لقوارب مسيرة تنتجها شركة (بلاك سي)، وخلال الاختبار توقف أحد القوارب بشكل غير متوقع، وبينما كان المسؤولون يبذلون قصارى جهدهم لإصلاح الخلل، جاء قارب آخر واصطدم بالقارب المتوقف وقفز فوقه، وقد نشرت الوكالة بالفعل مقطع فيديو يوثق ذلك!
بحسب "وول ستريت جورنال" فإنه بسبب عدم أهلية هذه القوارب للمهمة المطلوبة، حاول الجيش الأمريكي تغيير حزم برامجها مرارا وتكرارا، لكن النتيجة كانت تكاليف إضافية وظهور انتكاسات أخرى.
ووفقا لرويترز فإن البحرية الأمريكية كانت قد أبرمت عقدا مع شركة (بلاك سي) بنحو 160 مليون دولار لإنتاج هذه القوارب، وتم إيقاف عقد بقيمة 20 مليون دولار مع شركة (إل هاريس3) بسبب الانتكاسات في برامج تشغيل القوارب المسيرة.
ولم تكن التقنيات فقط هي المشكلة، بل عدم واقعية الجدول الزمني للمشروع والذي يعبر عن عدم فهم لطبيعة هذه الأنظمة، حيث نقلت رويترز عن تي إكس هاميس، الخبير في الأسلحة قوله إن "البحرية في مياه مجهولة، وتحاول إصلاح عقود من التقاليد بسرعة عالية" مضيفا: "لديك نظام معتاد على بناء أشياء كبيرة، ويستغرق سنوات لاتخاذ القرار، والآن فجأة تطلب منهم التحرك بسرعة".
وقال برايان كلارك، الباحث البارز في معهد هدسون: "إن إخفاقات الاختبارات الأخيرة تُبرز التحديات التي تواجه جهود البحرية لنشر هذه التقنيات الناشئة" مضيفا أن "البحرية ستحتاج إلى تكييف تكتيكاتها مع فهمها بشكل أفضل لما يمكن أن تفعله هذه الأنظمة وما لا يمكنها فعله".
إن التوجه نحو تطوير الأنظمة غير المأهولة والاعتماد عليها يشكل بحد ذاته اعترافا بعدم فعالية الترسانة الرئيسية للولايات المتحدة وسقوط "الردع" الذي ارتبط بها لوقت طويل، ونتائج الاختبارات تشير إلى أن الولايات المتحدة ستواصل الاعتماد على تلك الترسانة المكلفة وغير الفعالة بشكل رئيسي لوقت
أطول، وحتى إن نجحت (في وقت متأخر كما يبدو) في دمج الأنظمة غير المأهولة بشكل فعال لتخفيف التكاليف، فإن هذا الدمج لن يحقق بالضرورة "الردع" فالخصوم الذين فرضوا تحدي الأنظمة المسيرة على الولايات المتحدة يملكون فهما أوسع من لهذه الأنظمة، بالإضافة إلى فهمهم للترسانة الأخرى التي تمت مواجهتها والتغلب عليها، كما أن الأمر يحتاج إلى تعديلا وإضافات كثيرة في أنظمة الترسانة الأمريكية والتكتيكات والعقيدة القتالية.
وبحلول الوقت الذي ستنجح فيه الولايات المتحدة في إنجاز مشروع تطوير ودمج الأنظمة غير المأهولة، سيكون هؤلاء الخصوم قد طوروا أيضا قدراتهم بشكل يجعل التحدي قائما كما هو الآن وربما أكبر.