حلف الناتو وروسيا الاتحادية .. صفيح تصعيد سياسي ساخن وبوادر صراع عسكري مباشر

من حرب تشتعل تحت الرماد بين حلف الناتو من جهة وروسيا الاتحادية وحلفائها من جهة أخرى تكون حتمية الصراع والحرب مستمرة ليس فقط في أوكرانيا فقط.. ولكن قد تشمل دول الحلف الأطلسي "الناتو" برمتها مع روسيا وآلتها العسكرية.. بدورها تسعى الأخيرة إلى اختبار مدى جاهزية وحتى جدية هذا الحلف الأوروبي العتيق عسكريا وسياسيا.

حلف الناتو وروسيا الاتحادية .. صفيح تصعيد سياسي ساخن وبوادر صراع عسكري مباشر

تقرير: زهير الهيلمة

وسط تصاعد حرب المسيرات الروسية نحو الأراضي البولندية مؤخرا والتي سببت حالة من الذعر والهلع الأمني الأوروبي وخلقت ماوصفته الدول الأعضاء للحلف الأطلسي: " تهديدا جويا مباشرا بالمسيرات والمقاتلات الروسية بشكل عدائي ومتعمد حسب وصف المراقبين الأوروبيين " في حين أن روسيا تنفي جملة وتفصيلا ما أسمته "سلسلة لا تنتهي من الاتهامات الباطلة من الدول الغربية".
في المقابل اتفق وزراء دفاع 10 دول في الاتحاد الأوروبي خلال الاجتماع الطارئ يوم الجمعة الماضي وشددت الدول الخمس فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا على أهمية مناقشة مشروع ما يسمى "جدار الدرون" كأولوية للتكتل القادم ، بعد الاخترقات العدائية من روسيا حد وصفهم على بعض البلدان الأعضاء ووصفتها بالانتهاكات السافرة للمجال الجوي لبعض الدول الأعضاء في الناتو خلال الأسابيع الأخيرة. في حين أغلقت بولندا معظم مطارتها بعد إسقاط عدد من المسيرات الروسية التي اخترقت مجالها الجوي.

اتهامات أوروبية مباشرة لروسيا
بعد إعلان النرويج والدانمارك ورومانيا وقبلها بولندا عن انتهاك أجوائها بالطائرات المسيرة الروسية ، أعلنت ألمانيا على لسان وزير دفاعها بوريس بيستوريوس أن طائرة عسكرية روسية قامت بتحليق فوق الفرقاطة التابعة للبحرية الألمانية في بحر البلطيق والتي تتواجد ضمن قطع عسكرية بحرية لقوات حلف الشمال الأطلسي..،، هذا وقد نشر الحلف عدد من المقاتلات الحربية وذلك بعد اختراق 3 طائرات روسية من طراز "ميغ-31" المجال الجوي لإستونيا لمدة 12 دقيقة، ما أدى في حينه لعقد اجتماع عاجل وطارئ لمجلس الأمن الدولي والعمل لإيجاد صيغة مشتركة مع الحلفاء في التكتل الأمني والعسكري الجديد ضد روسيا.
وقد وصفت حكومة (كوبنهاغن) تلك الهجمات بأنها خطيرة، وعلَّقت رئيسة الحكومة" مته فريدريكسن" بقولها "لا يمكنني إنكار أن الأمر يتعلق بروسيا".. وتابعت "لقد شاهدنا طائرات مسيرة فوق بولندا ونشاطا في رومانيا، ورأينا انتهاكات في المجال الجوي الإستوني، وهجمات إلكترونية على مطارات أوروبية، والآن ظهرت طائرات مسيرة في الدانمارك والنرويج أيضا".

تحذير وترقب أوكراني
الدبلوماسي الأوكراني" فولوديمير شوماكوف" حذر في حديثه لموقع "الجزيرة نت" من ما وصفها الاسترتيجية الروسية التصعيدية والتي تهدف لتوسيع رقعة الحرب لتشمل أوروبا قاطبة وليس فقط الأرضي الأوكرانية ".. وأضاف "إننا نشاهد هجمات بطائرات مسيرة مجهولة تنطلق من القوات الروسية إلى أجواء تعتبر دولها في حلف الناتو ، وقد نرى غدا جنودا مجهولي الهوية ينفذون عمليات عسكرية وروسيا مستعدة لإنفاق كل مواردها لتنفيذ خططها، بل إن هناك حديثا متزايدا عن احتمال دخول قواتها إلى إستونيا وليتوانيا حد زعمه ".

اختبار للجاهزية وإحراج للحلف
أشار الباحث سيرغي رادتشنكو في مقال منشور له في صحيفة الغارديان، إلى أن ما وصفها:" سلسلة الاستفزازات الروسية الأخيرة ضد دول حلف شمال الأطلسي ـ من اختراق الطائرات المسيّرة الروسية للأجواء البولندية والرومانية، إلى التحليق المستمر لمقاتلات "ميغ 31" داخل المجال الجوي الإستوني ـ بأنها سلوك روسي متعمّد يهدف إلى إظهار مكامن الضعف والثغرات واختبار الجاهزية العسكرية لهذه الدول ، وأضاف : ليس هذا فحسب بل وحتى إحراج الحلف وإظهار التباينات الداخلية لدوله الأعضاء في حالة مواجهة قد تكون قريبة ومباشرة مع روسيا ."

نفي وتحذير رسمي روسي
وردا على جملة هذه الاتهامات أكدت الخارجية الروسية وعلى لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف :" أن روسيا لا تهاجم الأهداف المدنية ولا توجه طائراتها المسيرة أو صواريخها نحو دول الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو".
وشدد لافروف، في مؤتمر صحفي تلا مشاركته في الدورة" الـ80 " للجمعية العامة للأمم المتحدة، المنعقد الأسبوع الماضي على أن روسيا لا تخطط للهجوم على دول حلف الناتو، "لكن أي عدوان سيواجه برد حازم"، مشيرا إلى أن الناتو يواصل التوسّع، مقتربا من حدود روسيا "رغم الوعود التي قدمها بعدم التقدم شبرا واحدا نحو الشرق".
وأضاف لافروف: روسيا لا توجه طائراتها المسيرة أو صواريخها نحو دول الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو والغاية من تلك الاتهامات هو استفزاز روسيا بالأساس".
وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان لها بشأن العملية التي أطلقها تكتل حلف الناتو باسم "جدار الدرون" أن هذا التدبير والسلوك غير المسؤول سيؤدي إلى "زيادة التوترات العسكرية والسياسية في قارتنا" وأضافت :" أن هذه الخطط تندرج ضمن "طموحات شخصية وألعاب سياسية لنخب الاتحاد الأوروبي الحاكمة".
من جانبه وصف المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الروسية ديميتري بيسكوف، في تصريحات لوكالة" تاس الروسية تلك الاتهامات بالقول :" إنها سلسلة لا تنتهي من الاتهامات الباطلة من الدول الغربية أدت إلى حالة لم تعد تُؤخذ على محمل الجد، مضيفا أنه "لا ينبغي للدولة التي لديها نهج جاد ومسؤول أن تطرح اتهامات لا أساس لها مرارا وتكرارا" .
وأضاف " أقولها بصراحة، بما أنهم يُطلقون اتهامات لا أساس لها مرارا وتكرارًا، فقد توقفنا عن أخذ هذه الادعاءات على محمل الجد، فتصريحاتهم التي نسمعها يتبين أن لا أساس لها في كل مرة".
وحذر بيسكوف من أن تكون هذه التصريحات لقادة الناتو تلميح عن إمكانية إسقاط الطائرات الروسية والتي ستكون لها عواقب خطرة حد وصفه.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي الروسي " أندريه أونتيكوف " أيضا أن ادعاءات الغرب حول إطلاق روسيا للطائرات المسيرة تجاه دول غربية هي حركة مفتعلة ونوع من الاستفزاز الإعلامي والسياسي، تهدف بالأساس إلى إقناع الولايات المتحدة والغرب بالتصعيد ضد روسيا ودعم أوكرانيا.

تعاون روسي صيني
وفيما يتعلق بالتنسيق الأمني والعسكري المتبادل بين روسيا والصين نقلت وكالة رويترز عن مصدرين أمنيين أوروبيين حسب ما أوردت:" أن خبراء صينيين في مجال الطائرات المسيرة زاروا شركة "آي إي إم زد كوبول" لصناعة الأسلحة الروسية للمشاركة في أعمال تطوير تقني لطائرات مسيرة عسكرية.
وأضاف المصدران إن التعاون يشير إلى توطد العلاقة بين كوبول والشركات الصينية في تطوير المسيرات التي أثبتت أهميتها الحاسمة في الحرب الروسية في أوكرانيا.. مضيفة أن الشركة تلقت عدد كبير من الشحنات الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية الصينية عبر وسيط روسي.

نفي صيني
وزارة الخارجية الصينية بدورها نفت تلك الأنباء الغريبة حد وصفها ، وأكدت أنه لا علم لديها بهذه المعلومات وبهذا التعاون، وقالت في بيان رسمي لها : إن الصين حافظت دائما على موقف موضوعي وعادل من مسألة الأزمة الأوكرانية، ولم تقدم قط أسلحة فتاكة لأي طرف في الصراع بما في ذلك صادرات الطائرات المسيرة".

استعدادات للحرب وتحرك تركي
وحول الاستعدادات والاجتماعات المعلنة وغير المعلنة لدول وأعضاء الناتو وخاصة الخماسي الأروبي ذي التأثير الفعال والأساسي في الناتو نحو الدفع لمواجهةٍ مباشرةٍ مع روسيا، فمن غير المستبعد بل شبه المؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية هي من يحث جميع دول الحلف لزيادة ورفع الإنفاق العسكري والتحرك الأمني في مسرح الأحداث الأوكرانية وحول المحيط بها من دول الجوار ذات الحدود المباشرة مع كل من روسيا وبلاروسيا وأوكرانيا .
وفي هذا السياق كتب يفغيني دامانتسيف في "أوراسيا ديلي" مسلطا الضوء على خفايا ما يتم التحضير له بالقول : تتأكد يوميًا تقريبًا استراتيجية الغرب المتمثلة في استنزاف القطاع العسكري التقني وقطاع الطاقة في روسيا، من خلال ضربات بالطائرات المسيرة على منشآت الصناعات الدفاعية ومحطات النفط ومصافي التكرير. وعلى هذه الخلفية، تتسرب معلومات أكثر إثارة للقلق من استخبارات المصادر المفتوحة عن الاحتمال الكبير للتصعيد، وصولا إلى صراع عسكري مباشر بين حلف الناتو وروسيا".
وضمن حالة التحشيد التي تشهدها القارة العجوز إثر ظهور طائرات مسيّرة مجهولة الهوية فوق كوبنهاغن وآلبورغ وأوسلو وستوكهولم (والتي ينسبها حلف الناتو، لأسباب واضحة، إلى روسيا)، أرسل سلاح الجو التركي طائرة إنذار مبكر من طراز E-7T Peace Eagle (أواكس) إلى ليتوانيا لتصبح تركيا هي الطرف الفاعل في نوعية الأسلحة الدفاعية الجوية وصاحبة الريادة في نقل هذه الأسلحة إلى مسرح الصراع بين روسيا والناتو مما يجعل من هذه القطع الجوية لتركيا تحت دائرة الاستهداف الروسي.
وبهذا تلعب تركيا، بصفتها عضوًا في الناتو، دورًا مهمًا في هذه الاستعدادات وحتى الانخراط العملياتي العسكري ضد الروس في المستقبل برغم التنسيق الروسي التركي في عدد من الملفات الإقليمية والأمنية.،. غير أن الآفت للنظر أن القوات الجوية المشتركة لحلف الناتو قد بدأت بالفعل بتطوير نظام أواكس متكامل وقابل للتخصيص بمرونة لتغطية "المناطق العمياء" (التي لا تغطيها الرادارات) على ارتفاعات منخفضة، والتي يمكن من خلالها، في حال تصعيد الصراع بين الناتو وروسيا، أن تحلق طائرات مسيرة انتحارية من طراز غيران- 2/3، بالإضافة إلى صواريخ خا-101 وخا -69 و9Iskander-K.
وحول هذا الشأن نشرت صحيفة" تايمز " البريطانية تقريرا مطولا عن المناورات البحرية التي أجراها حلف شمال الأطلسي (ناتو) في الفترة ما بين 22 و26 سبتمبر/أيلول الجاري، والتي غطت مناطق واسعة، شملت البحر الأبيض المتوسط والبحر الأدرياتيكي وبحر الشمال وبحر البلطيق، وشكلت استعراضا كبيرا للقدرات المشتركة لدول الحلف. حيث أطلق على هذه المناورة الضخمة اسم "نيبتون سترايك 25-3" وشارك فيها أكثر من 10 آلاف جندي وبحار وطيار وقوات خاصة من 13 دولة عضوا في حلف الشمال الأطلسي "الناتو".

مشاركة أمريكية كبيرة
وقادت حاملة الطائرات الأميركية العملاقة جيرالد فورد -أكبر سفينة حربية في العالم- المناورات في نسختها الثالثة بعد ختام مناورات النسخة الثانية التي نُفذت في الفترة من 24 يوليو/تموز حتى الأول من أغسطس/آب الماضي.
وشملت المناورات عمليات هجومية بحرية وجوية وتدريبات على القصف وعمليات للقوات الخاصة، إضافة إلى مواجهة محتملة مع روسيا.
ومن على سطح الحاملة الأميركية، انطلقت مقاتلات من طراز "هورنيت إف/ إيه-18" بسرعة تصل إلى 150 ميلا (240 كيلومترا) في الساعة على مسافة 300 قدم فقط بفضل منجنيقات كهرومغناطيسية متطورة.
وأوردت تايمز، في تقريرها عبر مراسلها برونو ووترفيلد، الذي زار حاملة الطائرات جيرالد فورد أثناء المناورات، أن الهدف من سلسلة "نيبتون سترايك" في نسخها الثلاث حتى الآن هو إظهار الجاهزية والتنسيق بين الحلفاء.
واعتبرت الصحيفة المناورات رسالة واضحة لحلفاء واشنطن وخصومها على السواء بأن الولايات المتحدة باقية في قلب المعادلة الأمنية الأوروبية.


طباعة