الرقص على الجراح .. قراءة قرآنية في آليات وأهداف الإعلام المُطبّع

أصيل علي البجلي

في عالمٍ باتت فيه الشاشة منبرًا، والكلمة سلاحًا، وتُدار فيه المعارك على جبهة الوعي كما في ميادين القتال، لا يُعد مصطلح "الرقص على الجراح" مجرد توصيفٍ لظاهرة إعلامية، بل هو مدخل فلسفي عميق لفك شفرة بنية معرفية وسياسية قائمة على التضليل.

الرقص على الجراح .. قراءة قرآنية في آليات وأهداف الإعلام المُطبّع

إنَّ هذه الظاهرة ليست سلوكًا عابراً، بل هي استراتيجية ممنهجة تُمارس فيها أشكال متعددة من الهيمنة، وتُعاد فيها صياغة الوعي الجمعي في ظل الأزمات الكبرى.
إنَّ تحليل هذا المفهوم يتجاوز الرؤية الإخبارية السطحية، ليغوص في أعماقه التي تستند إلى آليات التنافر المعرفي واستراتيجيات التخدير، والتي تُخالف جوهر الإيمان الذي جاء في قوله تعالى: "وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا" (الإسراء: 81). إنَّ قنوات كـ "العربية" و"الجزيرة" لم تعُد مجرد وسائل لنقل الخبر، بل تحولت إلى أدوات فاعلة في هندسة الوعي، وتشكيل الرأي العام بما يخدم أجندات أصحابها، حتى لو كان ذلك على حساب دماء الأبرياء.
إنَّ العنوان بحد ذاته يُمثل تناقضاً سيميائياً (Semiotics) حاداً، حيث يجمع بين "الرقص" كرمز للحياة والترفيه، و"الجراح" كرمز للألم والموت. هذا الجمع الصادم ليس من قبيل المصادفة، بل هو تكتيك إعلامي مُحكم يهدف إلى إبطال مفعول الشعور الإنساني بالتعاطف، وتطبيع اللاإنسانية. عندما تُبث قنوات مثل "العربية" برامج الترفيه الصاخبة ومسابقات اللهو في أوج العدوان على اليمن أو في ذروة المجازر في غزة، فإنَّ ذلك يخلق حالة من التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance) لدى المتلقي، مما يُجبر عقله على فصل الواقع الأليم عن واقعه الترفيهي. وبهذا، يتحول الدم إلى مجرد خلفية ثابتة لا تُؤثر في السرد الإعلامي، وتتحول المأساة إلى مشهد بصري يُستهلك ثم يُنسى. وكأن هؤلاء القوم قد أصابهم من العمى ما وصفه القرآن الكريم في قوله: "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون" (الأعراف: 179). إنَّ هذا التناقض الصارخ لا يخدم سوى مشروع التخدير والتحييد الذي يُراد للأمة أن تستسلم له.
من منظور فلسفة الهيمنة كما صاغها المفكر أنطونيو غرامشي، لا يُعد الإعلام المطبِّع مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل هو أداة مركزية في عملية صناعة "الوعي الزائف". إنَّه يعمل على تثبيت وتكريس الأجندات السياسية التي تخدم القوى الكبرى وحلفاءها في المنطقة. هذا الإعلام، بأقسامه المختلفة، يُشرعن العدوان على أنه "دفاع عن النفس"، ويُبرر الحصار على أنه "إجراء ضروري"، ويُصوّر المقاومة على أنها "إرهاب". قناة "العربية"، على سبيل المثال، تمثل نموذجًا للهيمنة المباشرة، حيث تُقدم الرواية السياسية بوضوح وصراحة خدمةً لمموليها، وتتجاهل أي سردية مخالفة، بينما قناة "الجزيرة" قد تستخدم أسلوبًا أكثر مرونة وادعاءً للتعاطف، لكنها في النهاية تخدم أجندة سياسية تُعيد تشكيل المنطقة وتفكيكها عبر أدوات أخرى. إنَّ وظيفتهما الأساسية هي إقناع الجمهور بقبول هذه الروايات كحقائق ثابتة، مما يُنتج في النهاية "مواطنًا مُستسلمًا" يرى أن دوره يقتصر على الاستهلاك لا على المقاومة. وهذا ما حذّر منه القرآن الكريم في قوله: "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون" (الأنعام: 116)، ليؤكد أن اتباع أكثرية مضللة يؤدي حتمًا إلى الضلال عن سبيل الحق.
إنَّ ما يمارسه هذا الإعلام لا يقل خطورة عن مفهوم "السياسة الموتية" (Necropolitics)، حيث يمتلك الإعلام القدرة على تحديد من يستحق الحياة ومن يستحق الموت في عيون المتلقي. إنَّ هذا الإعلام يغدو شريكًا في هذه الجريمة، فهو لا يكتفي بالصمت على الدم، بل يُساهم في تبريره عبر لغة التجريد والتزييف. وهذا السلوك يتناقض بشكل مباشر مع قدسية النفس الإنسانية التي أكد عليها القرآن الكريم في قوله: "من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا" (المائدة: 32). فقنوات مثل "العربية" و"الجزيرة" تعمل على تبرير وترسيخ أن الكيان الصهيوني الغاصب هو "دولة" لها "حق الدفاع عن النفس"، مما يمنحه شرعية زائفة لا يملكها على أرض الواقع. إنها تقدم المجازر على أنها رد فعل على "استفزاز" أو "هجوم" من قبل المقاومة، مما يقلب الحقائق ويجعل الضحية جانيًا، وهو ما يُعد من أبشع أشكال التضليل.
إحدى أبرز استراتيجيات هذا الإعلام هي "استراتيجية التغطية المزدوجة"، التي تُدير الصراع عبر تشتيت الانتباه. فقناة "العربية" تُقدم برامج ترفيهية أو حوارات سياسية لا تلامس جوهر القضايا، بينما قد تُركز "الجزيرة" على قضايا فرعية أو جدليات هامشية، وكلاهما يعمل على إلهاء المشاهد عن الحقائق الأساسية. وهذا ما يُخالف مبدأ "التبين" الذي أمر به القرآن في قوله: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين" (الحجرات: 6). إن هذا الإعلام لا يُقدم الحقيقة، بل يُقدم رواية منحازة ومُضللة، ويُطالب الناس باتباعها دون تبين، بل إنه يُحارب المقاومة بطريقة سلسة ومتناسقة، عبر استخدام مصطلحات سلبية لتوصيفها، وتجاهل إنجازاتها، وتضخيم الخسائر التي تتكبدها، في محاولة لإضعاف معنويات الأمة وتجريدها من أملها في التحرر.
ختاماً، يمكن القول أن الإعلام المطبِّع ليس مجرد مرآة تعكس الواقع، بل هو سلاح فتاك يُشكل الواقع ويُدير الصراعات من وراء الكواليس. كما أنَّ "الرقص على الجراح" ليس عنوانًا شعريًا، بل هو توصيف دقيق لوظيفة هذا الإعلام في تفكيك الوعي، وتطبيع الخيانة، وإدارة الموت. وقنوات مثل "العربية" و"الجزيرة" تمثل وجهين لعملة واحدة، تخدمان مشروعًا واحدًا في نهاية المطاف، هو إضعاف الأمة وتفكيكها. ومواجهة هذه الآلة الإعلامية تتطلب أكثر من مجرد إدانة، بل تتطلب بناء وعي جمعي قادر على تفكيك هذه الآليات، وإقامة منظومة إعلامية مُقاومة تُعيد الكلمة إلى منبعها الأصيل: الحقيقة. وفي نهاية المطاف، فإن النصر سيكون للحق، كما وعد الله تعالى: "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون" (الصافات: 171-173).


طباعة