فيما كيان الاحتلال يواصل عدوانه وحرب إبادته في قطاع غزة..حماس تتعامل بحنكة سياسية مع المقترحات الترامبية الملغومة
أثار المقترح الأميركي الجديد الذي قدمه ترامب بشأن وقف إطلاق النار في غزة لمدة 60 يوماً، موجة من التحفظات لدى عدد من المراقبين والمحللين السياسيين العرب والفلسطينيين،
حيث رأوا فيه طرحاً غير متوازن يفتقر إلى الضمانات الحقيقية لوقف دائم للعدوان الصهيوني على قطاع غزة أو لتأمين الاحتياجات الإنسانية المتفاقمة في القطاع. واعتُبروا المقترح محاولة لإعادة إنتاج الشروط الصهيونية تحت غطاء هدنة مؤقتة، دون معالجة جذرية للأسباب السياسية والإنسانية للصراع.. لكن المفاوض الفلسطيني يدرك ذلك تماماً ويتعامل مع كافة المقترحات المقدمة من هنا أو هناك بإيجابية وبنظرة عمقية وبتنسيق كامل مع كافة القوى والفصائل الفلسطينية المقاومة وبما من شأنه ضمان حقوق الشعب الفلسطيني.. إلى التفاصيل :
موسى محمد حسن
مع تطورات المفاوضات الجديدة والمقترح الأمريكي لوقف القتال لمدة 60 يوم تُثبِت فصائل المقاومة في قطاع غزة أنها ما زالت على عهد القتال، لم تهن لها عزيمة، ولم يسقط لها لواء، اليد على الزناد، والعين لا تغفل عن العدو، والبندقية لا تُلقى ما دام الاحتلال قائمًا.. وفي الميدان تُرسل رسائل الدعم والثقة وللقيادة السياسية وللمفاوض عنها وتُسند قرارهم السياسي.. وهذه الرسائل تتمثل بمواصلة التصدي البطولي للعدوان الصهيوني والاستمرار في التنكيل بقوات جيش الاحتلال المتوغلة في قطاع غزة وتكبيدها المزيد والمزيد من الخسائر الفادحة في الأرواح والعتاد.
وخلال الأيام الماضية، تسارع الحديث عن مؤشرات قرب التوصل لاتفاق جديد لوقف إطلاق النار في قطاع غزة وإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، تزامنا مع عملية تبادل أسرى بين حماس وكيان الاحتلال.
وتصاعدت الأحداث سريعا عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأسبوع الماضي، أن "إسرائيل" وافقت على الشروط اللازمة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة لمدة 60 يوما، مبيّنا أن الوسطاء القطريين والمصريين سيتولون تقديم مقترح نهائي.
وفورا، قالت حركة حماس، إنها تتعامل بمسؤولية عالية، وتجري مشاورات وطنية لمناقشة مقترحات جديدة تلقتها من الوسطاء، من أجل الوصول إلى اتفاق يضمن إنهاء العدوان، وتحقيق الانسحاب، وتقديم الإغاثة عاجلا في قطاع غزة..
وكانت حماس قد أعلنت يوم الجمعة الماضية، أنها سلمت ردا "إيجابيا" إلى الوسطاء بشأن مقترح اتفاق، وأنها "جاهزة بكل جدية للدخول فورا في جولة مفاوضات في آلية تنفيذ المقترح".
شروط حماس وفصائل المقاومة
وقالت حماس إنها سلمت الوسطاء ردها على المقترح بعدما أكملت بخصوصه مشاوراتها الداخلية ومع الفصائل والقوى الفلسطينية.
ووصفت حماس ردها على المقترح بأنه "اتسم بالإيجابية" وأكدت "الجاهزية بكل جدية للدخول فورا في جولة مفاوضات حول آلية تنفيذ المقترح".
ولم تتحدث مصادر رسمية عن تفاصيل رد حماس، لكن هيئة الإذاعة الصهيونية نقلت -عن مصادر لم تسمها- أن حماس تتمسك بـ3 مطالب أساسية لتعديل بنود الاتفاق.
وأوضحت أن المطلب الأول يخص العودة إلى نموذج توزيع المساعدات الإنسانية السابق، والثاني يتعلق بما سيحدث بعد انقضاء فترة الـ60 يوما من وقف إطلاق النار، إذ ترى "إسرائيل" أن انتهاء المدة من دون اتفاق يسمح لها باستئناف الحرب، في حين تتمسك حماس بتمديد وقف إطلاق النار ما دامت المفاوضات مستمرة.
أما المطلب الثالث، فإنه يركز على خريطة انسحاب "الجيش الإسرائيلي" من غزة، إذ تطالب حماس بانسحاب واضح وملموس من المناطق التي ينتشر فيها جيش الاحتلال داخل القطاع.
أبرز نقاط المقترح الأميركي
وفقا لما رشح من تسريبات، فإن الوثيقة الأميركية المطروحة تتضمن وقفا لإطلاق النار لمدة 60 يومًا، بضمانات من الرئيس الأميركي ترامب تضمن استمراره المدة كلها.
وتقترح الورقة جدولا للإفراج عن 10 أسرى صهاينة أحياء و18 جثمانا، مقابل الإفراج عن مجموعة من الأسرى الفلسطينيين، على أن تجري عمليات تبادل الأسرى من دون احتفالات أو استعراضات.
وينص الاقتراح على دخول المساعدات الإنسانية فورا إلى قطاع غزة وفقًا لاتفاق 19 يناير الماضي، وبكميات كافية، بمشاركة الأمم المتحدة والهلال الأحمر.
ووفقا للمقترح، وبعد الإفراج عن 8 أسرى، سينسحب جيش الاحتلال من مناطق في شمال غزة، حسب خرائط يتم التوافق عليها، كما ستتم عملية انسحاب قوات صهيونية من مناطق في جنوب غزة في اليوم السابع، حسب خرائط متفق عليها.
ومع بدء سريان الاتفاق، ستبدأ مفاوضات عن وقف دائم لإطلاق النار، تتناول 4 نقاط رئيسية: (تبادل ما تبقى من الأسرى، والترتيبات الأمنية الطويلة الأمد في غزة، وترتيبات "اليوم التالي"، وإعلان وقف دائم لإطلاق النار).
وفي اليوم العاشر، ستقدم حماس كل المعلومات والأدلة عن الأسرى المتبقين وإذا كانوا أحياء أو أموات، مع تقارير طبية. وفي المقابل، سيقدم كيان الاحتلال معلومات كاملة عن الأسرى الفلسطينيين الذين اعتقلوا من غزة منذ 7 أكتوبر 2023.
ويتضمن المقترح ضمانات لالتزام ترامب وجديته تجاه الاتفاق، وأنه في حال نجاح المفاوضات خلال فترة التهدئة فسيؤدي ذلك إلى نهاية دائمة للنزاع.
موقف نتنياهو وحكومته من رد حماس
وجاء موقف نتنياهو وحكومته الصهيونية من رد حماس على المقترح الأمريكي الجديد، كالعادة دوماً برفض الرد ووصفه بأنه غير مقبول.. وفي هذا السياق وصف مكتب رئيس وزراء كيان الاحتلال الصهيوني نتنياهو التعديلات التي تطلب حركة حماس إدخالها على المقترح القطري لوقف إطلاق النار بـ"غير المقبولة ".
وأضاف البيان أنه تم قبول الدعوة لإجراء محادثات لإعادة الأسرى على أساس المقترح القطري الذي وافق عليه كيان الاحتلال.
وذكرت هيئة الإذاعة الصهيونية أن "الحكومة لم ترفض رد حماس بشكل شامل، وترى أن هناك ما يمكن العمل عليه".
في المقابل، تتواصل الضغوط من داخل كيان الاحتلال من عائلات الأسرى الصهاينة، ويطالبون بصفقة كاملة، تشمل كافة الأسرى المحتجزين أحياء وأمواتا.
ومرارا أعلنت حماس استعدادها لإطلاق سراح الأسرى الصهاينة "دفعة واحدة"، مقابل إنهاء الإبادة، وانسحاب الجيش الصهيوني من غزة.
لكن مجرم الحرب نتنياهو -المطلوب للعدالة الدولية-، يتهرب بطرح شروط جديدة، ويرغب فقط بصفقات جزئية تضمن استمرار الحرب.
وتؤكد المعارضة الصهيونية أن نتنياهو يواصل الحرب استجابة للجناح اليميني الأكثر تطرفا في حكومته، لتحقيق مصالحه السياسية الشخصية، ولا سيما استمراره بالسلطة.
الاحتلال أمام خيارين
وفي خطوة ليست ببعيدة عن مفاوضات قطر، توجه رئيس وزراء كيان الاحتلال نتنياهو -المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية- إلى العاصمة الأميركية واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي ترامب للمرة الثالثة خلال 6 أشهر. وتركز مفاوضات الدوحة على النقاط الخلافية، وأبرزها مدى انسحاب قوات الاحتلال من القطاع، وآلية دخول وتوزيع المساعدات، وضمانات إنهاء الحرب.
وتشير تقديرات محللين إلى أن السيناريو الأقرب إلى الواقع هو التوصل لصفقة جزئية مدتها 60 يوما، في سيناريو مشابه لـ"اتفاق يناير 2025"، وسط خشية من عودة كيان الاحتلال للحرب بعد خرقها الاتفاق الأول لوقف اطلاق النار في 18 مارس الماضي.
طلب ضمانات
ووفقاً لذلك، تتمسك حماس في المفاوضات بطلب ضمانات بشأن 3 نقاط لا تستطيع التنازل عنها، وهي وقف القتل والنزوح، والتجويع، والانسحاب إلى المنطقة العازلة، حسب عدد من الباحثين والمراقبين والمحللين السياسيين.
وتركز مفاوضات الدوحة على ملفي الانسحاب الصهيوني والمساعدات الإنسانية، في حين سيكون وقف الحرب نهائيا محور اجتماع ترامب ونتنياهو.
وبعد مرور أكثر من 21 شهرا على الحرب العدوانية، يدرك كيان الاحتلال أن حماس باقية في غزة، لذلك يبحث عن وسائل لا تلزمه بوقف حربه العدوانية"، عبر عمليات عسكرية وأمنية تحول قطاع غزة إلى منطقة مستباحة.
ومن جهة أخرى تريد تل أبيب وواشنطن نزع سلاح غزة، ولا تريدان حكما فلسطينيا فيها، فضلا عن رغبة صهيونية في الاحتفاظ بمحوري فيلادلفيا وموراغ جنوبا.
وبناء على هذا المشهد، فإن غزة ذاهبة إلى مرحلة "الحصار المطبق مقابل الإعمار"، بحسب مراقبين وهو خيار مهلك لا يقل عن ديمومة الحرب وتدمير القطاع وتهجير سكانه، مما يفرض على الفلسطينيين الصمود والقتال، مع ضرورة توفير مظلة عربية تحمي الفلسطينيين.
أما ما يشغل حكومة كيان الاحتلال -التي تواجه ضغوطا داخلية لوقف الحرب واستعادة الأسرى- فهو بحث اتفاق نهائي بشأن اليوم التالي للحرب، وليس الاتفاق المرحلي الخاص بالصفقة الجزئية، وفق مراقبين ومحلليين سياسيين.
ويتفق المسؤول السابق بوزارة الخارجية الأميركية توماس واريك مع هذا الطرح، إذ يركز اجتماع ترامب ونتنياهو على حكم غزة مستقبلا، وليس بشأن مفاوضات قطر وتفاصيلها.
وحسب هذا التفكير، فإن كيان الاحتلال قد يتفاوض على أوراق قوة يمتلكها، لكن لن يتنازل عنها، وهي عدم الانسحاب الكامل من قطاع غزة، وعدم التعهد بوقف الحرب العدوانية بعد هدنة الـ60 يوما، وعدم تفكيك منظومة المساعدات الأميركية الصهيونية.
لكن هذا التشدد الصهيوني لن ينسحب على ملف الأسرى، إذ يريد مجرم الحرب نتنياهو استعادة بعض المحتجزين، وإضعاف هذه الورقة التي تمتلكها حماس، مقابل تعزيز أوراق كيان الاحتلال التفاوضية.
وبناء على هذا الوضع، يبدو كيان أمام خيارين لا ثالث لهما، فالأول يقضي باحتلال كامل قطاع غزة ومحاولة تهجير سكانه، في حين يفضل نتنياهو الخيار الآخر بوقف الحرب والانسحاب إلى المنطقة العازلة مقابل رفض إعادة إعمار غزة وعدم إعطاء حماس أي فرصة لإعادة منظومتها العسكرية والحكومية.
لا ضمانات أميركية
وبين مطالب حماس وخيارات كيان الاحتلال، لا يبدو الرئيس الأمريكي ترامب في وارد منح ضمانات للفلسطينيين، لأن وجهة النظر الأميركية تعتقد أن حماس تريد تمديد المفاوضات دون التخلي عن سلطتها في غزة وعدم تسليم سلاحها، حسب باحثيين ومحلليين أمريكيين.
وتميل واشنطن إلى خطة تستند إلى إدارة مؤقتة لغزة تجمع بين هيئة حكم دولية وجهات فلسطينية غير منتمية لأحزاب سياسية، وإرسال قوات حفظ سلام دولية.
كما تعتبر نزع سلاح غزة شرطا أساسيا لإعادة إعمار القطاع، إضافة إلى ضمان عدم الاعتداء على هذه القوات الدولية.
وفي هذا السياق، نقل موقع "والا" العبري عن مسؤولين أميركيين قولهم إن ترامب يريد الاتفاق مع نتنياهو على شروط إنهاء الحرب في غزة، إذ ستكون قضية اليوم التالي للحرب موضوعا مركزيا في اللقاء بين ترامب ونتنياهو.
موقف موحد للفصائل الفلسطينية
وفي ظل تواصل العدوان الصهيوني على قطاع غزة، وما يرافقه من ضغوط إقليمية ودولية لفرض صيغة لإنهاء الحرب، برزت مؤخرًا سلسلة من التصريحات والبيانات الصادرة عن قوى وفصائل فلسطينية، تؤكد على وحدة الموقف الوطني خلف خيار المقاومة.
الأمر الذي يعكس وفق ما يرى مراقبون فلسطينيون حالة من التماسك الوطني غير المسبوق في مواجهة الضغوط الخارجية ومحاولات الالتفاف على مطالب الشعب الفلسطيني.
ويرى محللون ومراقبون إن "هذه البيانات والتصريحات مهمة في البعد الوطني الفلسطيني حيث تأتي بعد مشاورات عقدتها حماس مع الفصائل الفلسطينية حول الورقة المقدمة من الوسطاء لتحقيق وقف اطلاق النار وصفقة التبادل".
وأضافوا أن "هذا يعكس حالة الاجماع الوطني الفلسطيني حول ضرورة انهاء العدوان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وإدخال المساعدات الكافية وفق الاحتياجات الإنسانية الضرورية وانسحاب الاحتلال من القطاع وانهاء الحصار وإعادة الاعمار".
وتابعوا أن هذه التصريحات والبيانات "تعكس الحالة الوطنية الفلسطينية الموحدة وحالة التوافق الفلسطيني الفصائلي والشعبي خلف قرار المقاومة الفلسطينية والتعديلات التي طرحتها فيما يتعلق بالجانب الإنساني وإدخال المساعدات وانسحاب الاحتلال وإعادة الاعمار وكسر الحصار".
وأكدوا أن "الموقف الفلسطيني الموحد يعتبر عامل قوة للمفاوض الفلسطيني في تحقيق مكاسب وطنية لصالح الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وموقف وطني مهم على صعيد اليوم التالي لنهاية الحرب حيث يؤكد أن اليوم التالي هو قرار وطني فلسطيني خالص".