قطاع الألبان في اليمن .. من "معجزة" الدعم إلى "تحدي" الاستدامة!
حقائق صادمة ترسم لوحة قاتمة لواقع قطاع الألبان في اليمن، كشف عنها التقرير الرسمي للاستراتيجية الوطنية لتوطين صناعة الحليب ومشتقاته بوزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية،
حيث أكد التقرير استراتيجية توطين صناعة الحليب في الحديدة، والتي بدأت في منتصف عام 2023م، أن خطوات العمل في الاستراتيجية شهدت تطورات لافتة. مشيراً إلى أنه، وفي يونيو 2023، كانت الأرقام تتحدث عن مأساة حقيقية: 1,470 لتراً فقط هو إجمالي إنتاج اليمن اليومي من الحليب، وهو رقم هزيل لا يتناسب مع احتياجات مجتمع يتسع، ويعكس حالة 4,186 بقرة هزيلة تعاني من ضعف الإنتاجية. أما البنية التحتية، فكانت لا تتجاوز 3 جمعيات تعاونية تفتقر لأبسط مقومات العمل الحديث، تديرها جهود بدائية تكافح من أجل البقاء. وعلى الجانب الآخر من المعادلة، كانت فاتورة الاستيراد تلتهم 385 مليون دولار سنوياً من العملة الصعبة لتغطية احتياج محلي بات يعتمد شبه كلي على الخارج.. تفاصيل في السياق التالي :-
يحيى الربيعي
هذه الأرقام المروعة، سرعان ما تحولت بقرار حكومي جريء إلى شرارة أمل. فالدعم المالي، بواقع 130 ريالاً لكل لتر كان بمثابة شريان حياة ضُخ في عروق قطاع يحتضر، ليُشعل فتيل تغيير لم يتوقعه أحد. أكد التقرير أن الدعم الحكومي المقدم لمنتجي الحليب أسهم في تحقيق نتائج إيجابية على صعيد الإنتاج وتوفير فرص العمل.
معجزة تُعيد رسم الخريطة
لم تمضِ سوى ثمانية عشر شهراً، حتى سجل المشروع في ديسمبر 2024 ما يمكن وصفه بـ"المعجزة الإنتاجية". لقد شهد القطاع تحولاً تاريخياً، أقرب إلى القفزة الخارقة، حيث ارتفع الإنتاج اليومي من الحليب من 1,470 لتراً إلى 41,600 لتر يومياً، بزيادة تجاوزت 2,730%. هذه القفزة لم تكن أرقاماً على الورق، وإنما حقائق تجسدت في انتشار غير مسبوق للأبقار الحلوب، التي زاد عددها إلى 36,375 بقرة، بنسبة نمو بلغت 770%.
ولم تتوقف المعجزة عند حدود الإنتاج والعدد، بل امتدت لتُحدث تحولاً اجتماعياً واقتصادياً ملموساً. فقد شهدت الفترة تمكين 100,000 مستفيد دخلوا سوق العمل بدخل شهري يبلغ 26,000 ريالاً، مما يعكس الأثر المباشر للدعم على تحسين سبل عيش الأفراد. أما على صعيد البنية التحتية، فقد تشكلت شبكة قوية من 15 جمعية تعاونية، باتت تشكل العمود الفقري لصناعة الألبان، لتتحول من كيانات بدائية إلى دعامات حقيقية للقطاع.
يؤكد التقرير في خلاصته أن "4.06 مليار ريال دعم حكومي حرّكت 88% من العوائد الاقتصادية للمجتمع"، في إشارة واضحة إلى أن هذا الدعم لم يكن مجرد إنفاق، بل استثماراً أثمر نمواً وازدهاراً في فترة وجيزة.
يناير 2025.. عندما تجمدت المضخات
لكن الأفراح لم تدم طويلاً. فمع إشراقة يناير 2025، حمل قرار الحكومة بخفض الدعم إلى 80 ريالاً للتر بشرى سيئة لقطاع بدأ يشمّ رائحة التعافي. وكما توقع الكثيرون، أظهر التقرير أن هذا الخفض كان بمثابة ضربة قاصمة. فمع توقف الدعم السخي، شهد الإنتاج جموداً مريباً، حيث توقف النمو الشهري الذي كان يصل إلى 200%، عند سقف 3.5 مليون لتر، وكأن المضخات تجمدت فجأة.
فلقد تحول منحنى الإنتاج، الذي كان يرتفع في قمم صاعدة، إلى خط مسطح، يعكس توقف زخم النمو. الاستثناء الوحيد كان في مايو 2025، حيث سجل الإنتاج طفرة غير متوقعة وارتفع إلى 3.96 مليون لتر، وهي الطفرة التي لم تكن وليدة الصدفة، وإنما بعد توزيع 92 طناً من العلف المركز، في خطوة مثلت برهان قاطع على أن الحل يكمن في الدعم سواء أكان عينياً بالأعلاف التي تعد شريان الحياة الحقيقي لهذه الصناعة أو نقدياً يمكن المربي من تلبية احتياجات تحسين جودة المنتج.
لماذا 95% من حليب اليمن مستورد؟
يزيد التقرير من الصدمة، عندما يفجر مفاجأة تكشف عمق الأزمة التي لا تزال تعصف بقطاع الألبان. فمع وجود احتياج يومي يصل إلى 2.6 مليون لتر من الحليب، لا يتجاوز الإنتاج المحلي سوى 130,000 لتراً، أي ما يعادل 5% فقط من الاحتياج العام!
هذه المعادلة المخيفة تتجسد في الأرقام التالية: 114,587 طناً من الألبان المستوردة سنوياً، وهي كمية تعادل 947,769 طناً من الحليب الخام، أي ما يقارب 2,632,692 لتراً يومياً. هذه الفجوة الهائلة في الإنتاج المحلي لا تُكلف المجتمع اليمني نقصاً في الغذاء فحسب، بل تستنزف 19 مليون دولار من العملة الصعبة سنوياً لتغطية فاتورة الاستيراد، وهو مبلغ يمكن أن يُحدث فرقاً هائلاً لو استُثمر في تنمية البنية التحتية للإنتاج المحلي.
خطة الإنقاذ.. آلية دقيقة لتحويل الدعم
في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، يقدم التقرير حلاً جراحياً، يستند إلى آليتين رئيسيتين لتحويل مسار الدعم، وينفذ على مرحلتين:
الأولى (يوليو 2025): تحويل الورق النقدي إلى أكياس علف: تعتمد هذه المرحلة على معادلة بسيطة ولكنها فعالة: تحويل 40 ريالاً نقدياً من الدعم إلى 1 كجم من العلف المركز لكل 4 لترات من الحليب المُنتج. أما عن الآلية التنفيذية، فستقوم المصانع بخصم 40 ريالاً لكل لتر من مستحقات الجمعيات، ثم تتولى مؤسسة الخدمات الزراعية شراء الأعلاف وتوريدها. بعد ذلك، تقوم الجمعيات بتوزيع هذه الأعلاف على المزارعين وفق المعادلة المتفق عليها: 4 لترات حليب مُنتج يقابله 1 كجم من العلف.
الثانية (أكتوبر 2025): القطع الكامل وإدخال الأعلاف الخشنة: تتضمن هذه المرحلة قطع ما تبقى من الدعم النقدي (الـ40 ريالاً المتبقية)، واستبداله بإضافة 2.5 كجم من الأعلاف المفرومة لكل 4 لترات من الحليب. سيتم توريد هذه الأعلاف الخشنة بواقع 50 طناً يومياً عبر "جمعية عبس". يُشير التقرير إلى أن "هذه الآلية توفر 600 ألف ريال يومياً مع ضمان استمرار الإنتاج"، مما يعكس رؤية مزدوجة تهدف إلى ترشيد الإنفاق الحكومي مع الحفاظ على زخم الإنتاج.
مشاريع واعدة تضيء درب صناعة الألبان
في قلب معركة اليمن من أجل توطين إنتاج الألبان، يبرز الضوء الخافت لبارقة أمل جديدة، رغم عصف التحديات وتصارع السياسات مع حقائق الإنتاج. فوسط خيبة الأمل الناتجة عن توقف معدلات النمو وتراجع تأثير الدعم، تظهر مشاريعٌ كبيرة وجريئة، تذكّرنا أن هناك دائماً سبيلاً للتحول، وأن الانتصارات الصغيرة قد تمهد الطريق لخطوة أكبر.
وفي مشهد يعكس إصرار الحياة، تم تدشين مركزين لتجميع الحليب في محافظة الحديدة، بدعم من "صندوق تنمية الحديدة"، ما أتاح للمنتجين فرصة تصدير منتجاتهم بأساليب منظَّمة ومحفزة. ومع أن التأثير لا يزال محدوداً، إلا أن خطوة كهذه تمثل بداية لزمن جديد، يعترف فيه القطاع الرسمي بحتمية وجود بنية تحتية قوية لتحسين الإنتاج وجودته.
وفي إطار تحسين جودة العلف وزيادة الإنتاجية، تتجه أنظار الحكومة والمؤسسات الوطنية نحو إنشاء مصنع أعلاف مدعوم يتم تنفيذه بواسطة "مؤسسة بنيان التنموية"، بتكلفة تضمن للمزارعين استيراد الأعلاف بأسعار مناسبة، ما يعد لبنة مهمة في بناء صناعة حليب محلية قوية ومستدامة.
أما على أرض الواقع، فإن مزرعة تهامة النموذجية، المنشأة بتمويل من "هيئة التأمينات"، بدأت فعلاً في استهداف 3,000 بقرة، تضع بذرة صناعة ألبان متطورة، تؤمن بضرورة أن تكون البرامج الزراعية والبيطرية في خدمة المزارعين، كي يتحول الحلم إلى واقع ملموس.
لكن، في خضم هذه المشاريع الواعدة، تبقى الصورة الكلية للواقع أكثر مرارة، إذ أن نسبة الاكتفاء الذاتي للبلاد من الألبان لا تتجاوز 5%، والبقية تُغطَّى بالواردات الثقيلة، باهظة الثمن، التي تستهلك العملة الصعبة.
وفي سبيل التغلب على ذلك، ثمة خطط مستقبلية جريئة ورؤى واسعة. يتحدث عنها التقرير كتوفير 27 شاحنة مبردة، و10 عيادات بيطرية متنقلة، وتدريب 280 كادراً بيطرياً، في إطار تعزيز البنية التحتية وتحقيق نقلة نوعية في جودة الإنتاج، والتوسع إلى ست محافظات أخرى، سعياً لرفع نسبة الاكتفاء الذاتي إلى 15% خلال السنوات القادمة.
لكن، رغم أهمية تلك المشاريع، يبقى السؤال الحائر يطفو على السطح: هل يمكن للأحلام الطموحة أن تتحول إلى واقع ملموس وسط التحديات الكبيرة، خاصة وأن الواقع الحالي يشي بأن الاعتماد على المحلي لا يزال محدوداً، وأن بناء أساس متين قبل التوسع هو الحل الحقيقي للمستقبل؟
وفي ظل صراع السياسات مع الواقع، تبقى هذه المشاريع، وإن كانت متواضعة، بمثابة بصيص أمل، يلهم الجميع للعمل بانتصار صغير على محيط التحديات، ليصنع غداً أكثر إشراقاً لصناعة الألبان اليمنية، ويخط خطوة نحو الاكتفاء الذي طال انتظاره.
تحديات وطموح اعتماد على الذات
يُدرك القائمون على قطاع الألبان في اليمن حجم التحديات التي تواجهه، إلا أنهم يؤمنون بأن النجاح لن يتحقق إلا من خلال "استثمار حقيقي في تطوير السلالات وتحسين البنية التحتية، بالإضافة إلى اعتماد طاقات فنية وتقنية حديثة، وترك الاستيراد خلفنا". هذا ما أكده مدير سلسلة الألبان ومشتقاتها بوزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، خالد الشاحذي في تصريح خاص، مضيفاً: "المستقبل يبقى مفتوحاً أمام وطن يعتمد على ذاته، إذا ما توفرت الإرادة والعمل المستمر على استدامة هذا القطاع الحيوي، فليكن شعارنا دائماً: بناء قاعدة متينة، لتحقيق نهضة زراعية حقيقية تليق بوطننا ومواطنينا."
في سياق التحضير لهذه الخطة الطموحة، عقدت وزارة الإدارة المحلية والتنمية الريفية ورشة عمل مكثفة لمناقشة سلاسل القيمة لمنتجات الألبان والطماطم والمانجو واللحوم. شاركت في الورشة، التي أُقيمت بمشاركة واسعة من وزارات الاقتصاد والصناعة، والزراعة والثروة السمكية، والشؤون الاجتماعية، بالإضافة إلى المديريات المنتجة وصندوق دعم وتنمية الحديدة، وهيئة تطوير تهامة، والاتحاد التعاوني الزراعي، ووحدة تمويل المشاريع والمبادرات الزراعية، ومؤسسة بنيان، ومصانع وجمعيات إنتاج الحليب. وقد خرجت الورشة بحزمة من التوصيات المهمة، كان أبرزها مشروع إعادة هيكلة الدعم الحكومي للألبان.
يمثل مشروع إعادة هيكلة الدعم الحكومي للألبان في اليمن، والذي نوقشت مخرجاته في ورشة عمل أقيمت في 7 محرم 1447هـ، نقطة تحول جوهرية. هذه الخطوة، التي جاءت استجابة لتحدي إلغاء الدعم الحكومي للحليب، تهدف إلى "تعزيز القدرة الإنتاجية المحلية للأبقار وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الحليب ومشتقاته"، حسب ما أفاد به الشاحذي.
وترتكز الخطة على مراحل تنفيذية واضحة، تبدأ في غضون أسبوعين باستبدال 50% من الدعم الحكومي المخصص للحليب بـأعلاف مركزة، تُقدم لمنتجي الحليب بإشراف مباشر من الاتحاد والجمعيات ومؤسسة الخدمات وهيئة تطوير تهامة. ويُعد هذا التحول جزءاً من رؤية أوسع تتضمن مسحاً ميدانياً شاملاً لحصر مربي الأبقار الذين يمتلكون أكثر من 10 رؤوس، بهدف إعادة توجيه الدعم وتقنينه.
يشمل المشروع أيضاً تعزيز البنية التحتية لقطاع الألبان، وذلك عبر استكمال إنشاء 10 مراكز لاستقبال الحليب في محافظة الحديدة خلال أربعة أشهر. هذا الإجراء سيسهم في تحسين عمليات جمع الحليب وتوزيعه. كما يبرز دور القطاع الخاص في توفير صهاريج نقل مبردة لربط مناطق الإنتاج بمصانع الألبان الرئيسية في صنعاء وتعز، مما يضمن جودة المنتج وتقليل الفاقد. وفي سياق متصل، سيتم إلزام مصانع الألبان بتوسعة نقاط الاستقبال وتسريع عمليات الفحص والاستلام لضمان تدفق الحليب بكفاءة.
ولضمان استدامة الإنتاج، تركز الخطة على توفير الأعلاف والنخالة بأسعار مناسبة للمنتجين، إضافة إلى برامج توعية وإرشاد مكثفة، بما في ذلك مدارس حقلية، لتعزيز الوعي بأهمية الجوانب الصحية والتغذوية، وشروط نقل وتداول الحليب. ولتعزيز الصحة الحيوانية، سيتم تدريب عمال صحة حيوانية في المديريات وتفعيل العيادات البيطرية المنشأة، فضلاً عن توفير آلات حصاد وتقطيع وكبس الأعلاف للجمعيات، مما يسهم في خفض التكاليف التشغيلية للمنتجين.
وعلى المدى الأطول، تستهدف الخطة تحقيق أهداف استراتيجية كبرى، منها دعم الحليب المستورد بنفس قيمة الدعم المخصص للحليب المحلي لضمان التوازن في السوق، وتحسين سلالات الأبقار المحلية لزيادة الإنتاجية، وتوسعة خطوط إنتاج الحليب الطازج ومشتقاته في مصانع الحديدة. وتتوج هذه الجهود بتنفيذ استراتيجية توطين الحليب، والتي تشمل جميع الجهات الحكومية والقطاع الخاص ومجتمعه، لتعزيز الاعتماد على المنتج المحلي.
وفيما يتعلق بآلية خفض الدعم، سيتم تطبيقها على مرحلتين، تبدأ الأولى بتخفيض الدعم بمقدار 40 ريالاً لكل لتر، وتحويله إلى أعلاف مركزة. وبعد فترة تتراوح بين 2-3 أشهر، يتم إلغاء الدعم المتبقي وتحويله إلى أعلاف خشنة ومفرومة، بالتعاون مع جمعية عبس. ويأتي هذا التحول مدعوماً ببيانات ميدانية دقيقة تشير إلى أن متوسط إنتاج البقرة الواحدة يصل إلى 4 لترات يومياً، وأن الاحتياج اليومي من الأعلاف المركزة يبلغ حوالي 30 طناً، وهو ما يتطلب تخصيص جزء كبير من الدعم الحكومي لتغطية هذا الاحتياج الحيوي.
ولإنجاح هذا التحول، سيتم خصم نصف الدعم الحكومي مباشرة من المصانع وتحويله إلى حساب مؤسسة الخدمات الزراعية، التي ستتولى توزيع الأعلاف المركزة على الجمعيات، ومن ثم على منتجي الحليب. ولضمان وصول الدعم بشكل فعال، ستواكب هذه العملية حملة إرشادية واسعة النطاق، تتولى هيئة تطوير تهامة قيادتها بالتعاون مع مؤسسة يمن ثبات والاتحاد التعاوني والجمعيات، مع إمكانية تمويل البرنامج الإرشادي عبر خصم مبلغ بسيط من قيمة الأعلاف في حال عدم توفر تمويل خارجي.