جرائم حرب الاستهداف للصحفيين .. تاريخ إسرائيلي أسود !؟
قبل عدة أيام أسفرت غارة جوية إسرائيلية عن مقتل 3 صحفيين كانوا نائمين في مقر إقامة مجموعة من الصحافيين العاملين في مؤسسات محلية وعربية في حاصبيا جنوبي لبنان ..
غاليه الحمادي
وقد قدمت شبكة الميادين الإعلامية التعازي لمقتل المصور غسان نجار ومهندس البث محمد رضا اللذين كانا في جنوب لبنان لتغطية العدوان الإسرائيلي، كما قتل مصور قناة المنار وسام قاسم في الغارة الجوية نفسها ووفقا لوكالة أسوشيتد برس كانت السيارات التي تحمل كلمة "صحافة" بالإنجليزية مغطاة بالغبار والركام خارج المبنى المنهار وقد نقلت المراسلة الإيطالية لوسيا غوراتشي الأحداث في الأخبار وتم توثيق وفاة حمزة في قائمة وفيات الاتحاد الدولي للصحفيين كحادثة وفاة عرضية، فيما أدان الاتحاد الدولي للصحفيين (إي إف جاي) والاتحاد العام للصحفيين العرب ونقابة الصحفيين اللبنانيين استهداف الجيش الإسرائيلي للطواقم الصحفية في لبنان، وقتل ما لا يقل عن 5 صحفيين وإصابة آخرين منذ السابع من أكتوبرمن العام الماضي، فقد دعا الاتحاد الدولي للصحفيين السلطات إلى فتح تحقيق فوري وأكد الاتحاد الدولي أن إفلات إسرائيل من العقاب لا يمكن أن يستمر وأن المسؤولين عن مجازر الصحفيين يجب أن يحاكموا ويعاقبوا أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وفي السياق نعى رئيس نقابة الصحفيين اللبنانيين جوزيف القسيف الصحفيين الذين استشهدوا مؤخرا وعبر عن أحرّ التعازي لعائلاتهم وأصدقائهم وزملائهم، كما أدان العدوان الإسرائيلي الوحشي الذي أودى بحياة العديد من الأشخاص وأدى إلى تهجير الآلاف وتأسّف القسيف للصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي إذ أصبحوا ضحايا المجزرة المستمرة، مطالبا بمساءلة "المسؤولين عن نزيف الدم الجاري، وقال الأمين العام للاتحاد الدولي للصحفيين أنطوني بلانجر عدد الصحفيين الذين قتلوا في هذه الحرب يثير الدهشة سواء قتلوا عمدا أو كأضرار جانبية، فإنه يمثل تجاهلا صادما لحياة البشر، وبشكل خاص للمجتمع الصحفي، لا يمكن أن تستمر إسرائيل بالإفلات من العقاب، ويجب محاكمة ومعاقبة مرتكبي الجرائم ضد الصحفيين أمام المحاكم الجنائية الدولية، واعتبر الاتحاد العام للصحفيين العرب أن الجرائم الإسرائيلية ضد الشعب اللبناني مستمرة، داعيا المنظمات الإعلامية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان إلى تحمل مسؤولياتها وإدانة العدوان الإسرائيلي.
وقد ركزت صحف ومواقع عالمية الضوء على استهداف الاحتلال الإسرائيلي للصحفيين في قطاع غزة ولبنان وعلى ما اعتبرته تورط القوات الإسرائيلية في غزة، وصعوبة مهمة تفكيك فصائل المقاومة الفلسطينية فترى صحيفة "لوموند" الفرنسية أن اتهامات إسرائيل لصحفيي قناة الجزيرة بالانتماء إلى حركة المقاومة الإسلامية حماس هو خطوة جديدة من إسرائيل ضمن سياسة التعتيم الإعلامي التي تمارسها منذ بداية العدوان على غزة حيث لا يسمح بدخول الصحفيين الأجانب، وقالت الصحيفة إن إسرائيل تضع نصب عينيها ما تبقى من الصحفيين القلائل الذين ينقلون الحقائق من قطاع غزة المعزول عن العالم، فيما نشرت "فايننشال تايمز" تقريرا عن مقتل 3 صحفيين في لبنان إثر غارة إسرائيلية، وذكر التقرير أن الحادث "يمثل أحدث مؤشر على أن إسرائيل وسعت نطاق أهدافها في لبنان إلى ما هو أبعد من البنية التحتية العسكرية لحزب الله ووفقا للتقرير فقد استهدفت إسرائيل عمال الإنقاذ والمؤسسات المالية والمباني الحكومية والصحفيين، وتشن غارات جوية في كل أنحاء لبنان، رغم أنها قالت في البداية إن هدفها إبعاد حزب الله عن الحدود.
من جانب آخر سلطت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية الضوء مجددا على حادثة مقتل صحفي لبناني وإصابة ستة آخرين في هجوم إسرائيلي بجنوب لبنان قبل نحو عام ونشرت المنظمة الحقوقية على موقعها الالكتروني تقريرا نوّهت فيه عن بيان لإحدى عشرة منظمة غير حكومية منها "هيومن رايتس ووتش" يطالب بإجراء تحقيق في تلك الحادثة من قِبل لجنة مكلّفة من الأمم المتحدة وتأتي هذه الخطوات مع اقتراب الذكرى السنوية لمقتل الصحفي اللبناني عصام عبدالله 37 عاما، الذي كان يعمل "مصور فيديو" بوكالة رويترز للأنباء وقُتل في منطقة علما الشعب جنوبي لبنان في 13 أكتوبر/تشرين أول 2023م، وفقاً لعدد من التحقيقات المستقلة ولكن تحقيقات قادتها مؤسسات صحفية ومنظمات حقوقية خلصتْ إلى نتيجة واضحة هي أن إسرائيل مسؤولة عن الهجوم الذي صنّفته منظمتا العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش "جريمة حرب"، وبرغم أن نتائج التحقيقات التي خلصت إليها منظمات مختلفة لم تحقق العدالة في مقتل الصحفي عصام عبدالله حسبما تقول هيومن رايتس ووتش وفي البيان الذي نوّهت عنه هيومن رايتس ووتش مؤرّخ في 13 سبتمبر 2024، والموجّه إلى لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنيّة بالأراضي الفلسطينية المحتلة بما في ذلك القدس الشرقية طالبت المنظمات الإحدى عشر اللجنة المعنية بالإفصاح عن الوحدة العسكرية المتورطة في الهجوم على الصحفيين بإرسال طلبات رسمية للحصول على معلومات من حكومات كل من إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة (نظراً لأن مواطنا أمريكيا يُدعى ديلان كولينز كان من بين الناجين من الهجوم)، وتتهم هيومن رايتس ووتش القوات الإسرائيلية بقتل أكثر من مائة إعلامي في غزة منذ السابع من أكتوبر2023، وبحسب بيان للجنة حماية الصحفيين شهدت الأسابيع العشرة الأولى فقط من حرب غزة، مقتل صحفيين يفوق عددُهم عددَ قتلى الصحفيين في أي بلد على مدى عام كامل.
وفي أغسطس الماضي حثت نحو 60 منظمة إعلامية وحقوقية الاتحاد الأوروبي على تعليق اتفاقية التعاون مع إسرائيل وفرض عقوبات عليها، متهمة إياها بـ "قتل الصحفيين" في غزة وفي بيان لها، وصف هذه المنظمات، الفترة منذ السابع من أكتوبر 2023 بأنها الأكثر دموية للصحفيين منذ عقود، وبحسب هيومن رايتس ووتش فإن قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية كان من شأنه أن يمنح المدعي العام للمحكمة تفويضا للتحقيق في الهجمات المتعمدة على المدنيين والصحفيين بغضّ النظر عن جنسية المشتبه فيهم، وفي مايو الماضي أعلن المدعي العام للجنائية الدولية كريم خان أنه يسعى لإصدار أوامر اعتقال بشأن مسؤولين كبار من إسرائيل وحركة حماس على السواء وتنطوي مذكرات توقيف الجنائية الدولية على تبعات قوية، لعل أبرزها تقييد حركة الأشخاص الصادرة بحقهم؛ إذ ستتردد في استقبالهم الدول الموقعة على الاتفاقية الخاصة بالمحكمة (فيما يعرف قانونيا بأطراف نظام روما الأساسي) والبالغ عددها 124 دولة، ويمكن للدول الموقّعة على هذه الاتفاقية أن "تعتقل أياً من الأشخاص الذين يصدر بحقهم مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية وأن ترسله بدورها إلى المحكمة ذاتها لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وفقا للائحة المحكمة.
يشار إلى أن إسرائيل قتلت في غزة خلال الفترة الممتدة منذ 27 أكتوبر 2023م وحتى الآن أكثر من 157 صحفيا، واغتالت إسرائيل خلال عملية طوفان الأقصى عشرة صحفيين على الأقل في الأسبوع الأول فقط من المعركة، فأغلبُ الصحفيين فلسطينيين قُتلوا في أماكن متفرقة من قطاع غزّة بسببِ الغارات الجوية التي استهدفت الأبراج السكنيّة ومنازل المدنيين وغيرها، باستثناء الصحفي اللبناني عصام عبدالله الذي اغتالته قواتُ الاحتلال الإسرائيلي في علما الشعب جنوب لبنان، فقد ارتكبت إسرائيل في ساعاتِ الصباح الأولى من يوم 10 أكتوبر مجزرة في حقِّ عددٍ من الصحفيين حينما أغارت بمقاتلاتها الحربيّة على برج حجي الذي يضمُّ مكاتب عددٍ من الصحفيين الفلسطينيين المعروفين بنقلِ الأحداث من هناك بحيث يحرصون على توثيقِ الذي يجري في قطاع غزة من قصف إسرائيلي وغارات مكثفة وما يُقابلها من ردود فصائل المقاومة الفلسطينية، كما يحرصون على نقلِ الوضع الإنساني والاجتماعي من داخل القطاع وتسبَّب القصفُ الإسرائيلي في مقتلِ ما لا يقلُّ عن 3 صحفيين فلسطينيين وجرح آخرين بجروح متفاوتة الخطورة.
وتعتبر إحصائيات جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل خلال عام من الحرب امتدادا لتاريخها الأسود في قتل واستهداف الصحفيين بشكل بارز، فمنذ العام 1992م وحتى 2014م قتلت إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة (الضفة الغربية وقطاع غزة) 15 صحفيا، وفي هجومها على غزة عام 2014م قتلت 12 صحفيا أحدهم صحفي أجنبي من بين الـ2200 الذين قتلتهم في تلك الحرب، ودمرت 8 وكالات صحفية محلية، إنّ مقتل الصحفيين في قطاع غزة على يد إسرائيل هو موضوع متكرر وخاصةً في الحروب، كما أنّ سجلها في اغتيال الصحافة والمصورين وغيرهم سيء جدًا بحيث اعتَقلت واغتالَت تل أبيب العشرات من الصحفيين طوال السنين الماضية عبر صواريخ طائراتها الحربيّة وعبر رصاص جيشها وليس آخرُها الصحفية الفلسطينية في قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة التي اغتالتها قواتُ الاحتلال الإسرائيلي يوم 11 أيار/مايو 2021 في مخيم جنين بالضفة الغربية أثناء تغطيتها للاشتباكات المتكرّرة هناك بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي، فضلًا عن محاولة اغتيال الصحفي يوسف أبو حسين في نفس العام أيضًا بعدما قصفت المقاتلات الحربية الإسرائيليّة مكان عمله في إذاعة صوت الأقصى، وكان قنّاصة جيش الاحتلال قد اغتالوا بشكل متعمَّد الصحفي الفلسطيني ياسر مرتجى أثناء تغطيته لاحتجاجات يوم الأرض في 6 أبريل 2018 عدا عن عديدِ عمليات القتل الأخرى بحقِّ الإعلاميين والعاملين في مجال الصحافة بصفة عامة.
وفي سياق استمرار ارتكابها لجرائم الحرب بحق الصحفيين اغتالت إسرائيل صحفيان فلسطينيان بالرصاص أثناء قيامهما بتغطية الأحداث وذلك في أول أيام عملية طوفان الأقصى ويتعلّق الأمر بالصحفي إبراهيم محمد لافي مصوّر وكالة عين ميديا الذي كان عند حاجز إيرز الواصلِ بين قطاع غزة والأراضي المحتلة، والصحفي الثاني محمد جرغون مراسل شبكة سمارت ميديا، كما أُصيب الصحفي إبراهيم قنن أثناء عمله مع قناة الغد بشظايا قذيفة، في حين ظلَّ المصورَين نضال الوحيدي وهيثم عبدالواحد من قناة النجاح وعين ميديا مفقودان منذ 7 أكتوبر ، وفي حين قصفت طائرات الاحتلال الحربية برج حجي على شارع المؤسسات بمحافظة غزة أدى ذلك القصف إلى تدميره بالكامل وتسبّب هذا القصفُ في مقتل عدد من الصحفيين الفلسطينيين المعروفين محليًا والذين أعلنوا عن موقعهم أساسًا كما كانوا يرتدون سترة الصحافة وقتلت إسرائيل خلال هذه الغارة الجويّة الصحفي سعيد رضوان الطويل من سكان محافظة رفح جنوبا والذي كان يشغل منصب رئيس التحرير في موقع الخامسة نيوز، والصحفي محمد رزق صبح من سكان غزة ومصور شبكة خبر هشام النواجحة من سكان محافظة رفح حيث أصيب بجروح خطيرة وأدخل إلى غرفة العناية المركزة في مجمع الشفاء الطبي، وأُعلن عن مفارقتهِ الحياة فيما بعد.
وفي ساعات المساء الأولى ليوم الجمعة الموافق 13 أكتوبر 2023م اغتالت إسرائيل الصحفي اللبناني عصام عبدالله من وكالة رويترز للأنباء كما أُصِيبَ في الاستهداف الإسرائيلي 6 صحفيين آخرين، وهم ماهر نازح وثائر السوداني من وكالة رويترز، والصحافية 8 والمصور إيلي براخيا التابعين لقناة الجزيرة، والمصورة كريستينا عاصي ومصور الفيديو ديلان كولنز من وكالة الأنباء الفرنسية (فرانس برس) في بلدة علما الشعب الواقعة جنوب لبنان جراء استهدافِ قوات الاحتلال لسيارتهم المدنية، وفي ساعات العصر ليوم الأربعاء 31/07/2024م كان الصحفي إسماعيل الغول والمصور رامي ليفي اللذان يعملان لقناه الجزيرة، إضافة الى عدد من الصحفيين الآخرين يصورون تقريرا في مخيم الشاطئ بجواز منزل إسماعيل هنيه، وذلك على أثر اغتياله في ذات اليوم واستهدف القصفُ سطح منزل مجاور لمنزل إسماعيل هنية وذلك خلال وجود عدد من الصحفيين، ثم أغارت المسيّرات الإسرائيلية عبر صواريخها على كل من حاول الهروب من موقع القصف، حاول إسماعيل ورفيقه المصوّر الفرار عبر سيّارتهما لكنّ المسيّرة الإسرائيلية تعقبتهما وأغارت عليهما عمدًا وهما المعروفانِ لديها واللذان يرتديانِ ملابس الصحافة مع سيارة تميزها علامات الصحافة، تسبّبت هذه الغارة في مقتل مراسل الجزيرة إسماعيل الغول والمصور رامي الريفي في عينِ المكان.
وقد أظهرت التحقيقات الأولية التي أجرتها لجنة حماية الصحفيين أن إسرائيل قتلت حتى 25 أكتوبر الجاري ما لا يقل عن 131 صحفيا وعاملا في مجال الإعلام في غزة والضفة الغربية وإسرائيل ولبنان منذ بدء الحرب مما يجعلها الفترة الأكثر دموية للصحفيين منذ أن بدأت اللجنة بجمع البيانات في عام 1992م.
وتبقى الخلاصة إن هذه الجريمة ليست الأولى ولكن تكون الأخيرة طالما وأن إسرائيل هي المجرمة وتاريخها الأسود مليء بالجرائم وحرب الإبادة ضد الصحفيين والمدنيين وما شمال غزة وما يحدث فيها سوى خير شاهد ودليل على تلك الجرائم النكراء التي يندى لها الجبين في ظل صمت مريب للعالم المنافق الذي يكتفي بالتنديد والاستنكار وكل شيء تقوم به المنظمات الحقوقية والإنسانية من تحقيقات لمعرفة الجاني يظل حبرا على ورق دون أن ينال المجرم عقاب ارتكابه لتلك الجرائم.