بيد تؤسس وتبني، ويد تحرر وتحمي.. الثـورة مستمرة

يذكر الجميع كيف كان وضع شعبنا، وما مرت به اليمن قبل 21 سبتمبر 2014، وهو الوضع الذي نرى مشهديته تتكرر اليوم في كل شبر محتل جنوب وغرب وشرق اليمن.. نرى ونتذكر سيطرة التوحش الداعشي وعصابات الفوضى وجحيم الانفلات، والنهب والسلب والانهيار الشامل والاستباحة للحياة الكريمة والتدمير الممنهج للمؤسسات العامة وتمزيق البلاد والمجتمع.. تفاصيل :

بيد تؤسس وتبني، ويد تحرر وتحمي.. الثـورة مستمرة

حميد منصور القطواني

كان ذلك هو مشهد اليمن بأكمله "عدا صعدة الثورة" الذي شكلت حصن الأمل الأخير لليمن ورهان إنقاذ مستقبله، ونموذج ملهم لشعبنا بالحرية والكرامة أمام التفاف حلف الوصاية والعدوان السعوأمريكي على استحقاقات ثورة الشباب في فبراير 2011 وما تلاها من سنوات أربع مظلمة على اليمن في دوامة الضياع والتناحر والدمار، تم هندستها ليكون اليمن ضحية في ملف يقيد ضد مجهول.
أمام هذا الخطر تحرك شعب الثورة بقيادة السيد القائد حفظه الله وأعانه، مواصلًا ثورته لإنقاذ الوضع من الانهيار والفوضى والتمزيق، وإسقاط قوى الفساد والإرهاب والخيانة، وإسقاط الوصاية ومؤامراتها وانتزاع حق شعبنا في الاستقلال والسيادة وبناء حاضره والنهوض بمستقبله.
فأنجزت الثورة العهد والاستحقاق في الـ21 من سبتمبر الأغر الذي سجل محطة خالدة في تاريخ اليمن والمنطقة بل العالم كنصر يمني رباني مبين وهزيمة وسقوط للهيمنة التي سامت شعبنا والمنطقة سوء التأمر والهيمنة لعقود.

حجة المنتصر
بعد إنجاز استحقاق 21 سبتمبر بدأت الثورة مشروعها من موقع القادر بمبادرة العفو ودعوة القوى السياسية لفتح صفحة جديدة من الإخاء والتعايش والشراكة على قاعدة التعاون في بناء الدولة والنهوض بالوطن وخدمة شعبنا، وحماية ثوابت الاستقلال والسيادة، والتحرر من التعبية للخارج، وليتنافس الجميع على حمل مسؤوليات الحكم، وليحكم اليمن من اليمنيين من يحكم، شرط أن يبقى القرار اليمني ملكا لليمنيين، وما يحدد اتجاه بوصلته هو المشروع الوطني ومصالح الأمن القومي لليمن.
كما قدمت الثورة رسائل لدول التحالف والمجتمع الدولي تؤكد الرغبة في السلام ورعاية العلاقات والمصالح المشروعة على قاعدة الندية والاحترام المتبادل لحقوق الجوار والقوانين والعرف الدولية.
وكان من المفترض على أحزاب السلطة أن تقتنص فرصة العفو ومبادرة التصالح لتعيد تموضعها كقوى محلية، لم يكن مطلوبًا منها سوى وقف سلوكها العدواني تجاه شعبنا والتوقف عن خدمة أجندة العدو التاريخي لليمن.
كما كان من المفترض على تحالف الوصاية أن يغتنم دعوة السلام، ويتقبل حقيقة انتصار الإرادة اليمنية، وأن يتعايش مع واقع خروج شعبنا من سجن التبعية، وأن يعترف بحق اليمن في الاستقلال والسيادة كحق يمني مشروع انتزعه اليمنيون بالتضحيات الجسام.
وبدلًا من أن يفتح التحالف صفحة جديدة للسلام مع شعبنا، اتجه بكل غرور وعتو ونزعة متوحشة في الانتقام ومعه احتشدت قوى الخيانة والفساد والإرهاب لشن عدوان ظالم وغادر على شعبنا بهدف إجهاض الثورة وفرض مؤامرات تمزيق البلاد واستعباد اليمنيين ومصادرة مصير وثروات شعبنا وأجياله وتدمير حاضره ومستقبله.
لتبدأ بعدها جولة جديدة من الملاحم الأسطورية، قادت الثورة فصولها المشرقة صمودًا وانتصارات وإنجازات في مواجهة محطات مظلمة وموحشة أثخنت في شعبنا الجروح الغائرة.

فخ الحسابات
إن ظهور التحالف الأمريكي السعودي من خلف الستار الذي كان من ورائه يخوض المؤامرات والحروب ضد شعبنا وشعوب المنطقة والدخول في معركة مباشرة بوجهه القبيح، بحد ذاته كان انتحارًا من حيث المبدأ.
وكان المهندس الصهيوغربي مدركًا لهذا الخطر ولكنها سنة الحياة عندما يقرر المخرج الأعلى استدراج الإمبراطوريات المستكبرة في ذروة طغيانها وجبروتها بحسابات القوة المادية إلى فخ الفصل الأخير من الهيمنة، والدخول في كواليس الأفول لتبدأ على أطلالها دورة حياة جديدة.
لقد كانت حسابات التحالف دقيقة، رسمت له مشهد صراع محسوم لصالح طرف يمثل القوة العظمى في العالم، حشد جحافل الجيوش المحترفة، وحشر فيالق الارتزاق، والإجرام، والتوحش، والنذالة، وجيش إمبراطورية الثروات والكنوز.
وسخر منتهى قدرات الفتك والسيطرة النارية في ذروة تطورها، وفرض حصارًا خانقًا بكل كبر وطغيان وغطرسة لا نظير لها.
كل ذلك للعدوان على شعب فقير مستضعف مفكك لا دولة له، ولا اقتصاد، ولا جيش ولا قوة ولا حول له، منتهى سقف أمانيه لقمة عيش حلال، والسلامة للعرض والكرامة والأمان للنفس والأهل.
شعب يعيش واقعًا منهارًا مدمرًا يوشك على الانفجار والتدمير الذاتي، أفرط المتآمرون والأدوات في تمزيقه وسحق عظامه بالأزمات والفتن والقمع.
لقد كان تقدير التحالف بمنطق مادي صرف أن موقع شعبنا في المعادلة المادية هو قوة الصفر المعزول عن أي عون وازن، ومحصور في وضع متصحر يستحيل أن تبقى فيه أي مظهر للحياة.
كما لم يدخر التحالف الصهيوسعوأمريكي جهدًا في عدوانه على شعبنا بل سخر كل طاقاته لتركيع شعبنا وإجهاض الثورة ومن ذلك الجهد المستخدم في العدوان التضليل والإرهاب النفسي.
وفي سبيل ذلك جند له ماكينة هائلة وميزانيات ضخمة وحشد الوسائل الإعلامية الدولية الكبرى بشكل شبه كامل، وجيش جحافل الذباب الإلكتروني وأكابر خبرات التزييف والتضليل والإرهاب النفسي.
إلى مستوى أن جعلوا كل أسرة وكل فرد خط تماس مباشر في هذه الجبهة أمام الإشاعات والتضليل والأراجيف وضجيج النفاق الذي يصم الآذان.
لقد وضعت قوى الهيمنة والاستكبار كل ثقلها في خدمة تحالف العدوان، واستخدمت قوى العميلة المحلية والإقليمية كل طاقاتها ومنحت دول التحالف صك الغفران وحصانة مطلقة لارتكاب أبشع جرائم الإبادة والتدمير والفتك الشامل للحجر والبشر وكل ساكن بكل توحش وحقد ونذالة وانعدام من بقايا إنسانية أو مروءة.

بصائر
أمام ذلك كله كانت سنة الله الغالبة فالواقع هو الشاهد الملك من يصدق الدعوى أو يكذبها ومن يعطي الدروس والعبر والعظة لكل ذي قلب سليم، أو يجعل من المتخاذلين عبرة لمن يعتبر، فلا مكان لديه للمجاملة ولا مجال للزيف أن يبقى أمام الحقيقة.
وهذا ما نرى تجلياته اليوم في كل شبر محتل، مشهد للحقيقة بدد زيف الغزاة وكشف فداحة الخطيئة لكل من انخدع بهذا التضليل.
وتبين للجميع أن تمكين الشرعية عنوان معناه مطية وغطاء لتمكين الغزاة من احتلال جزرنا ومدننا ونهب ثرواتنا وشرعنة أطماعهم في بلادنا، ولم تكن أحزابها سوى تجار رقيق وحروب في بورصة الارتزاق مهمتهم حشد الأغبياء ليكونوا متارس متقدمة للغزاة، وخط دفاع أول عن قواتهم وأطماعهم ومؤامراتهم كما هو الحال في مأرب وتعز والساحل والحدود.
وتبين أن مفهوم الدفاع عن الجمهورية بالنسبة للمعتدين وأدواتهم يعني الدفاع عن الفوضى واللادولة والانفلات والانهيار الشامل والاستباحة في سجون التحالف السرية، والمليشيات المتناحرة التي فرخها المحتل لتمزيق البلاد ومنع قيام دولة.
وتبين أن الحضن العربي هو حضن التصهين وجر الشعوب من أعناقها ذليلة ومنكسرة في قطار أذيال الصهاينة والتطبيع.
هذه الحقائق بات الجميع يقر بها ويصرخ من ويلات المنقلب ويستغيث المنقذ والنجاة، وهي كانت واضحة منذ البداية وطالما حذر قائد الثورة وكل عاقل حر في اليمن من خطورة استساغة هذا التضليل والسموم، والتهاون من حمل مسؤولية مواجهة الغزاة، وخص الفئات ممن أعمت بصائرهم العصبية الحزبية، والعواطف المسممة بالكراهية، من عاقبة مهاوي الردى والخزي والندامة التي يعيشونها اليوم.
لقد علم المولى عز وجل ما في قلوب السواد الأعظم من شعبنا فربط عليها وصرف كيد عواصف التضليل الهوجاء والسموم الزعاف ووهب شعبنا نعمة القيادة وهداه إلى صوابية الموقف ومنحه بشائر النصر، وسلامة المآل عزة وكرامة وبشائر بالنصر المبين والخير العميم.
ومحق الله كيد الغزاة بخطاب واحد من القائد ومقال قلم صادق وصورة من الإعلام الحربي، وأنار المولى خلفية معنوية جبارة لمجتمع غني بإرث الحكمة والإيمان، وروى قوة النفس والاعتاد بالهوية من فيض شموخ الأصالة وفخر الانتماء لحضارة ضاربة في عمق التاريخ.
ورسم مشهدية حسم المعركة، وبات التحدي أمام الثورة هو في توجيه الفكر والثقافة والوعي والطاقات لمواكبة المسؤوليات والقضية والمشروع.

سر الصمود والانتصار
عقد شعبنا تحالفه مع صادق الوعود، وسلم أمره للقاهر فوق عباده، واختار من هويته اليمانية وليه وقائده الرباني وعلما لهدايته، وحدد مساره الجهادي التحرري.
رسخ شعبنا العظيم عقيدته من يقينه بوعد النصر الرباني وإيمانه الواعي بقضيته وموقفه المحق وإدراكه العميق بمسؤوليته في الدارين تجاه خطر وجودي وواجب الذود عن شرف حرماته وحقه في الحياة بكرامة وحرية والنهوض بمشروعه العادلة.
وجسد مصداق ذلك قوافل من التضحيات والجود بالموجود وعنفوان كطوفان متدفق من سدرة منتهى السماوات بإرادة حياة عزيزة مباركة، أيدها الباري ومنحها القدرة والغلبة ورعاها بالطمأنينة والكفاية التي جعلت كل شبر في المناطق الحرة واحة غناء، زرعها الأمن والاستقرار والسلامة والتعاون والتكاتف والشعور الدافئ بالإنسانية الممزوجة بالألطاف الربانية.
يوازيها صمود قاهر لأطماع تحالف المستكبرين، وسببية بددت كيد وطغيان المادة، سطرت ملاحم أسطورية خالدة وانتصارات دامغة بهتت المستكبرين وأخرست كل زيف وتضليل.
فكان الله هو الحاضر بقدرته وتدبيره وعنايته وعونه ورعايته إلى جانب شعبنا المجاهد العظيم أفرادًا وأسرًا ومجتمعًا، وعونًا وحافظًا ومؤيدًا لقائد الثورة ورجالها ونسائها الخلص المؤمنين الواعين بمبادئ المسؤولية وقيم الموقف والمظلومية ومشروع القضية والتضحيات.
وكان هو الله الفاعل الحاسم بالفعل البين الواضح غير المتلبس في كل الإنجازات والانتصارات، وأمام كل التحديات والعسر والشدائد والأزمات والمحن والمحطات المظلمة.

الصورة الكبيرة للنصر الكبير
لقد صنعت الثورة بالصمود والتضحيات انتصارًا أنقذ شعبنا من جحيم فوضى الذل والاستعباد والامتهان والحرمان والاستباحة للحرمات وبؤس الشقاء والمشقة والعنت والظلم المفرط، وصنعت طوق النجاة لإنقاذ البلاد من الذهاب للتشظي والتفكك والدمار والانهيار الشامل والتمزيق والضياع، وفتحت باب الفرج في قلب ظلمة اليأس الحالكة، للخلاص من هذا الواقع مزري ونير هيمنة العدو الخارجي واستبداد أحزاب الخيانة والإرهاب والفساد، وخلقت الأمل للتحرر والاستقلال والسيادة وبناء الوطن والدولة الذي يمثل حلم اليمنيين للحياة بكرامة وعزة ويشكل ضمانة لمستقبل.
وكانت ثورة 21 سبتمبر المجيدة الرقم الصعب إقليميًا ودوليًا وكانت المحطة المركزية التي صنعت التحولات الرئيسية، وغيرت مسار الأحداث لصالح شعوب المنطقة، في توقيت تزامن نصرها الأول مع إطلاق الأمريكي المرحلة التالية من استراتيجية الفوضى والإرهاب لحسم الصراع مع خصومه بما يضمن هيمنته لقرن قادم على الأقل، وبدء تدشين جبهاته الدولية القادمة "روسيا والصين وإيران ومعاقبة أوروبا ولن ينجو العالم من ذلك الشر المستطير"، وذلك بعد أن أوشكت أدواته الداعشية من استكمال مهمة تفكيك المنطقة وتدمير مراكز حصون مقاومتها.
فكانت إحدى ثمار فتح ثورة 21 سبتمبر والصمود اليمني تغيير المعادلات الإقليمية وإغراق القلب النابض للفوضى والإرهاب وتمكين شعوب أمتنا وقوى التغيير الدولية من إسقاط مشاريع الفوضى وعكس عقارب الساعة، وثقف تمددها إلى الشرق والعالم.
كما أفرز الردع اليمني وملاحم الانتصارات الأسطورية ظروفًا وتفاعلات سياسية وأمنية واقتصادية على الساحة الدولية غيرت خارطة التوازنات الكبرى وفككت هياكل المنظومات والاستراتيجية الصهيوامريكي انعكس موجة زلزال عنيفًة فقامت الأزمات والصراعات الحادة وهشمت مراكز القوة والسيطرة، وأفقدتها التوازن والمجاراة في معركة الباقى وتقرير مصير القوى و الهوية السياسية الحاكمة للغرب، وفتح بوابة التحول نحو التعددية على حساب الهيمنة الأحادية.

خلاصة
اليوم وشعبنا على عتبة محطة التحرير والحسم وإنجاز الاستحقاقات الكبرى للثورة والحلم اليمني، لا يزال رجال وأبطال القيادة الثورية والسياسية والعسكرية ورجال الدولة الخُلّص وشعبنا اليمني العظيم، وجيشه المجاهد وقبائله الوفية وقواه الحرة، يمثلون سفن الأمل والخلاص للشعب والوطن، وركائز النصر والصمود، وصمام أمان الثبات والنهوض بحلم الأجيال وتحقيق النصر المبين والكامل في معركة الدفاع المقدس عن مصير اليمن أرضًا وشعبًا وتمكين الإرادة اليمنية في تحقيق أهداف وقيم ثورة الاستقلال والسيادة والحرية والكرامة.
ومع ذلك يجب الوعي بأن الخطر في هذه المرحلة الحساسة قائم بل وأشد، وشعبنا بالله أقوى ولكن الخطر في التهاون والركون والتخاذل في وقت بات النصر والفرج على بعد بضع خطوات من متناول اليد، وأن استحقاق اليوم على شعبنا والنخب الاستمرارية والثبات والتعاون والتكامل بعزم في هذا الدرب للنهوض بالمسؤولية بزخم أكبر في تعبئة استراتيجيات التحرير والبناء وانجاز الغاية الكبرى للحق والحلم اليمني۔
فلحظة انتصار الثورة وإنجاز حق التحرر والتحرير المنتظر طيلة 12 عام سطرها شعبنا الثائر بالعرق والدماء والصبر الجميل على الابتلاء ليست مجرد حدث عسكري أو سياسي، بل هي استحقاق حق وجدارة يمنية في لحظة تاريخية حضارية تعيد تعريف المنطقة ومستقبل العالم وتفتح الباب أمام نظام إقليمي ودولي جديد، يقوم على العدل والكرامة والسيادة، لا على الهيمنة والاستغلال والتبعية.


طباعة