فشل التحركات السعودية المكثفة خلال الأيام الأخيرة يكشف حجم المأزق الذي وصلت إليه الرياض
لماذا أحجم حلفاء النظام السعودي عن مساندته في حربه العدوانية الأخيرة على اليمن ؟!
كشفت التحركات السعودية المكثفة خلال الأيام الأخيرة حجم المأزق الذي وصلت إليه الرياض مع اتساع المواجهة مع صنعاء وانتقال الضغط العسكري إلى منشآت الطاقة والممرات البحرية وبعد أن قادت المملكة قبل أكثر من عقد تحالفًا عسكريًا واسعًا للحرب في اليمن،
تجد نفسها اليوم أمام وضع مختلف تمامًا: اتصالات عاجلة بواشنطن، تفعيل سياسي للعلاقات الدفاعية مع باكستان وتركيا، وطلب مساندة من بريطانيا، بينما بقيت الحرب الفعلية خارج الحسابات المعلنة لهذه العواصم.. تفاصيل :
اليمن | تـقـرير
أكثر الصور وضوحاً جاءت من واشنطن ففي حين طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال اتصال بالرئيس الأميركي دونالد ترامب مرتين، وفق «أكسيوس»، تنفيذ ضربات أميركية ضد من سماهم الحوثيين بعد تقدمهم على الساحل الغربي ووصولهم إلى مناطق استراتيجية عند باب المندب رفض ترامب طلب بن سلمان في مرتين.
ورغم استقبال محمد بن سلمان قائد القيادة المركزية الأميركية الأميرال براد كوبر في جدة، حافظت واشنطن على سقف محدد لدعمها المقتصر على : معلومات استخباراتية، مساعدة في تحديد الأهداف ومستشارون عسكريون يعملون داخل السعودية فيما بقيت القوة الجوية الأميركية خارج الحملة التي أرادت الرياض دفعها إلى مستوى مختلف.
هذه الوقائع والتطورات وحدها تختصر حجم التحول الذي أصاب العلاقة الأمنية بين الرياض وواشنطن. فالسعودية احتاجت تدخل القوة الأميركية في اللحظة التي أصبحت فيها جبهة البحر الأحمر تحت سيطرة قوات صنعاء والبيت الأبيض قرر تحميل المملكة عبء المواجهة المباشرة.
إدارة الخطر أولوية أميركية
مسؤولون أميركيون تحدثوا عن رغبة واضحة في تجنب عملية عسكرية جديدة ضد صنعاء، بينما تركز واشنطن مواردها على الحرب الأوسع مع إيران وعلى تأمين خطوط الملاحة والمصالح الأميركية.
وهكذا أصبحت الأولوية الأميركية إدارة الخطر، بعيدًا عن خوض حرب بالنيابة عن الرياض لأن وراء هذا الموقف ذاكرة عسكرية ثقيلة :حملة ترامب الجوية ضد صنعاء عام 2025 استمرت سبعة أسابيع، وتجاوزت كلفتها مليار دولار بحسب مسؤولين أميركيين، وخسرت الولايات المتحدة سبع طائرات MQ-9، إلى جانب حوادث وخسائر طالت مقاتلات F/A-18 خلال العمليات المكثفة في البحر الأحمر.
وانتهت تلك الجولة باتفاق توسطت فيه عُمان في مايو 2025 أوقفت بموجبه واشنطن الضربات مقابل وقف استهداف السفن الأميركية. التجربة أثبتت للبنتاغون أن حملة جوية كثيفة تستطيع استنزاف قدرات الحوثيين من دون ضمان إنهاء قدرتهم على القتال أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.
لهذا تبدو مطالبة الرياض بإعادة القوات الأميركية إلى المعركة وكأنها دعوة للعودة إلى جبهة سبق لواشنطن أن دفعت فيها ثمنًا ماليًا وعسكريًا كبيرًا ثم خرجت منها بتسوية.
ومع امتداد الحرب الأميركية ـ الإيرانية منذ أشهر، أصبحت لدى القيادة الأميركية أسباب إضافية لحماية حاملات الطائرات والذخائر ومنظومات الدفاع الجوي والقدرات اللوجستية من الاستنزاف في جبهة يمنية مفتوحة.
وهكذا أصبح الحساب الأميركي شديد الوضوح: السعودية تحصل على الاستخبارات والتقنيات والمستشارين، بينما تظل مسؤولية شن الحرب على عاتقها.
المفارقة الأكثر إحراجًا للرياض
المفارقة الأكثر إحراجًا للرياض ظهرت في «اتفاق مكة» الدفاعي الذي جمعها مع باكستان وتركيا. وفي حين ولد الاتفاق بصيغة دفاع جماعي تنص على التعامل مع الهجوم على إحدى الدول الثلاث باعتباره هجومًا على الجميع، وجرى تقديمه باعتباره نواة لترتيب أمني جديد يقلص الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية .. لم يترجم ذلك الاتفاق وعند أول اختبار جدي جاء سريعًا، كانت النتيجة شديدة التحفظ.
وفي السياق أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية في 10 سبتمبر أن الرد العسكري بموجب الاتفاق غير مطروح للنقاش في الوقت الراهن.
وجاء التصريح الباكستاني بينما كانت السعودية تتعرض لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة وكانت الأزمة عند باب المندب تتصاعد. إسلام آباد أدانت الهجمات وأكدت التزامها بالاتفاق، ثم أبقت قواتها خارج الحرب. كما أعلنت أن توسيع تحالف مكة غير مطروح حاليًا.
إجماع داخلي باكستاني غائب
وفي هذا الإطار أشار تحليل نشرته الجزيرة حول اتفاق مكة إلى صعوبة بناء إجماع داخلي باكستاني على ضرب اليمن ورجح أن يتركز الدور الباكستاني على الدفاع عن الأراضي السعودية والدعم التقني والضغط الدبلوماسي وتأمين الملاحة.
المشكلة بالنسبة للرياض تكمن في طبيعة الحرب التي تحتاجها. منظومات دفاع جوي إضافية أو قوات لحماية الأراضي السعودية تستطيع تخفيف آثار الهجمات، بينما استعادة الساحل اليمني وإبعاد صنعاء عن باب المندب تحتاج عمليات جوية وبحرية وبرية طويلة.. إسلام آباد تبدو حريصة على إبقاء الخط الفاصل واضحًا بين الدفاع عن السعودية والدخول في اليمن. هذا الخط يحرم الرياض من إحدى أهم القوى العسكرية التي راهنت عليها عند تأسيس الاتفاق.
موقف تركي بدرجة أكبر من الغموض
تركيا اتخذت موقعًا مشابهًا بدرجة أكبر من الغموض. أنقرة حافظت على اتفاق مكة وعلى التنسيق السياسي والدفاعي، وأوضح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن آلية الاتفاق تقوم على أن تطلب الدولة المتضررة نوع المساعدة الذي تحتاجه، على نمط الترتيبات المعمول بها داخل حلف شمال الأطلسي. حتى الآن لم يظهر إعلان تركي بإرسال قوات للقتال في اليمن أو المشاركة في حملة هجومية ضد صنعاء.
الحساب التركي يتجاوز نصوص الاتفاق. أنقرة تعمل منذ سنوات على توسيع علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول الخليج بالتالي دخول الجيش التركي في حرب يمنية سيضع تركيا مباشرة ويعرض ملاحتها البحرية للخطر ويضيف جبهة بعيدة جغرافيًا إلى التزاماتها العسكرية الممتدة من سوريا والعراق إلى شرق المتوسط.
كما أن المكسب التركي من هذه المغامرة محدود، وكلفتها مفتوحة. لذلك تبدو أنقرة أكثر استعدادًا لتقديم تكنولوجيا وتسليح وتعاون دفاعي ومساندة سياسية من استعدادها لإرسال طائراتها وجنودها لخوض حرب سعودية في اليمن.
موقف بريطاني مشابه للموقف التركي
وفي لندن، يظهر النمط نفسه. وفق تقرير بلومبرغ الذي أورد طلب الرياض دعمًا دبلوماسيًا وعسكريًا بريطانيًا لحماية باب المندب والمنشآت النفطية، اتجهت حكومة آندي بورنهام نحو إرسال مستشارين عسكريين. الفارق بين المستشار والطيار المقاتل أو القوة البحرية المشاركة في الضربات يحدد سقف الالتزام البريطاني حتى الآن.
بريطانيا لديها مصلحة مباشرة في بقاء البحر الأحمر مفتوحًا وفي استقرار إمدادات الطاقة، وقد سبق لبورنهام أن أكد دعم أمن السعودية وحرية الملاحة، إلا أن لندن تدير بدورها أزمة مالية وضغوطًا متزايدة على ميزانية الدفاع في وقت تقترب فيه موازنة 28 أكتوبر وتضغط أسعار النفط المرتفعة على التضخم والاقتصاد البريطاني.
هذه الحسابات تفسر طبيعة الموقف البريطاني. حماية الملاحة، إرسال مستشارين، تبادل المعلومات، دعم الدفاعات السعودية والمشاركة في ترتيبات بحرية محدودة تظل خيارات أقل كلفة.
لأن حملة عسكرية مفتوحة على اليمن تعني تعرض السفن والقواعد والقوات البريطانية للصواريخ والمسيّرات، وتعيد لندن إلى معركة سبق أن شاركت فيها إلى جانب واشنطن من دون اي تحييد لقدرات صنعاء.
صعوبة إقناع سعودي للحلفاء
وتزداد صعوبة إقناع هذه الدول بالحرب كلما اتسعت القدرات التي أثبتتها صنعاء على الأرض وفي البحر. خلال أيام تم تحرير المخا وتقدمت قوات صنعاء إلى ميون وحنيش ومواقع حيوية على الساحل، في وقت شنت فيه هجمات على العمق السعودي حيث تعرضت منشآت سعودية لهجمات وخرج خط أنابيب شرق ـ غرب عن الخدمة بعد ضربة بطائرات مسيرة، مع تقديرات بإمكانية استمرار أعمال الإصلاح لأسابيع. هذا الخط كان يمثل أحد أهم المخارج السعودية لتجاوز أزمة مضيق هرمز؛ اضطرابه بالتزامن مع تصاعد الخطر عند باب المندب وضع الرياض بين نقطتي اختناق استراتيجيتين في وقت واحد بالاضافة الى ضرب عدة منشأت اخرى في جنوب السعودية
بالتالي كلما أصبحت الحرب أكثر إلحاحًا بالنسبة للسعودية، أصبحت أكثر خطورة بالنسبة للدول التي تطلب منها المشاركة. واشنطن ترى جبهة إضافية تستنزف قواتها أثناء حرب أكبر مع إيران. باكستان ترى احتمالات اضطراب داخلي تركيا ترى مواجهة بعيدة يمكن أن تضرب توازن علاقاتها الإقليمية وتهدد ملاحتها البحرية وبريطانيا ترى مغامرة عسكرية جديدة في ظل ضغوط دفاعية ومالية وارتفاع أسعار الطاقة.
المصالح السعودية العاجلة اصطدمت هنا بحسابات وطنية مختلفة تمامًا لدى الحلفاء والأزمة كشفت أيضًا تآكل النموذج الذي دخلت به السعودية حرب اليمن عام 2015. في ذلك الوقت استطاعت الرياض جمع دول عديدة تحت قيادة واحدة، وحصلت على مشاركة جوية وعسكرية وسياسية واسعة. بعد أكثر من أحد عشر عامًا من الحرب تبدلت شهية العواصم للمشاركة. التجربة اليمنية الطويلة، صعوبة حسم المعركة من الجو، تطور ترسانة صنعاء، وتجربة السفن الغربية في البحر الأحمر جعلت تكلفة الدخول معروفة مسبقًا.
حراك سعودي ومفارقة ثقيلة
لهذا يحمل الحراك السعودي الحالي مفارقة ثقيلة: المملكة تمتلك علاقات دفاعية هائلة وصفقات تسليح واتفاقات أمنية مع أكبر القوى العسكرية، ومع ذلك عجزت حتى الآن عن تحويل هذه الشبكة إلى تحالف مستعد للقتال معها ضد صنعاء. الولايات المتحدة أعطتها المستشارين ورفضت الضربات التي طلبها ولي العهد. باكستان أبقت «اتفاق مكة» داخل الإطار الدفاعي. تركيا حافظت على مسافة من الحرب. بريطانيا اتجهت إلى دور استشاري ودفاعي محسوب.
النتيجة تتجاوز إخفاق محاولة دبلوماسية عابرة. الرياض تواجه خصمًا أصبح قادرًا على الضغط على حدودها ومنشآتها النفطية ومسار صادراتها عبر البحر الأحمر، بينما يتعامل أقرب شركائها مع الحرب باعتبارها عبئًا ينبغي احتواؤه ومنع انتقاله إليهم.
وكل عاصمة تضع سقفًا لمشاركتها قبل الوصول إلى النقطة التي تحتاجها السعودية تحديدًا: قوة خارجية مستعدة للدخول إلى اليمن وتحمل كلفة مواجهة طويلة مع صنعاء.
حجم الفشل السعودي
وهنا يظهر حجم الفشل السعودي بصورة أكثر وضوحًا والأزمة الحالية اختبرت قيمة التحالفات عند لحظة الحاجة العسكرية المباشرة، وأظهرت أن كثرة الاتفاقات والقواعد وصفقات السلاح لا تنتج تلقائيًا شركاء مستعدين للحرب. الرياض نجحت في حشد الإدانات والمستشارين والمعلومات الاستخباراتية، ثم توقفت دائرة الدعم عند حدود الميدان. ومع كل تقدم جديد لصنعاء على الساحل وكل ضربة تصل إلى منشأة سعودية، تصبح تلك الحدود أكثر وضوحًا، وتصبح السعودية أقرب إلى مواجهة حرب حاولت طوال الأيام الماضية توزيع كلفتها على الحلفاء، فاختار الحلفاء إبقاء الكلفة في الرياض.