من هرمز إلى باب المندب.. كيف تحولت الجغرافيا إلى سلاح ردع استراتيجي للعدو؟!

في ظل العدوان الأمريكي وحلفائه على المنطقة، لم تعد الجغرافيا البحرية مجرد خرائط على الورق، بل تحولت إلى مصدر قوة سياسية وأداة ضغط حاسمة في مسار المواجهة، وهنا برزت إيران واليمن كطرفين استثمرا موقعهما الاستراتيجي بذكاء،

من هرمز إلى باب المندب.. كيف تحولت الجغرافيا إلى سلاح ردع استراتيجي للعدو؟!

فوضعا واشنطن والرياض أمام معادلة جديدة لم يعودا يتلقيا الضربات فقط، بل صارا قادرين على نقل الكلفة إلى من أشعل الحرب.. تفاصيل في السياق التالي:

غالية حمود الحمادي

مضيق هرمز هو بوابة الخليج وأهم ممر لخروج نفط وغاز المنطقة إلى العالم، حيث يمر عبره ما يقارب خُمس شحنات النفط الخام والغاز المسال عالمياً، ومعظمها متجه إلى الأسواق الآسيوية الحليفة لأمريكا، أما مضيق باب المندب فهو المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، والشريان الذي تمر عبره صادرات النفط السعودية إلى آسيا، وعندما يتعرض الممران للضغط في وقت واحد، تتجاوز التداعيات إيران واليمن والخليج والبحر الأحمر، وتصل إلى أسواق الطاقة والشحن والتأمين، وإلى اقتصادات الدول المعتمدة على نفط المنطقة.

رهان العدو الخاسر
راهنت واشنطن على أن الحصار والعقوبات والقوة العسكرية ستجبر إيران على الركوع ولكن المواجهة انتقلت إلى مستوى غير متوقع، فطهران لم تعد تتعامل مع هرمز كمجرد ممر مائي، بل أصبح جزءاً من منظومة الردع وأي اضطراب في التدفقات يعني كلفة مباشرة على اقتصادات الحلفاء وهكذا نجحت إيران في نقل جانب من كلفة العدوان إلى العمق الأمريكي والدولي، وجعلت "أمن الطاقة" ورقة في الصراع.
أما بالنسبة لليمن فلم يستهدف الملاحة العالمية، بل استهدف الملاحة المرتبطة بالمصالح السعودية وعلى رأسها ناقلات النفط المتجهة عبر البحر الأحمر والسعودية ليست دولة نفطية عادية، بل من كبار مصدري النفط في العالم، فتعطيل وصول نفطها عبر باب المندب لا يعني إغلاق البحر، بل يعني أن شرياناً رئيسياً من شرايين التصدير السعودي أصبح تحت الضغط وتصبح النتيجة زيادة المسافة والزمن والتكلفة، وارتفاع المخاطر على الناقلات وشركات التأمين، واضطراب في الكميات المتاحة بالسوق، وهذا ما أكدته وكالة "رويترز" بأن حركة الملاحة العالمية في باب المندب ارتفعت، باستثناء شحنات النفط السعودية التي لم تستأنف العبور منذ إعلان القوات المسلحة اليمنية الحصار البحري على ملاحة الرياض في 20 يوليو 2026م، وفقاً لمعادلة الحصار بالحصار.

من هرمز إلى باب المندب
من هرمز إلى باب المندب تشكلت معادلة جديدة، فكلما صعدت واشنطن عدوانها على إيران ارتفعت قيمة هرمز كورقة ردع، وكلما واصلت السعودية حصارها على اليمن ارتفعت قيمة باب المندب كورقة ضغط لإجبار الرياض على وقف الحرب ورفع الحصار والأهم أن الورقتين متكاملتان، فضغط إيران في هرمز يضرب أحد أهم منابع الطاقة العالمية، وضغط اليمن في باب المندب يضرب مساراً حيوياً للنفط السعودي، وفي الحالتين تدفع الأسواق الدولية وأسواق الحلفاء ثمن الحماقة الأمريكية والإصرار السعودي على استمرار الحرب والحصار.
لطالما بنت واشنطن سياستها على افتراض أن التفوق العسكري والاقتصادي يمنحها حق تحديد شروط التسوية ولكن ما حدث أثبت العكس، فأدواتها التقليدية المتمثلة بالحصار والعقوبات والقصف باتت تواجه أدوات مقابلة تنقل الكلفة إلى المجال الذي تدعي حمايته الطاقة والملاحة والتجارة، وكلما طالت المواجهة، ازدادت أهمية عناصر لا تحسمها حاملات الطائرات، كأسعار النفط، وأمن السفن، وتكاليف التأمين، وسلاسل الإمداد، ومواقف الشركات.

معادلة أمن الطاقة
وهنا وقعت واشنطن في مأزقها حين أرادت فرض معادلة سياسية جديدة على إيران، فأنتجت معادلة جعلت أمن الطاقة جزءاً من الصراع، وكما أرادت السعودية أن تحصر حربها على اليمن داخلياً، فإذا بموقع اليمن البحري يصبح جزءاً من قدرته على الرد، والنتيجة الأبرز هنا انتقال إيران واليمن من موقع المتلقي للضغوط إلى موقع فرض الكلفة، حيث تكشف الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد إيران عن أبعاد إنسانية واقتصادية عميقة داخل المجتمع الأمريكي، فالانتشار العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط تجاوز 50 ألف جندي، حيث قُتل 18 عسكرياً وأصيب أكثر من 750 آخرين، وبقيت حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" أكثر من 200 يوم في البحر دون توقف، وهو رقم غير مسبوق، وسط تقارير عن محاولات انتحار وتراجع الروح المعنوية بين طاقمها، كما نقلت وكالة "رويترز" أن أكثر من 81% من العائلات العسكرية تعيش مستويات مرتفعة من التوتر، فيما تضطر منظمات غير ربحية إلى التدخل لتأمين الغذاء والدعم النفسي للعائلات، فالحرب التي أرادت واشنطن فرضها على إيران ارتدت لتتحول إلى عبء داخلي يهدد استقرار الأسر ويكشف هشاشة المؤسسة العسكرية الأمريكية.

واشنطن تغرق في أزمات متتابعة
بعد ستة أشهر من العدوان تجد واشنطن نفسها غارقة في أزمات متتابعة، فطهران لم تكن "لقمة سائغة"، بل تحولت الجغرافيا الإيرانية إلى ثقب أسود يبتلع الميزانيات والذخائر والأساطيل، ويبتلع ما تبقى من "سطوة الردع" الأمريكية، وحتى المنظمة البحرية الدولية دحضت الادعاءات الأمريكية، فمضيق هرمز ليس مفتوحاً، وواشنطن لا تملك القدرة على فرض عبور الشحنات، ونحو 6 آلاف بحار على متن 400 سفينة ما زالوا عالقين، وانخفضت حركة الملاحة من 130 سفينة يومياً إلى 15 سفينة فقط في أغسطس.
أما ميدانياً فقد أسقطت 45 طائرة مسيرة من طراز "إم كيو-9 ريبر"، وتم نقل مقر الأسطول الخامس من المنامة إلى فلوريدا، والأخطر أن الاستهلاك الهائل للذخائر أثار ذعراً في تايوان واليابان، مع تحذيرات بتأخر شحنات "باتريوت" و"توماهوك" لأن المخزونات الأمريكية استُنزفت، وفي الكونغرس وصف تشاك شومر تصريحات الإدارة بالأكاذيب الصارخة، مؤكداً أن ترامب أشعل حرباً تسببت في زعزعة الاستقرار العالمي وارتفاع صاروخي في أسعار الوقود.

الجغرافيا تغير ميزان القوى
القوة لم تعد محصورة في الطائرات والصواريخ والقواعد في وقت أصبحت الجغرافيا نفسها جزءاً من ميزان القوى، فإيران تستخدم هرمز كورقة ردع تؤثر في الحسابات الأمريكية والدولية، واليمن يستخدم باب المندب كورقة ضغط على السعودية لإنهاء العدوان ورفع الحصار، وما دامت واشنطن مستمرة في عدوانها، وما دامت الرياض تواصل حصارها، فإن هرمز وباب المندب سيبقيان جزءاً ثابتاً من معادلة الردع، فعندما أرادت أمريكا أن تدور المنطقة حول قوتها، أعادت المواجهة الاعتبار لقوة الجغرافيا ومن قرر إشعال الحرب، صار يحرق بنارها ويدفع كلفتها هو وحلفاؤه وأسواقه.


طباعة