‏أوكرانيا تستنزف آلة الحرب الروسية من بوابة النفط

وسّعت أوكرانيا نطاق عملياتها الجوية داخل الأراضي الروسية، في هجوم بالمسيّرات وُصف بأنه الأكبر من نوعه منذ نحو عامين، ووصل إلى مناطق تبعد مئات الكيلومترات عن الحدود.

‏أوكرانيا تستنزف آلة الحرب الروسية من بوابة النفط

ورغم إعلان موسكو اعتراض معظم الطائرات المهاجمة، فإن بعضها نجح في بلوغ منشآت نفطية ولوجستية وإشعال حرائق كبيرة فيها، ما أعاد طرح أسئلة بشأن قدرة الدفاعات الروسية على حماية هذا العدد الكبير من المواقع في وقت واحد.
وبحسب البيانات الروسية، تجاوز عدد المسيّرات المستخدمة في الهجوم 370 طائرة. وقد توزعت مساراتها على مناطق عدة، الأمر الذي اضطر الدفاعات الجوية إلى العمل فوق رقعة واسعة، بدلا من مواجهة هجوم مركز على هدف واحد.
وفي حين ركزت موسكو على عدد الطائرات التي أُسقطت، بدت كييف مهتمة بنتيجة أخرى: إثبات أن العمق الروسي لم يعد بعيدا عن الحرب.
وأصابت الضربات مستودعا للوقود، كما طالت منشآت أخرى مرتبطة بالإمداد والتخزين. وتقع بعض المناطق المستهدفة على مسافات تتراوح بين نحو 400 و700 كيلومتر من الحدود الأوكرانية، وهو مدى يكشف التطور الذي طرأ على قدرات المسيّرات الأوكرانية، سواء من حيث التحليق الطويل أو تجاوز طبقات الدفاع الجوي.
ولا تبدو هذه الهجمات عمليات متفرقة. فمنذ مطلع العام، كثفت أوكرانيا استهداف المصافي والخزانات ومحطات الضخ داخل روسيا، في محاولة لضرب أكثر حلقات قطاع الطاقة حساسية.
فروسيا قد تمتلك احتياطيات ضخمة من النفط، لكن الخام وحده لا يكفي لتشغيل المركبات والطائرات والآليات العسكرية؛ إذ لا بد من تكريره وتحويله إلى بنزين وديزل ووقود للطائرات.
وتشير تقارير إلى أن 16 مصفاة روسية تعرضت لأضرار متفاوتة بين يناير/كانون الثاني ومايو/أيار 2026، ما أدى إلى توقف بعض الوحدات أو خفض إنتاجها.
كما تتحدث تقديرات عن تأثر نسبة كبيرة من القدرة التكريرية، وصلت في بعض الحسابات إلى نحو 40%. ولا يعني ذلك أن روسيا فقدت هذه النسبة بصورة دائمة، إذ تشمل الأرقام منشآت متوقفة جزئيا أو خاضعة للإصلاح، لكنها تكشف مقدار الضغط الذي بات يواجهه القطاع.
وتزداد صعوبة الإصلاح بسبب طبيعة المعدات المستخدمة في المصافي. فكثير من الوحدات المتضررة يحتاج إلى قطع غيار وتقنيات متخصصة، بينما تحد العقوبات الغربية من وصول موسكو إلى بعض المكونات والخدمات. وقد تتمكن الشركات الروسية من إيجاد بدائل محلية أو آسيوية، لكن ذلك لا يحدث دائما بالسرعة التي تتطلبها السوق، خصوصا مع تكرار الهجمات
وفي مؤشر على اتساع أثر الضربات، أفادت رويترز بأن موسكو بحثت مع شركات ومصاف هندية إمكان الحصول على إمدادات من البنزين المكرر لتغطية النقص في السوق. وتحمل هذه الخطوة دلالة لافتة، إذ اعتادت الهند استيراد الخام الروسي المخفض وتكريره محليا، بينما أصبحت روسيا مضطرة إلى شراء جزء من المنتجات الناتجة عنه بسعر أعلى.
من هنا تراهن كييف على الاستنزاف أكثر من رهانها على تدمير قطاع الطاقة الروسي دفعة واحدة. فكل مصفاة تتوقف تحتاج إلى فرق فنية وقطع غيار ووقت، وكل مستودع يُستهدف يفرض ترتيبات جديدة للنقل والتخزين، وكل منظومة دفاع جوي تُرسل لحماية منشأة نفطية قد تُسحب من جبهة أو مدينة أخرى.
كما أن الضغط لا يقتصر على الجيش الروسي. فإذا تراجع إنتاج البنزين والديزل، تظهر آثاره في الأسعار والتوزيع والنقل المدني والزراعة والصناعة. وقد تضطر الحكومة إلى تقليص الصادرات أو زيادة الواردات أو تقديم دعم إضافي للسوق، وهي خيارات ترفع الكلفة الاقتصادية للحرب حتى إن لم تؤد إلى أزمة وقود شاملة.
مع ذلك، ما تزال روسيا تملك شبكة واسعة من المصافي وقدرة كبيرة على إنتاج النفط وتمويل الإصلاحات، ولذلك سيكون من المبالغة القول إن الهجمات تهدد وجود الدولة أو تعطل اقتصادها بالكامل. لكن ما حققته أوكرانيا حتى الآن يتجاوز الأضرار المادية المباشرة؛ فقد أجبرت موسكو على التعامل مع منشآتها الخلفية بوصفها أهدافا محتملة، لا مناطق آمنة بعيدة عن القتال.
وبهذا المعنى، يمثل الهجوم الأخير امتدادًا لاستراتيجية أوكرانية تسعى إلى تعديل ميزان الحرب من دون انتظار تحول كبير على خطوط الجبهة. فكييف تحاول الوصول إلى المواقع التي تمنح روسيا القدرة على القتال لفترة طويلة، وإجبارها على إنفاق مزيد من الموارد لحماية البنية التي تغذي عملياتها العسكرية وتدعم اقتصادها. وكلما استمرت الضربات وتكررت، أصبح أثرها التراكمي أكثر أهمية من حجم الضرر الذي يسببه هجوم واحد.


طباعة