بين إيران واليمن: هل فقدت الولايات المتحدة قدرتها الفعلية على السيطرة البحرية؟
في ظل التصاعد المطرد لنبرة التهديدات الأمريكية تجاه طهران، يبرز تساؤل جوهري يتجاوز حدود الجدل السياسي ليصطدم بوقائع الجغرافيا وقوانين الميدان: هل تملك واشنطن حقاً القدرة على فرض حصار بحري شامل على إيران؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي قراءة هادئة لموازين القوى بعيداً عن الاستعراض الخطابي، فإذا كانت الولايات المتحدة، بكل ثقلها العسكري، قد عجزت عن إحكام قبضتها على السواحل اليمنية التي لا تتجاوز 1800 كيلومتر، فكيف لها أن تنجح في محاصرة دولة تمتلك شريطاً ساحلياً يمتد لـ 2800 كيلومتر؟
إن هذه المساحة الشاسعة لا تمثل مجرد أرقام، بل هي معضلة لوجستية كبرى تتوزع بين بحار وخلجان متعددة، ناهيك عن الامتداد الاستراتيجي لإيران على بحر قزوين، الذي يمنحها شريان حياة مباشراً مع روسيا، مما يجعل فكرة الحصار الكلي "خيالاً عسكرياً" حتى وإن اجتمعت أساطيل العالم لتحقيقه.
وعند تشريح العقلية التي تدير هذا التصعيد، يبدو أننا أمام فجوة سحيقة بين الواقع الاستراتيجي وبين لغة الاستعراض التي ينتهجها دونالد ترامب؛ هذا الرجل الذي أثبتت وقائع المواجهات الأخيرة أنه يعيش في عزلة عن المعطيات الميدانية، محاطاً بفريق يتبنى سياسة "الثراء الكلامي" والوعود التي لا تجد طريقاً للتنفيذ.
إن فرضية الحصار تفترض استسلام الطرف الآخر، وهو افتراض يسقط أمام العقيدة العسكرية الإيرانية التي لن تكتفي بالمراقبة، بل ستنتقل حتماً إلى "المقاومة الفعالة".
وفي حال اندلاع مواجهة حقيقية لكسر هذا الحصار، فإن الموازين ستنقلب لتطال المصالح الأمريكية مباشرة، حيث ستصبح طرق التجارة الحيوية في بحر العرب والمحيط الهندي في مرمى النيران، وسيقابل الحصار المزعوم بتهديد فعلي لطريق التجارة الرئيسي الذي يعتمد عليه الاقتصاد الأمريكي في قارة آسيا.
إننا نقف اليوم أمام توقيت حرج، إذ تشير المعطيات إلى أن طهران قد اختارت سياسة "النفس الطويل" بانتظار نهاية الهدنة المرتقبة بعد عشرة أيام، لتنتقل من مرحلة التحذير إلى مرحلة الفعل الرسمي. ومن المتوقع أن يشهد هذا المنعطف إعلاناً إيرانياً صريحاً بقطع طرق التجارة الحيوية واستهداف القطع البحرية الأمريكية المتورطة في هذا التصعيد.
إن الرهان على خنق إيران بحرياً يبدو مقامرة غير محسوبة النتائج، فالتاريخ والجغرافيا يخبراننا أن القوة العسكرية مهما بلغت عظمتها، تظل عاجزة أمام عدو يمتلك عمقاً استراتيجياً وقدرة على نقل المعركة من سواحله إلى عصب التجارة العالمية، مما يجعل "فن التفاوض" المزعوم مجرد ضجيج يسبق عاصفة قد لا تستطيع واشنطن احتواء آثارها.