حروب التمزيق والإضعاف.. قراءة في تفاصيل الاستراتيجية (الأمريكية - الإسرائيلية) للهيمنة على العالم
عندما ننظر إلى ما يحدث في منطقتنا العربية والعالم، قد نظن أننا أمام أزمات متفرقة: (حرب في اليمن، وأخرى في سوريا، وثالثة في السودان، ورابعة في أوكرانيا، وخامسة على إيران). لكن إذا تعمقنا قليلاً، سنكتشف أن هذه الحروب ليست منفصلة، بل هي حلقات في سلسلة واحدة، تتبع نمطاً استراتيجياً واضحاً: نمط "التمزيق والإضعاف"..
هذا التقرير هو محاولة لقراءة هذا النمط، وفهم كيف تعمل القوى الكبرى (وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل) على تفكيك الدول التي تعتبرها منافسة أو معرقلة لمشروعها الهيمني، وكيف تحولت المنطقة العربية من ساحة صراع محلي إلى مسرح لحرب عالمية بالوكالة.
د/ نجوى حسين الخزان *
أولاً: نمط "الفوضى المنظمة"
– استراتيجية قديمة تتجدد
ما نمارسه اليوم من قراءة لهذا النمط لا يعني أنه وليد اللحظة، هذه الاستراتيجية قديمة وجذورها تمتد لعقود، رؤساء أمريكيون سابقون – من جورج بوش الأب إلى بوش الابن، ومن بيل كلينتون إلى باراك أوباما – مارسوا نسخاً مختلفة منها. ما يميز المرحلة الحالية هو فقط جرأة التنفيذ ووقاحة الأدوات التي تنفذ هذه الاستراتيجية القائمة على ما يلي :-
-تفكيك الدولة المركزية: عبر الغزو المباشر (كما حدث في العراق 2003)، أو عبر دعم الجماعات المسلحة لإطالة أمد الحروب الأهلية (كما حدث في سوريا وليبيا واليمن)، أو عبر فرض عقوبات خانقة تؤدي إلى انهيار الاقتصاد والمؤسسات (كما حدث في السودان).
-تحويل الصراعات الداخلية إلى حروب بالوكالة: عندما تنهار الدولة، تتدخل القوى الإقليمية والدولية لدعم أطراف النزاع حيث تتدخل قوى إقليمية متعددة لدعم أطراف مختلفة، مما يحول الصراعات الداخلية إلى حروب طويلة الأمد لا تنتهي.
-استغلال الانقسامات المذهبية والعرقية: تحت شعار "حماية الأقليات" أو "حقوق المكونات"، يتم تعميق الانقسامات الداخلية. العراق قسم على أسس طائفية (شيعة، سنة، كرد)، سوريا على أسس طائفية وعرقية (علويون، سنة، كرد)، السودان انقسم إلى دولتين (شمال وجنوب)، واليمن شهد انقسامات جهوية عميقة.
-إطالة أمد الحرب لاستنزاف الموارد: الهدف ليس تحقيق نصر سريع، بل إطالة المعاناة كلما طالت الحرب، كلما استنزفت الدولة ومؤسساتها واقتصادها، وكلما أصبحت أكثر ضعفاً وهشاشة.
-فرض التبعية بعد التدمير: عندما تنهار الدولة تماماً، تأتي القوى الكبرى لتقدم "المساعدات" و"إعادة الإعمار" بشروطها، فالدول المنهكة تصبح تابعة تفقد سيادتها، وتتحول إلى ساحة نفوذ مفتوحة.
هذا النمط طبق بنجاح في العراق، ثم سوريا، ثم ليبيا، ثم اليمن، ثم السودان، ثم الصومال، فكل دولة كانت قوية أو متوسطة القوة، تحولت إلى أنقاض.
ثانياً : من التمزيق إلى الإضعاف – عندما تنتقل الحرب إلى المنافسين الكبار
بعد تفكيك الدول العربية الأضعف، انتقلت الاستراتيجية إلى المنافسين الأكبر: روسيا والصين.
روسيا: الحرب في أوكرانيا كاستنزاف ممنهج
عندما اندلعت الحرب في أوكرانيا عام 2022، لم تكن مجرد صراع إقليمي بين روسيا وجارتها. فقد كانت – من منظور واشنطن – فرصة ذهبية لاستنزاف الخصم الاستراتيجي، هذا ما أعلنه مسؤولون أمريكيون علناً، عندما قال وزير الدفاع السابق لويد أوستن: "نريد إضعاف روسيا حتى لا تتمكن من شن حروب مرة أخرى".
الأهداف كانت واضحة:
· إطالة أمد الحرب لاستنزاف الجيش الروسي (نحو 300 ألف قتيل وجريح حتى الآن)
· فرض عقوبات اقتصادية خانقة لإضعاف الاقتصاد الروسي
· عزل روسيا دولياً وكسر تحالفاتها مع أوروبا
· منع أي تحالف روسي-صيني-أوروبي يهدد الهيمنة الأمريكية
النتيجة: روسيا أضعفت عسكرياً واقتصادياً، وتحولت من منافس أوروبي إلى شريك تابع للصين لكنها لم تنهزم، وما زالت الحرب مستمرة.
الصين: المنافس الأكبر في مرمى الاستهداف
الصين تمثل التحدي الأكبر للهيمنة الأمريكية، لذلك الاستراتيجية تجاهها متعددة الأبعاد:
· الحرب التجارية والتكنولوجية: فرض رسوم جمركية، منع نقل التكنولوجيا، حظر تصدير الرقائق الإلكترونية المتقدمة.
· حرب الطاقة: الحرب على إيران قطعت عن الصين نحو 1.5 مليون برميل يومياً من النفط الرخيص، وزادت من تكلفة طاقتها.
· حرب النفوذ في آسيا: تعزيز التحالفات مع اليابان وكوريا والفلبين، وخلق توترات حول تايوان وبحر الصين الجنوبي.
· حرب البنية التحتية: تشويه صورة مبادرة "الحزام والطريق" وخلق بدائل غربية.
الحرب على إيران، في هذا السياق، ليست مجرد مواجهة مع طهران، بل هي حلقة في سلسلة إضعاف الصين، إيران كانت تزود الصين بالنفط بخصم يصل إلى 15 دولاراً للبرميل، قطع هذا الإمداد يعني زيادة تكلفة النمو الصيني وإبطاء وتيرته.
ثالثاً : اليمن – نموذج متكامل للتمزيق والاستهداف
اليمن، بموقعه الاستراتيجي على مضيق باب المندب، هو النموذج الأكثر وضوحاً لهذه الاستراتيجية.
مرحلة التمزيق:
منذ عام 2015، تحول اليمن إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح، حيث تدخلت قوى إقليمية متعددة لدعم أطراف النزاع، مما أدى إلى:
· انقسام اليمن إلى عدة كيانات متناحرة.
· انهيار الدولة ومؤسساتها
· توقف الخدمات الأساسية وانهيار الاقتصاد
· أكثر من 80% من السكان أصبحوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية.
النتيجة: يمن قوي كان يوحد العرب في حرب 1973، تحول إلى أنقاض.
مرحلة المواجهة المباشرة:
عندما تصاعدت العمليات العسكرية في البحر الأحمر، وباتت الملاحة الدولية مهددة، تغيرت المعادلة:
· تشكيل تحالف بحري دولي بقيادة أمريكية.
· ضربات جوية أمريكية-بريطانية ضد مواقع في اليمن.
· استهداف القيادات العسكرية والأمنية.
· تحول البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة مباشرة.
اليمن لم يعد مجرد ساحة حرب إقليمية، بل أصبح في قلب المواجهة بين التحالف الأمريكي - الإسرائيلي والقوى الإقليمية الأخرى.
رابعاً : ورقة الضغط – جزيرة إبستين والابتزاز العالمي
في سياق هذا الصراع العالمي، لا يمكن تجاهل ورقة ضغط أخرى تستخدمها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وتبرز بوضوح مع شخصية مثل دونالد ترامب، لكن المخطط هنا قديم واستخدمه رؤساء سابقون بأشكال مختلفة، ما يميز المرحلة الحالية هو فقط الجرأة في التنفيذ وعدم الاكتراث بالفضيحة.
فضائح جزيرة إبستين، التي تربط أسماء شخصيات سياسية واقتصادية وفنية بارزة بشبكة اتجار بالبشر واستغلال جنسي للقاصرات، لم تكن مجرد قضية أخلاقية، كثيرون يرونها بمثابة ورقة ضغط هائلة في يد الأجهزة الأمريكية، لأنها لم تستثنِ أحداً، لا عرباً ولا غرباً.
من ضحايا هذه الفضيحة؟
عندما اندلعت القضية، لم تكن الضحايا فقط شخصيات عربية أو من العالم الثالث، القوائم التي سربت (وتلك التي لم تسرب بعد) شملت:
· أندرو دوق يورك، نجل ملكة بريطانيا: وهو الاسم الأبرز بين العائلة المالكة البريطانية، الذي اضطر للانسحاب من الحياة العامة بعد اتهامات خطيرة، وتم تجريده من ألقابه العسكرية والملكية.
· شخصيات سياسية أمريكية بارزة: من رؤساء سابقين ووزراء وسيناتورات، بعضهم لا يزال في مواقع النفوذ.
· شخصيات أوروبية: من رجال أعمال وسياسيين وإعلاميين في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وسويسرا.
· شخصيات عربية وخليجية: بعضهم وردت أسماؤهم في الوثائق المسربة، وبعضهم الآخر لا تزال ملفاتهم في أدراج الأجهزة الأمنية.
هذا التنوع في الضحايا (أو المستهدفين) هو ما يجعل من هذه الملفات سلاحاً عالمياً، لا يُستخدم ضد العرب فقط، بل ضد أي شخصية نافذة يمكن الضغط عليها.
لماذا سرب ترامب ملف ابن ملكة بريطانيا؟
السؤال المحوري هنا: لماذا تم تسريب اسم الأمير أندرو بهذه الطريقة العلنية، بينما بقيت أسماء أخرى في الظل؟
التفسير الاستراتيجي بسيط، هو إرسال رسالة للجميع، عندما ترى العائلة المالكة البريطانية – وهي أعرق وأقوى عائلة ملكية في العالم – أن أحد أفرادها يتم "التضحية به" علناً، فإن الرسالة تصل إلى كل ملك وأمير ورئيس وحاكم في العالم: "نحن نمتلك الملفات، ونحن من يقرر متى وكيف نستخدمها".
هذا هو معنى أن تكون "بلا حياء ولا تخاف على سمعتك”، ترامب لا يخاف من فضح نفسه لأنه خرج من القضية بفضل حصانة الرئاسة وتحالفات سياسية، أما الآخرون، فليس لديهم هذه الحصانة.
ماذا عن ما خفي كان أعظم؟
ما نعرفه عن جزيرة إبستين هو مجرد غيض من فيض. التقارير الاستخباراتية تتحدث عن:
· شبكات متعددة في عدة دول، وليس جزيرة واحدة فقط
· تسجيلات فيديو وصوتية لم تُكشف بعد
· أسماء من الدرجة الأولى في العالم لم تظهر بعد في وسائل الإعلام
· علاقات تمتد لعقود، تشمل سياسيين ورجال أعمال وعسكريين وإعلاميين..هذه المواد محفوظة في "خزائن السموم" (Poison Files) التي تنتقل من إدارة إلى أخرى، وتستخدم في اللحظات الحرجة.
خامساً : آلية الضغط – كيف يُستخدم الابتزاز لتمرير القرارات المصيرية؟
هنا يبرز البعد الأكثر خطورة في هذه اللعبة.. تحويل المؤسسات الدولية والبرلمانات الوطنية إلى أدوات لتنفيذ الأجندة الأمريكية-الإسرائيلية، تحت طائلة التهديد والفضيحة، ما لم يعد سراً على المراقبين هو أن العديد من القرارات المصيرية – خاصة تلك المتعلقة بالحروب على الدول، أو إدراج دول في قوائم الإرهاب، أو فرض عقوبات اقتصادية – لم تعد تُتخذ بناءً على اعتبارات موضوعية أو مصالح وطنية، بل تحت ضغط مباشر وغير مباشر من الإدارة الأمريكية.
اعترافات لا تقبل التأويل:
هذه الآلية لم تعد نظرية مؤامرة، هناك اعترافات علنية من شخصيات سياسية سابقة تحدثت عن كيف تم الضغط عليها لتمرير قرارات لا تؤمن بها:
· دنيس كوسينيتش، عضو الكونغرس الأمريكي السابق تحدث صراحة عن كيف كانت الملفات الشخصية تستخدم لابتزاز أعضاء الكونغرس لتمرير قرارات الحرب على العراق عام 2003.
· مايك غرافيل، السيناتور الأمريكي السابق أكد أن أعضاء الكونغرس كانوا يُهددون بنشر تفاصيل عن حياتهم الشخصية إذا صوتوا ضد مشاريع القوانين التي تريدها الإدارة.
· مصادر أوروبية: صحفيون استقصائيون في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وثقوا كيف تم الضغط على برلمانيين أوروبيين للتصويت لصالح قوائم الإرهاب الأمريكية أو ضد مصالح بلادهم.
كيف تعمل الآلية؟
-الملفات السوداء كسلاح: كل مسؤول كبير في العالم – رئيس وزراء، وزير، عضو برلمان، مسؤول في منظمة دولية – لديه ملف في الأجهزة الأمنية الأمريكية، هذه الملفات تحتوي على تفاصيل دقيقة عن حياته الشخصية والمالية والعائلية، جزيرة إبستين كانت واحدة من مصادر هذه الملفات، لكنها ليست الوحيدة.
-التهديد المباشر: عندما يحين وقت التصويت على قرار مهم (مثل الموافقة على حرب جديدة، أو إدراج دولة في قائمة الإرهاب، أو فرض عقوبات)، يتم التواصل مع المسؤولين المعنيين بشكل شخصي، الرسالة واضحة: "إذا لم تصوت معنا، فسنضطر لنشر ملفك".
-التوقيت المحسوب: التسريبات لا تتم بشكل عشوائي، تنتظر الإدارة الأمريكية اللحظة المناسبة، قبل أيام من تصويت حاسم أو قبل قمة دولية، أو أثناء مفاوضات حساسة، الهدف هو خلق حالة من الرعب بحيث لا يجرؤ أحد على المعارضة.
-التضحية بالشخصيات الصغيرة كرسالة للكبار: عندما يُسرب اسم شخصية معينة(مثل الأمير أندرو)، فإن الهدف ليس بالضرورة تدمير هذه الشخصية، بل إرسال رسالة للجميع: "نحن نمتلك المفاتيح، ونحن من يقرر متى وكيف نستخدمها. من يعترض طريقه سيكون مصيره مثل هذا".
من هم المستهدفون بهذه الآلية؟
المستهدفون ليسوا فقط الحكام العرب.. القائمة تطول منهم:
· أعضاء الكونغرس الأمريكي أنفسهم: كثير من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب لديهم ملفات سوداء تجعلهم يصوتون وفق الأجندة الحزبية حتى ضد قناعاتهم.
· أعضاء البرلمانات الأوروبية: القادة الأوروبيون الذين يظهرون فجأة وكأنهم يغيرون مواقفهم تجاه قضايا كبرى، غالباً ما يكونون تحت ضغط مماثل.
· المسؤولون في الأمم المتحدة ومنظماتها: مواقف بعض المسؤولين الدوليين من القضايا العربية والإسلامية كثيراً ما تكون محكومة بهذه التهديدات.
· القيادات العربية والإسلامية: وهم الأكثر عرضة، لأن أي فضيحة لهم ستكون لها تداعيات أكبر على مكانتهم في بلدانهم.
لماذا ينجح هذا الأسلوب؟
لأن ترامب – ومن نهج نهجه – بلا حياء ولا يخاف على سمعته، عندما يكون الشخص الذي يمارس الابتزاز غير مكترث بفضائحه الشخصية، فإنه يصبح سلاحاً فتاكاً، هو لا يخشى من انكشاف أمره لأنه "خرج من النفق" بالفعل، أما ضحاياه فمعظمهم ليس لديهم هذه الرفاهية، فضيحة واحدة قد تدمر مسيرة سياسية تستمر لعقود.
النتيجة: تشويه الديمقراطية والشرعية الدولية
ما يحدث هو تشويه فاضح لمفهوم الديمقراطية والشرعية الدولية، عندما يكون التصويت في البرلمانات أو في المنظمات الدولية محكوماً بالابتزاز وليس بالقناعة فإن النتائج تفقد أي معنى، فالحرب التي تُشن على دولة ما لا تكون لأنها تشكل خطراً حقيقياً، بل لأن من يملكون ملفات الابتزاز قرروا ذلك.
شهادة على ذلك: التصويت على الحرب على إيران
لنأخذ مثالاً مباشراً : التصويت في الكونغرس الأمريكي على الموافقة على الحرب على إيران (أو دعمها)، كثير من أعضاء الكونغرس الذين صوتوا مع الحرب كانوا يعرفون أن إيران لا تشكل تهديداً وشيكاً بالمعايير الاستخباراتية، لكن التهديد بنشر ملفاتهم الشخصية كان كافياً لدفعهم إلى التصويت "بشكل صحيح".
نفس الآلية تكررت مع:
· التصويت على إدراج أنصار الله في قوائم الإرهاب.
· التصويت على فرض عقوبات على دول عربية.
· التصويت على قرارات تدين حركات المقاومة الفلسطينية.
كلها قرارات اتخذت تحت طائلة التهديد، وليس بناءً على حقائق أو مصالح وطنية.
سادساً : ماذا بعد؟ – قراءة في المستقبل
إذا كانت هذه القراءة صحيحة، يمكن القول أن ما ينتظرنا وينتظر العالم في المرحلة القادمة هو :
-استمرار استراتيجية الإضعاف:
روسيا ستظل تحت الضغط حتى تستنزف بالكامل، والصين ستواجه حرباً باردة متعددة الجبهات (اقتصادية، تكنولوجية، عسكرية)، وإيران ستخرج من الحرب أضعف بكثير مما كانت عليه هذا ماتعمل عليه قوى الامبريالية.
-الضغط على الدول العربية الصامدة:
بعد تفكيك الدول الأضعف (العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، السودان)، ستأتي الأدوار على الدول الأقوى التي لا تزال صامدة مثل: مصر، السعودية، الإمارات، فالضغط سيأخذ أشكالاً متعددة: اقتصادية (عبر المؤسسات المالية الدولية)، سياسية (عبر ملفات حقوق الإنسان والإرهاب)، وأمنية (عبر خلق توترات حدودية أو داخلية).
-تصعيد في البحر الأحمر وباب المندب:
اليمن سيكون في قلب المواجهة القادمة، فباب المندب هو مفتاح التجارة العالمية، ومن يسيطر عليه يتحكم في شريان الاقتصاد الدولي، فالتصعيد العسكري في هذه المنطقة مرشح للزيادة.
-استمرار استخدام ورقة الابتزاز:
الملفات الشخصية لشخصيات نافذة في العالمين العربي والغربي ستظل تستخدم كورقة ضغط في الأوقات الحرجة، أي قائد يريد الحفاظ على استقلالية قراره قد يجد نفسه في مرمى حملات تشهير أو ابتزاز.
الخاتمة : ما هو المطلوب؟
في مواجهة هذا النمط الاستراتيجي، ما هو المطلوب من الدول العربية ومن اليمن بشكل خاص؟ للإجابة على هذا التساؤل يمكن القول أن المطلوب هو ما يلي :
-الوعي الاستراتيجي:
إدراك أن ما يحدث ليس حروباً متفرقة، بل هو نمط واحد يستهدف الجميع، لا يمكن مواجهة الخطر دون فهم حقيقته.
-وقف النزيف الداخلي:
لا يمكن لأي دولة عربية أن تواجه الخطر الخارجي وهي منقسمة على نفسها، فوقف الحروب الأهلية الداخيلة وتوحيد الصفوف وإعادة بناء الدولة، هو الشرط الأساسي لأي مواجهة.
-تنويع الشراكات الدولية:
الاعتماد الكامل على أمريكا أو على أي قوة أحادية يضعف القدرة على اتخاذ قرار مستقل، فالمطلوب هو بناء علاقات متوازنة مع جميع القوى الكبرى:( أمريكا، الصين، روسيا، أوروبا، الهند، البرازيل).
-بناء القدرات الذاتية:
فالاعتماد على الذات في الأمن والاقتصاد والطاقة والغذاء هو الضمانة الوحيدة ضد الهيمنة، الاستثمار في الزراعة المحلية والطاقة المتجددة والصناعات الدفاعية، هو ضرورة وليس ترفاً.
-التحالفات الإقليمية:
لا يمكن لأي دولة عربية بمفردها مواجهة هذا المشروع، فالمطلوب هو بناء تحالفات (إقليمية عربية-إسلامية) تقوم على المصالح المشتركة وتعمل على تحقيق التكامل الاقتصادي والأمني.
-تحصين الجبهة الداخلية:
مواجهة الفساد وتعزيز الشفافية وبناء مؤسسات قوية وحماية القيادات الوطنية من الابتزاز، كلها عناصر أساسية في تحصين الدولة ضد الاختراق من الداخل.
كلمة أخيرة..
ما نراه اليوم في اليمن وسوريا والعراق والسودان وأوكرانيا وإيران ليس مجرد أزمات عابرة، إنها حلقات في سلسلة واحدة، سلسلة حروب التمزيق والإضعاف التي تشنها القوى الكبرى للحفاظ على هيمنتها.
هذه الاستراتيجية قديمة، وجذورها تمتد لعقود، رؤساء أمريكيون سابقون – من جورج بوش الأب إلى بوش الابن، ومن بيل كلينتون إلى باراك أوباما – مارسوا نسخاً مختلفة منها، ما يميز المرحلة الحالية هو فقط جرأة التنفيذ ووقاحة الأدوات، ممثلة بشخصية لا تخاف الفضيحة ولا تهاب العواقب.
الخيار أمامنا واضح.. إما أن نظل ضحايا لهذه الاستراتيجية، نتنازع على فُتاتنا ونقتل بعضنا البعض في حروب بالوكالة، وإما أن ندرك حقيقة اللعبة، ونتحد لمواجهتها.
فاليمن بموقعه الاستراتيجي على باب المندب وبما يمتلكه من شعب صابر ومقاوم، يمكن أن يكون نموذجاً للصمود والنهوض، لكن هذا يتطلب وقف النزيف الداخلي أولاً، وتوحيد الصفوف ثانياً، وبناء تحالفات إقليمية ودولية قائمة على المصالح وليس على التبعية، فالمستقبل لم يُكتب بعد، فنحن من نكتبه بقراراتنا اليوم.
* دكتورة اقتصاد وعلوم سياسية
* ملحق مصادر المعلومات الواردة في التقرير:
· تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي (مارس 2026)
· تحليلات معهد الدراسات الاستراتيجية (IISS) ومركز كارنيغي للشرق الأوسط
· تقارير BBC وAl Jazeera وBloomberg
· تحليلات Kpler وWood Mackenzie لأسواق الطاقة
· تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) حول أزمة الأسمدة
· وثائق وتقارير عن قضية جيفري إبستين المنشورة في وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية
· تقارير صحيفة الغارديان حول علاقة الأمير أندرو بجيفري إبستين
· وثائق المحكمة الفيدرالية الأمريكية في قضية إبستين (2019-2024)
· اعترافات دنيس كوسينيتش ومايك غرافيل وآخرين حول الابتزاز في الكونغرس
· تقارير صحيفة الواشنطن بوست ونيويورك تايمز حول ضغوط الإدارات الأمريكية على البرلمانيين