من هندسة البناء إلى هندسة الشهادة

من هندسة البناء إلى هندسة الشهادة

في لحظة فارقة من عمر الصراع الوجودي، امتدت يد الغدر الصهيونية لتضرب في قلب العاصمة اليمنية صنعاء. لم تكن الضربة مجرد عملية عسكرية عابرة، بل كانت استهدافًا مُمنهجًا للعقل المدني في الجمهورية اليمنية. إن استشهاد رئيس وزراء حكومة "التغيير والبناء"، الشهيد أحمد غالب الرهوي،

لم يكن حادثًا فرديًا، بل كان بمثابة إعلانٍ صريحٍ من العدو عن فشل استراتيجيته العسكرية، واعتراف ضمني بقوة المشروع اليمني الذي يجمع بين المقاومة والبناء. إنها عملية لا يمكن تحليلها بمنطق الحسابات المادية فقط، بل يجب أن تُقرأ في سياقها القرآني الذي يجعل من الشهادة قمة الفوز وغاية النصر.
لقد كان الشهيد الرهوي مهندس البناء والتنمية في زمن الحرب. كان عقلاً إداريًا يعمل بصمتٍ وفعالية، ساعيًا لترسيخ قواعد الدولة، وتفعيل مؤسساتها، وتخفيف معاناة الشعب، في ظل عدوان مستمر وحصار قاسٍ. إن العدو الذي يراهن على انهيار اليمن وتفككه، يدرك جيدًا أن وجود قيادات مثل الرهوي يمثل تهديدًا وجوديًا لمشروعه التدميري. إنهم يخشون النموذج اليمني الذي يثبت للعالم أجمع أن بالإمكان إدارة الدولة بكفاءة عالية، ومواجهة العدوان بكل بسالة، في آنٍ واحد. هذا ما يثير حفيظة الأعداء الذين يريدون لليمن أن يبقى في حالة من الفوضى والتبعية، لا أن يكون كيانًا سياديًا مستقلاً.

بينية التحليل: دمج الأبعاد الثلاثة للصراع
لإدراك العمق الحقيقي لجريمة الاغتيال، يجب علينا دمج ثلاثة أبعاد أساسية، تتفاعل فيما بينها لتشكيل صورة كاملة للصراع:
• البعد السياسي-الإداري: لقد كان تعيين الشهيد الرهوي، وهو من أبرز قيادات حزب المؤتمر الشعبي العام، رسالة واضحة من القيادة اليمنية إلى تفعيل الوحدة الوطنية في مواجهة العدوان. كان الرهوي يمثل رمزًا للعمل الوطني المشترك، وجسرًا للتواصل بين مختلف الأطياف السياسية، مما أحبط مخططات العدو في زرع الفتنة وتقسيم الجبهة الداخلية.
• إن استهدافه ليس استهدافًا لفصيل سياسي، بل هو استهداف للمشروع الوطني الجامع الذي يحظى بقبول واسع. إن العدو الإسرائيلي لم يكتفِ بمحاولة إضعاف الجانب العسكري لليمن، بل سعى لضرب جبهته الداخلية وإظهار هشاشة التماسك السياسي. ولكنه فشل فشلاً ذريعًا؛ فالرسالة التي وصلت من صنعاء بعد استشهاد الرهوي كانت واضحة وحاسمة: مؤسسات الدولة ستستمر في عملها، ولن يثنيها هذا الاستهداف عن أداء مهامها. هذا الرد السريع والمنظم، يثبت أن القيادة اليمنية تمتلك خططًا بديلة لمواجهة سيناريوهات الاغتيال، مما يقلل من الأثر الاستراتيجي لهذه العمليات.
2. البعد العسكري-الاستراتيجي: تُظهر هذه العملية أن الأعداء يدركون أن العمليات اليمنية في البحر الأحمر، التي تُشكّل تهديدًا وجوديًا لمصالحهم، لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل إنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بقرارات سياسية وإدارية تُتخذ في صنعاء. إن استهداف الرهوي يهدف إلى تعطيل هذه القرارات، لكن الواقع يثبت أن الهيكل القيادي في الجمهورية اليمنية يتميز بمرونة عالية، وقدرة على سد الفراغات بشكل فوري، وهو ما أكدته القيادة بإعلانها عن استمرار العمل الحكومي. إن هذه الضربة لم تُضعف القدرة العسكرية، بل على العكس، حوّلت الدم إلى وقود للمزيد من العمليات. تُعدّ هذه الاستراتيجية بمثابة "تصعيد عكسي"، حيث إن كل ضربة من العدو لا تُضعف المقاومة، بل تُعزّزها وتُبرر لها المزيد من التصعيد، مما يوقع العدو في فخ الاستنزاف المتبادل الذي يرهق اقتصاده وقدراته العسكرية.

3. البعد العقائدي-الميتافيزيقي:
إن استشهاد الرهوي يندرج ضمن فلسفة "الشهادة" التي تُشكل جوهر العقيدة القتالية اليمنية. ففي القرآن الكريم، يُنظر إلى التضحية في سبيل الله على أنها أعلى مراتب الفوز. يقول الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (التوبة: 111). لا يمكن للأعداء أن يفهموا هذه المعادلة، فهم يقيسون الخسارة بالمقياس المادي البحت، بينما يرى اليمنيون في هذه الدماء تجارة رابحة مع الله. إن استشهاد الرهوي هو شهادة على عمق الارتباط الوجودي بين اليمن وغزة، وأن هذا الدم المسفوك على أرض اليمن هو جزء من ثمن النصر في فلسطين. هذه القناعة الراسخة هي التي تُميّز المقاتل اليمني، وتجعله لا يهاب الموت، مما يُعطيه ميزة تنافسية على عدوه، ويُفقده القدرة على تحقيق أي نصر حاسم.

الاستنتاج: الإرث الذي لا يموت
لقد ترك الشهيد الرهوي إرثاً لا يزول: إرث البناء في زمن الحرب، وإرث التضحية في سبيل قضية الأمة. إن استشهاده ليس نهاية المطاف، بل هو بداية لمرحلة جديدة من المواجهة. سيكتشف العدو الإسرائيلي أن اغتيال القادة لا يزيد اليمنيين إلا ثباتًا وعزيمة، وأن هذه الدماء التي أُريقت في ورشة عمل حكومية ستتحول إلى صواريخ دقيقة تضرب مصالحهم، وإلى عمليات عسكرية أكثر إيلامًا. إن العدو الذي ظنّ أنه يضرب القائد، قد ضرب في الحقيقة النموذج. ضرب فكرة أن اليمن قادر على الصمود والبناء في آن واحد، لكنه فشل في إدراك أن هذه الفكرة لا تموت باستشهاد جسد، بل تتجدد في كل مجاهد يمني يقف نصرة لغزة.
هذا الدم هو لغة الميدان التي تُعلِّم العدو أن اليمن لن يتخلى عن غزة، وأن كل محاولة لكسر الإرادة اليمنية ستزيدها قوة وعزيمة. إن هذا الاستشهاد هو دليل على أننا على الطريق الصحيح، وأن النصر قادم لا محالة، لأن الله معنا. هذه هي القناعة التي تترسخ في قلوب المجاهدين، وهذه هي الحقيقة التي لا يفهمها الأعداء. إنهم يظنون أنهم باغتيال القائد قد أوقفوا الحرب، ولكنهم في الحقيقة قد أطلقوا شرارة معركة أكبر وأكثر إيلاماً.


طباعة