ثقافة الشهادة ومعادلة النصرة للأقصى الشريف والذود عن السيادة
في الذكرى السنوية للشهيد للعام 1448هـ، يحتفل اليمن بهذه المناسبة وقد رسخ موقعه السياسي والعسكري، بعد أن تحولت ثقافة الشهادة من قيمة إيمانية إلى مشروع وطني متكامل يصنع الردع ويحمي الكرامة ويجسد انتماء الأمة لقضاياها العادلة وفي مقدمتها فلسطين.
فدماء الشهداء لم تذهب سدى، بل أنبتت وعياً وإرادة صلبة في مواجهة قوى الاستكبار والهيمنة، وغدت الشهادة في الوعي اليمني رؤية استراتيجية تحدد اتجاه الموقف الوطني، وترسم حدود الفعل العسكري والأمني والاقتصادي، حتى أصبحت جزءاً من هوية الدولة الجديدة التي تتشكل من رحم الصمود.
وعلى مدى اثني عشر عاماً من مواجهة العدوان والحصار، تبلورت إرادة اليمنيين في صيغة جديدة من القوة المستقلة، جعلت اليمن لاعباً إقليمياً فاعلاً ومركز ثقل أخلاقي وسياسي يعبر عن وجدان الأمة ونجحت ثقافة الشهادة في تحويل الدماء إلى مراحل بناء ومكاسب، فكل شهيد كان جسراً نحو وعي أعمق، وجيل أكثر صلابة، وجبهة أوسع، حتى أصبحت التضحية منهجاً يُبنى عليه القرار الوطني.
ومن هذا الوعي انبثق موقف اليمن المبدئي تجاه القضية الفلسطينية، موقف يُقاس بالعمل والميدان، فحين امتدت يد العدوان إلى غزة، كان اليمن مبادراً من البحر الأحمر إلى باب المندب، معلناً أن دماء الشهداء تحولت إلى طاقة عمل تقود الأمة وتنصر المظلومين.
وما يميز التجربة اليمنية اليوم هو انتقالها من مفهوم المقاومة المحدودة إلى مفهوم الردع الفاعل، حيث يُدار الصراع من موقع المبادرة، وتُوظف القدرات الوطنية في حماية السيادة والمصالح الحيوية، وتأمين الممرات الاستراتيجية، وإرباك حسابات القوى المعادية.
وقد تمكن اليمن خلال السنوات الأخيرة، بفضل تضحيات الشهداء وصمود الشعب من تحقيق قفزات نوعية في مجالات التصنيع العسكري، فأصبحت مشاريع الإنتاج الدفاعي عنواناً للاعتماد على الذات ورمزاً للاكتفاء الوطني، وقدرة على صناعة الردع بجهد وكفاءة يمنية خالصة، ليضع هذا الإنجاز البلاد في موقع متقدم بين دول المنطقة القادرة على بناء قدراتها من داخلها..ومن ثمار المسيرة التي صاغها الشهداء بدمائهم التفاف الشعب اليمني حول قيادته الثورية، وهو الالتفاف الذي شكل السند الصلب لمشروع الصمود والبناء، ومثل الركيزة التي تعزز الإرادة الوطنية وتمنح القرار السياسي قوته واستقلاله.
كما أن الوفاء للشهداء لا يُقاس بما يقال في المناسبات وحدها، فهناك أسر تعيش ألم الفراق وتحتاج إلى أن ترى في المجتمع امتداداً لمعاني الوفاء، ومن هنا تبرز مسؤولية الاهتمام بأسرهم وتقدير صبرهم والوقوف إلى جانبهم بما يجعل التضامن معهم ممارسة مستمرة، لا موقفاً مؤقتاً تحكمه المناسبة.
ولذلك فإن ذكرى الشهيد في اليمن اليوم ليست حكاية عن الماضي، بل شهادة حية على أن الأمة التي تمتلك وعي التضحية تمتلك سر البقاء وقوة النهوض، فالشهداء يرحلون بأجسادهم، لكن أثرهم يبقى فيما يتركونه من مبادئ ومواقف.
لقد كتب الشهداء بدمائهم تاريخاً مشرفاً لتقرأه الأجيال، ومهّدوا الطريق أمام مستقبل أفضل ودماؤهم لم تُسفك لتُروى في صفحات الرثاء وحدها، بل لتكون بداية لانطلاقة جديدة نحو النصر، ومحطة نجدّد فيها العهد، ونتزود منها بالإيمان، ونتسلح بالوعي لمواصلة الطريق بثبات من صنعاء إلى القدس.