الشهادة سر بقاء الأمم الحرة
xتحل علينا الذكرى السنوية للشهيد ١٤٤٨هـ وأسبوع الشهيد هذا العام، واليمن يعيش مرحلة مفصلية في تاريخه، مرحلة لم تعد فيها ذكرى الشهداء مجرد مناسبة للاستذكار والرثاء، بل محطة تعبئة ووعي، نستعيد فيها قيم التضحية التي صنعت صمودنا، ونستلهم منها قوة الاستمرار.
في هذا الأسبوع، تتحول صور الشهداء في شوارع صنعاء وكل المحافظات إلى مدارس مفتوحة، وتتحول مجالس ذكرهم إلى منابر تربوية، لنقول للعالم إننا أمة لا تنسى شهداءها، ولا تفرط بدمائهم، بل تجعل منهم بوصلة تحدد إتجاهها نحو الحرية والسيادة، فإن إحياء أسبوع الشهيد هو إعلان وفاء للعهد، وتجديد للبيعة مع المشروع الذي استشهدوا من أجله.
في كل قطرة دم تُسفك دفاعاً عن الحق، تكمن معانٍ تتجاوز حدود الجسد، وصرخة حق تهز أركان الطغيان، وبوصلة ترشد أجيالاً تائهة، فحين يتجرد الإنسان من غروره وتهون عليه الدنيا بكل ما فيها من أجل مبدأ آمن به، فإنه لا يقدم على نهاية، بل يؤسس لبداية جديدة لأمة بأكملها.
إن الشهادة تظل ذروة العمل الإنساني وغايته الكبرى، وهي الضمانة الأكيدة لصلاح الواقع وسبب بقاء الأمم وعمرانها، فالمجتمعات التي تفقد روح التضحية تفقد مناعتها، وتتحول إلى جسد قابل للاحتلال والاستعباد، بينما المجتمعات التي تقدم الشهداء تظل عصية على الكسر، حيث تمثل الشهادة أرقى درجات الرقي الإيماني، فهي ليست إيماناً يُلقى على الألسنة، بل هي إيمان عملي تجسد في أرواح أهداها أصحابها فداءً لمبادئهم وهؤلاء الشهداء عاشوا حالة من التسليم المطلق والثقة العالية بموعود النصر، فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وشهادتهم تكشف حقيقة راسخة؛ فالذل الذي أصاب الأمة ليس بسبب ضعف في مبادئها، بل بسبب الانتماء الشكلي لها، أما الشهداء فقد جسدوا الأخلاق والفضائل والطهر، ليكونوا برهاناً حياً على أن الوفاء والإخلاص للدين والأمة لا يزالان ينبضان في أعماق هذا الشعب.
فالشهادة دليل قاطع على المعنويات العالية والصبر والثبات، فلقد انطلق الشهداء من رحم الضمير الحي؛ فلم يطيقوا أن تظلم أمتهم أو تنتهك حرماتها وهم ساكتون، وحملوا أرواحهم على أكفهم إباءً وعزة وكرامة ورفضاً للذل والخضوع.
وعسكرياً، تقلب الشهادة كل موازين القوى التقليدية، فهي تعبير عن قوة الإرادة والثبات والإصرار على المضي في المسار مهما كانت التضحيات، ورسالة قاسية للأعداء تثبت أن هذا المجتمع لا يزال يتشبث بإنسانيته وكرامته ويمقت الظلم.
على المستوى الاجتماعي، تعمل دماء الشهداء كأسمنت يوحد الصفوف ويمحص الأخوة الإيمانية، فالمجتمع الذي يفرز هذا الكم من التضحية هو مجتمع منحه الله الصلابة في الحق وتحمل المسؤولية، ومجتمع لا يمكن لأي قوة في الأرض أن تستعبده أو تقهره، بل إن ثقافة الاستشهاد تعد القاسم المشترك الأعظم والمكون الأهم للوحدة بين الشعوب.
وسياسياً، الشهيد ليس مجرد مقاتل، بل هو مفكر واعٍ يمتلك بصيرة نافذة تجاه مستجدات أمته، وشهادته تُعري الواقع وتكشف مظلومية الشعب اليمني وشدة إجرام المعتدين.
واليوم تواجه الأمة الإسلامية تحديات مصيرية غير مسبوقة، لا تقتصر على مواجهة عدو خارجي يمتلك إمكانات عسكرية كبيرة، بل تمتد لتشمل أدوات داخلية متسترة بالدين تسعى إلى تشويه المفاهيم الأصيلة، وفي مقدمتها مفاهيم الجهاد والاستشهاد، فالجماعات المتطرفة تتحرك لخدمة أعداء الأمة متخذة من المظاهر الدينية غطاءً، بينما تمارس أبشع الجرائم بحق الإنسانية، وقد أسهمت تضحيات الشهداء في إعادة الاعتبار لمفاهيم الجهاد الحقيقية وكشف زيف تلك الجماعات.
إن ما قدمته أسر الشهداء من تضحيات، خصوصاً تلك التي قدمت ثلاثة وأربعة وخمسة وستة شهداء، يمثل رسالة واضحة مفادها أن الانتصار مرهون بالصمود والتضحية، ومن هنا فإن رعاية أسر الشهداء والمفقودين وخدمتهم واجب ومسؤولية جماعية يلتزم بها الجميع، وهي عملية متواصلة وعهد دائم قُطع للشهداء الذين بذلوا أرواحهم ليعيش الوطن بحرية وكرامة، والحزن والألم لفراق الشهداء مشاعر إنسانية طبيعية، غير أن الواجب يقتضي أن يتحول هذا الحزن إلى اعتزاز بمسيرتهم وتعظيم لتضحياتهم ووفاء لدمائهم.
إن الذكرى السنوية للشهيد مثلت محطة لاستلهام قيم العطاء والصبر والثبات، فالثقة بالله كانت الأساس الذي انطلق منه الشهداء، ودماؤهم أثمرت نصراً وعزة واستقراراً ونماءً وزكاءً في النفوس.
إن الشهادة ليست نقطة نهاية في سجل الحياة، بل هي فجر يولد من رحم الظلام، وفي كل شهيد يسقط تولد أمة بأكملها، ومن هنا فإن الوفاء للشهداء لا يكون بدموع الرثاء، بل بمواصلة الطريق الذي عبدوه بدمائهم، وتعزيز الوعي في مواجهة المؤامرات، حتى يتحقق الوعد بالنصر والتمكين.