نموذج العمل التنموي المتكامل: الهجرة العكسية والهجرة الإيجابية (الحلقة الثامنة)

نموذج العمل التنموي المتكامل: الهجرة العكسية والهجرة الإيجابية (الحلقة الثامنة)

يمثل موضوع الهجرة العكسية والهجرة الإيجابية محور حديثنا لهذا الأسبوع ضمن سياسات العمل التنموي المتكامل، وهي السياسة الأخيرة ضمن هذه السياسات، لما لها من أهمية في إعادة التوازن إلى التوزيع السكاني، وتنشيط الإنتاج الزراعي والحيواني، وتحقيق التنمية المتكاملة.

فمن يلاحظ التوزيع السكاني في اليمن، يجد أن نسبة كبيرة من السكان تقطن المدن، في حين تسكن نسبة أخرى الأرياف. ويُعزى هذا الاختلال، في جانب منه، إلى السياسات التي اتبعتها الحكومات السابقة، والتي أسهمت في دفع أبناء الريف إلى الهجرة نحو المدن بحثًا عن الخدمات الأساسية وفرص العمل ومصادر الدخل. وقد ترتب على هذه الهجرة تكدس السكان واشتداد الازدحام في المدن، وزيادة الضغط على الخدمات العامة، وارتفاع معدلات البطالة والفقر وإيجارات المساكن، فضلًا عن تفاقم بعض المشكلات الاجتماعية، وما قد يرتبط بها من ارتفاع معدلات الجريمة والانحراف، في ظل الظروف المعيشية الصعبة وعجز بعض الأسر عن تلبية احتياجات أبنائها، الأمر الذي قد يؤدي إلى تسربهم من المدارس.
وفي المقابل، تراجعت الأنشطة الزراعية وتربية الثروة الحيوانية في كثير من المناطق الريفية، وانخفضت الاستفادة من الأراضي الزراعية والإمكانات الإنتاجية المتاحة، وهو ما أسهم في زيادة الاعتماد على المواد الغذائية المستوردة وارتفاع فاتورة الاستيراد. وهكذا نشأ خلل في التوزيع السكاني والجغرافي، انعكست آثاره على التنمية والإنتاج المحلي.
ويُعد نقص الخدمات العامة في الأرياف، وفي مقدمتها التعليم والصحة والمياه والطرقات والأسواق، من أبرز أسباب الهجرة الداخلية من الريف إلى المدينة. فقد دفعت هذه الظروف كثيرًا من الآباء إلى الانتقال بأسرهم إلى المدن بحثًا عن التعليم والرعاية الصحية والمياه النظيفة، وغيرها من الخدمات الضرورية، حتى وإن كانت الخدمات المتاحة في المدن نفسها محدودة ولا تلبي جميع الاحتياجات. ونتيجة لذلك، هُجرت منازل وأراضٍ زراعية كان بالإمكان استثمارها في الإنتاج النباتي والحيواني، بما يخدم الأسر الريفية والاقتصاد الوطني.
وأمام هذه الظاهرة، تبرز الحاجة إلى تبني سياسات تنموية متكاملة تشجع الهجرة العكسية من المدن إلى الأرياف، وتدعم عودة المواطنين إلى مناطقهم ومنازلهم وأراضيهم، بما يمكّنهم من استثمارها في الزراعة وتربية الثروة الحيوانية والاستفادة من خيرات الأرض. غير أن تحقيق هذا التوجه لا يتوقف على الدعوة إلى العودة فحسب، وإنما يتطلب تهيئة الظروف المناسبة للاستقرار، وتوفير الخدمات الأساسية، وإيجاد فرص عمل ومصادر دخل مستدامة تجعل الريف بيئة جاذبة للسكان والإنتاج.
ومن أبرز السياسات اللازمة لتحقيق ذلك، توفير الخدمات الأساسية في المناطق الريفية، مثل المدارس والمراكز الصحية ومشاريع المياه والطرقات والأسواق، من خلال خطط تنموية تشاركية، ومبادرات مجتمعية تقودها وتنظمها الجمعيات التعاونية الزراعية متعددة الأغراض. كما ينبغي توفير قروض بيضاء للمزارعين، ولا سيما الشباب، عبر الجهات والصناديق المختصة، بما يشجعهم على الاستقرار في الأرياف والانخراط في الأنشطة الزراعية والإنتاجية، ويساعدهم على إنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة توفر فرص العمل والدخل.
ومن السياسات التي سيكون لها أثر التنسيق مع الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات والجهات المعنية لتوفير قروض ميسرة للمتقاعدين الذين يمتلكون أراضي زراعية بما يمكّنهم من ممارسة النشاط الزراعي وتربية الثروة الحيوانية، وسداد هذه القروض بالتقسيط من المعاشات التقاعدية، وفق ضوابط قانونية ومالية واضحة، مع توفير مدخلات الإنتاج الزراعي والحيواني اللازمة، بما يساعد على استثمار الأراضي المتاحة وتشجيع العودة إلى الأرياف.
ومن السياسات المهمة أيضًا توجيه الاستثمارات والمنشآت الصناعية والاقتصادية نحو مناطق الإنتاج في الأرياف، بدلًا من تركيزها في المدن، بما يسهم في توفير فرص العمل لأبناء تلك المناطق، ويشجعهم على الاستقرار فيها، ويعزز التكامل بين الإنتاج الزراعي والصناعات المرتبطة به. فإقامة منشآت لتجهيز المنتجات الزراعية وتصنيعها بالقرب من مناطق إنتاجها تقلل تكاليف النقل والتسويق، وتحد من الفاقد، وتزيد القيمة المضافة للمحاصيل والمنتجات المحلية.
أما الهجرة الإيجابية، فيُقصد بها، في إطار هذا النموذج التنموي، انتقال السكان من ريف إلى ريف آخر تتوفر فيه فرص أوسع للإنتاج والاستثمار الزراعي. ويشمل ذلك تشجيع الانتقال إلى المناطق الزراعية الواسعة ذات الإمكانات الإنتاجية الواعدة، مثل الجوف ومأرب، والحديدة عبس، من المناطق الريفية المكتظة بالسكان ومحدودة الأراضي الزراعية، مثل ريمة، ووصاب والمحويت وصنعاء وعمران والمديريات الجبلية في حجة.
ويهدف هذا التوجه إلى إعادة توزيع السكان بما يتناسب مع الإمكانات الزراعية والموارد المتاحة، وتشجيع الاستقرار في المناطق التي تمتلك مساحات واسعة قابلة للاستصلاح والاستثمار، بما يسهم في توسيع الإنتاج النباتي والحيواني، وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز الاستفادة من الموارد المحلية.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال تمكين الراغبين في الانتقال من الحصول على أراضٍ زراعية واستثمارها، سواء من أراضي الدولة والأوقاف، أو من خلال شراء الأراضي الزراعية أو استئجارها من أبناء المناطق المستهدفة. وينبغي أن تتم هذه العمليات بموجب عقود واضحة وموثقة، وتحت إشراف الجهات المختصة، وبالتنسيق مع الجمعيات التعاونية الزراعية متعددة الأغراض، بما يحفظ حقوق جميع الأطراف، وينظم استخدام الأراضي، ويضمن استدامة النشاط الزراعي.
ولا يمكن أن تنجح الهجرة الإيجابية دون توفير مقومات الاستقرار في المناطق المستهدفة، وفي مقدمتها الطرقات والمدارس ومشاريع المياه والمراكز الصحية والأسواق، إلى جانب خدمات الإرشاد الزراعي والتسويق. فتوفر الأراضي الزراعية وحده لا يكفي لجذب السكان واستقرارهم ما لم يقترن بخدمات أساسية وفرص اقتصادية حقيقية تضمن استمرارية النشاط الإنتاجي وتحسين مستوى المعيشة.
ومن هنا، تبرز أهمية العمل على توفير الخدمات في الأرياف بمستوى يحقق العدالة في فرص الحصول عليها، ويقلص الفجوة بين الريف والمدينة. ففي مجال التعليم، ينبغي بناء المدارس في المناطق الريفية وتجهيزها بالمستلزمات التعليمية اللازمة، بما في ذلك المعامل وأجهزة الكمبيوتر والتجهيزات الحديثة، مع توفير الكوادر التعليمية المؤهلة. فالطالب في الريف هو ابن اليمن، ومن حقه الحصول على تعليم جيد وفرص متكافئة مع الطالب في المدينة، إذ يمتلك قدرات ومهارات لا تقل عما يمتلكه أقرانه في المدن.
وينطبق ذلك كذلك على الخدمات الصحية، من خلال إنشاء المراكز الصحية وتجهيزها بالكوادر والمستلزمات الضرورية، وتيسير الوصول إلى الأسواق والخدمات العامة. كما تبرز أهمية إنشاء معامل ومشاغل للأسر المنتجة في الأرياف، لتصنيع منتجات الألبان، مثل الزبادي والزبدة والأجبان، وإنتاج الحلويات، وممارسة الخياطة وغيرها من الأنشطة الإنتاجية التي تتناسب مع احتياجات الأسر وإمكاناتها.
ويُعد تشجيع تربية الدجاج البلدي، والأبقار والأغنام والماعز وغيرها من أنشطة الثروة الحيوانية، من الفرص المهمة لتعزيز الاقتصاد الريفي، لما توفره من مصادر دخل للأسر، وإسهامها في توفير اللحوم والبيض والحليب ومشتقاته للأسواق المحلية. ويمكن دعم هذه الأنشطة من خلال توفير مستلزمات التربية والأعلاف والخدمات البيطرية والتدريب والإرشاد، بما يساعد الأسر الريفية على تطوير مشاريعها وتحويلها إلى أنشطة إنتاجية مستدامة.
ومن شأن إنشاء المشاريع الإنتاجية والصناعات التحويلية في الأرياف توفير فرص عمل ومصادر دخل للأسر، وتعزيز مشاركتها في النشاط الاقتصادي، فضلًا عن الإسهام في استيعاب الفائض من المنتجات الزراعية وتصنيعه بدلًا من إتلافه أو تركه دون استغلال. كما يتيح هذا التوجه تسويق المنتجات المحلية بقيمة أعلى، ويفتح المجال أمام قيام مشاريع صغيرة ومتوسطة مرتبطة بالمحاصيل الزراعية والمنتجات الحيوانية.
إن تبني سياسات الهجرة العكسية والهجرة الإيجابية ضمن نموذج العمل التنموي المتكامل من شأنه أن يسهم في تخفيف الازدحام السكاني في المدن، وتحقيق قدر أكبر من التوازن في التوزيع السكاني، وتوسيع الإنتاج النباتي والحيواني والصناعي، وخفض فاتورة الاستيراد، وتعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي وصولًا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي.
وبذلك، لا تكون الهجرة العكسية مجرد عودة للسكان من المدن إلى الأرياف، ولا الهجرة الإيجابية مجرد انتقال من منطقة ريفية إلى أخرى، وإنما يمثل التوجهان مسارًا تنمويًا متكاملًا لإعادة توظيف الموارد البشرية والأراضي الزراعية والإمكانات الإنتاجية، وتحويل الأرياف إلى بيئات جاذبة للسكان والعمل والاستثمار، بما يعزز التنمية المستدامة ويخدم الاقتصاد الوطني.


طباعة