قصف الطرق والجسور .. حرب استهداف سعودية لشريان الحياة

قصف الطرق والجسور .. حرب استهداف سعودية لشريان الحياة

هناك حروب تُخاض بالدبابات والطائرات، وهناك حرب أخرى أكثر قسوة تُخاض بصمت، إنها حرب الطرق والجسور، وهي الحرب التي اختارها العدو ليجعل كل يمني يشعر بالعدوان في يومه وليله، وليس فقط من يسكنون قرب الجبهات.

منذ اليوم الأول للعدوان، لم يكن استهداف الطرق والجسور مجرد أهداف عابرة، بل كان قراراً ممنهجاً، فالجيش الذي يعجز عن التقدم في الميدان، يلجأ إلى قطع شرايين الحياة عن الشعب كله، فالجسر الذي يربط محافظة بأخرى ليس مجرد كتلة من الحديد والإسمنت، بل هو مدرسة وجامعة ومستشفى وسوق وراتب.
حين يتم تدمير أكثر من مائة جسر وثلث شبكة الطرق المعبدة في بلد جبلي كاليمن، فأنت لا تدمر بنية تحتية فحسب، بل تدمر فكرة الدولة نفسها، فأنت تعزل صنعاء عن الحديدة، وتعز عن عدن، وإب عن ذمار، وتجعل المسافة التي كانت تُقطع في ثلاث ساعات تحتاج إلى يومين عبر طرق جبلية ترابية خطرة.
لقد عايش كل يمني هذه المأساة، فالمريض الذي يحتاج إلى غسيل كلى في صنعاء وهو في ريف إب، والطالب الذي يريد الوصول إلى جامعته، والمزارع الذي يريد إيصال خضرواته إلى السوق قبل أن تفسد، كل هؤلاء وجدوا أنفسهم أمام طريق مقطوع وجسر مدمر، فاضطروا للمجازفة بأرواحهم عبر مجاري السيول والطرق الملتوية.
واليوم يعيش المواطن معاناة مضاعفة، فالمسافر لم يعد يسلك الطريق الأسفلتي الآمن، بل يُجبر على سلوك طرق فرعية وعرة تستنزف وقته وماله وسيارته، وتضاعف من مخاطر السفر، خصوصاً في مواسم الأمطار، حيث يضطر المواطنون لعبور السيول على الأقدام بعد أن دُمرت الجسور التي كانت تحميهم.
أما الأثر الاقتصادي فكان كارثياً، فمع انقطاع الطرق الرئيسية، تضاعفت أجور النقل وشحن البضائع عدة مرات والشاحنة التي كانت تصل من الحديدة إلى صنعاء في ساعات أصبحت تحتاج لأيام عبر طرق التفافية طويلة، وهذا الارتفاع انعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية والأدوية والوقود، ليدفع ثمنه المواطن البسيط وحده.
ولم تكن المساعدات الإنسانية بمنأى عن هذه الكارثة، فالطرق المدمرة أخرت وصول الغذاء والدواء إلى المناطق الأكثر احتياجاً وحالت دون وصولها في الوقت المناسب، فالطريق هو أساس التنمية، وبه تتحرك التجارة، وبه يصل المعلم إلى مدرسته، والطبيب إلى مستشفاه وعندما يُدمر الطريق تتراجع عجلة الحياة كلها.
خلاصة القول، إن حرب الطرق والجسور تكشف أن المعركة لم تكن يوماً معركة عسكرية على الحدود، بل معركة شاملة تستهدف حياة اليمني في أدق تفاصيله اليومية ورغم كل هذا الدمار، لا يزال اليمني يشق طريقه بين الجبال، وينقل غذاءه ودواءه عبر الطرق الوعرة متحدياً آلة التدمير، فالطرق يمكن أن تُقصف، والجسور يمكن أن تُهدم، لكن إرادة الحياة لدى الشعب اليمني لا يمكن أن تُقطع.


طباعة