حتمية التحرر واستعادة السيادة اليمنية
تقتضي القراءة الأكاديمية والتحليل النظري لصراع النفوذ والسيادة في جنوب شبه الجزيرة العربية تفكيك الثوابت الجغرافية والتحولات التاريخية التي حكمت العلاقات اليمنية–السعودية؛ إذ ينطوي السجل الجيوسياسي على حقائق ناصعة تُفند أدبيات التضليل والإعلام الموجه،
وفي مقدمتها جغرافية الأراضي اليمنية المستلبة في نجران وجيزان وعسير وأجزاء واسعة من الربع الخالي، والتي اقْتُطِعتْ قسراً بموجب معاهدة الطائف عام 1934، وبدعم استعماري بريطاني استهدف تجريد الدولة اليمنية من مقومات قوتها الجغرافية والتاريخية. ومنذ ذلك المفصل التاريخي، أسست المنظومة الحاكمة في الرياض لعقيدة أمنية تقوم على "الاحتواء الناعم وإبقاء اليمن في حالة دائمة من الضعف والإنهاك"، مستخدمةً أدبيات "المنّ والأذى" والدعم المشروط للتعمية عن حقيقة أن ما يُقدم لليمن من فتات لا يساوي مساحة كيلومتر مربع واحد من أراضيه وخيراته المنهوبة. وحين نُسائل التاريخ القريب، نجد أن التحديث الاقتصادي والبنية التحتية للمملكة قاما بالأساس على عقول وسواعد ورؤوس أموال التجار اليمنيين الذين كانوا الحجر الأساس للنهضة الاقتصادية هناك، مما يُسقط أسطورة "الهبة والفضيلة الخارجية" أمام موازين العقل والحق. لقد تجلت هذه العقيدة الهجومية للرياض عبر التاريخ في محطات دامية؛ بدءاً من مجزرة تنومة عام 1923، مروراً باستهداف مشروع الدولة الوطنية المؤسسية واغتيال الحلم التنموي الشامل للرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي عبر شبكات الولاءات المأجورة، ودعم محاولات تفتيت الوحدة اليمنية عام 1994 بعد أن رأت فيها الرياض كابوساً جيوسياسياً، وصولاً إلى العدوان المباشر عام 2015 عقب تداعي أدوات النفوذ التقليدية. وتكشف المعطيات الميدانية والسياسية الراهنة عن السقوط الأخلاقي والاستراتيجي لمن يُسمون بـ "شرعية فنادق الرياض"، وهي فئة ارتضت دور الواجهة الوظيفية المجردة من الإرادة والسيادة، لِتُدار وتُسيَّر بقرارات وتوجيهات المندوب والسفير السعودي لقاء أجور ومكتسبات شخصية ضيقة، بينما تُنهب الثروات النفطية والسمكية والموقع الاستراتيجي على مضيق باب المندب. إن التنبيه الأكاديمي والنداء الوطني المخلص يَتوجّه اليوم بكامل التجرد لجميع المغرر بهم وأبناء الوطن المخدوعين في جبهات المواجهة: إن قتالكم تحت راية هذه المنظومة الخارجية هو خوض لحرب بالوكالة لصالح عدو استراتيجي تاريخي استهدف كرامة وطنكم وسلب مقدراته، متجاهلين حقيقة أن الملك عبدالعزيز نفسه أدرك طبيعة هذا الوطن حين قال إن هذه البلاد لا يستطيع أحد السيطرة عليها. إن التمسك بمشروع الوصاية والارتهان للخارج لن يورث إلا الندم وانكسار الرهان، فيما تعيد ساحات العزة والرفض اليوم رسم المعادلة الوطنية الصلبة، مؤكدةً أن أمن اليمن واستقلاله وازدهاره لا يتحقق بالخنوع والتبعية، بل بفرض السيادة الكاملة، وإسقاط سلطة المرتزقة، واستعادة قرار الوطن ومقدراته التاريخية المسلوبة لبناء يمن حُر، موحد، ومستقل.