ما حصل في الساحل الغربي: هزيمة مشروع.. لا انتكاسة فصيل واحد

ما حصل في الساحل الغربي: هزيمة مشروع.. لا انتكاسة فصيل واحد

ما يريده إعلام المرتزقة من حصر ما جرى في الساحل الغربي وغربي تعز في شخص واحد أو مدينة واحدة ليس مجرد خطأ في القراءة، بل هو عملية هندسة إعلامية مضادة تهدف إلى تقزيم هزيمة استراتيجية كبرى وتحويلها إلى انتكاسة تكتيكية محدودة، حتى يبدو الأمر وكأن طرفاً واحداً هو الذي انهزم،

وكأن ما حدث يمكن تجاوزه بإعادة ترتيب صفوف فصيل بعينه. لكن البيان الصادر عن القوات المسلحة اليمنية يهدم هذه السردية من أساسها، لأنه لم يذكر أي شخص ولا أي فصيل، بل تحدث بصيغة واضحة عن “تحشيدات العدو السعودي” وعن “مرتزقة العدو السعودي”، وهذه الصيغة وحدها تنقل المعركة من خانة الصراع الداخلي إلى خانة المواجهة مع مشروع سعودي كامل، وتجعل أي محاولة لحصر النتيجة في فرد أو جماعة محاولة عبثية. والفرق بين الخطابين جوهري: خطاب صنعاء يتحدث بلغة المساحة والألوية والفرق والنتائج الميدانية، بينما خطاب المرتزقة يتحدث بلغة الأسماء والأشخاص والتبريرات، وهذا وحده يكشف من يخاطب العقل ومن يخاطب العاطفة.
البيان لم يقل إن مدينة واحدة سقطت، بل قال إن عملية “والله أشدُّ بأساً وأشدُّ تنكيلاً” أسفرت عن “طرد تحشيدات العدو السعودي من ست مديريات من محافظتي تعز والحديدة بمساحة إجمالية بلغت 5400 كيلومتر مربع”. هذا الرقم لا يمكن أن ينتج عن هزيمة فصيل واحد، لأن ست مديريات في محافظتين تعني جبهة ممتدة على جغرافيا واسعة، وتعني أن الانهيار لم يكن موضعياً بل شاملاً.
وإذا كان إعلام المرتزقة يريد للرأي العام أن ينظر إلى مدينة واحدة، فإن البيان يفرض عليه أن ينظر إلى مساحة تقترب من مساحة بعض الدول، وإلى مديريات موزعة بين تعز والحديدة، وهذا وحده يكفي لتفنيد دعوى الحصر.
ولم يكتف البيان بالمساحة، بل حدد حجم القوة التي جرى ضربها فقال: “ضرب سبع فرق عسكرية من تحشيدات العدو السعودي بقوام 38 لواءً عسكرياً، وقتل وأسر وجرح المئات من منتسبيها”.
سبع فرق و38 لواءً و”المئات” من القتلى والأسرى والجرحى ليست أرقاماً يمكن أن تنطبق على فصيل واحد، بل هي بنية عسكرية ضخمة تعبر عن تحالف قوى متعددة دفعت بها السعودية إلى الساحل الغربي. وفي العلم العسكري، اللواء وحدة قتالية يتراوح قوامها بين 3000 و5000 مقاتل، أي أن 38 لواءً تعني قوة تتراوح بين 114 ألفاً و190 ألف مقاتل، وهو رقم يتجاوز بكثير ما يريد إعلام المرتزقة أن يصوره للرأي العام كخسارة محدودة في شخص المدعو طارق عفاش ومدينة المخاء.
ثم يأتي بند ثالث أكثر دلالة، وهو “تحرير عدد من أسرانا الأعزاء المتواجدين لدى مرتزقة العدو السعودي منذ سنوات في الساحل الغربي”. عبارة “منذ سنوات” تعني أن هؤلاء الأسرى كانوا محتجزين لدى طرف ظل موجوداً على الأرض لسنوات، وليس لدى فصيل عابر.
وعبارة “مرتزقة العدو السعودي” تؤكد أن الخصم ليس طرفاً محلياً واحداً، بل مرتزقة يعملون لصالح العدو السعودي.
وهذا يعني أن المعركة كانت ضد منظومة احتلال ومرتزقة، لا ضد شخص واحد.
ويضاف إلى ذلك أن البيان تحدث عن “مشاركة كبيرة من أبناء شعبنا وقبائله الحرة”، وهذا يعني أن النصر لم يكن نصر فصيل، بل نصر شعبي وقبلي وقوات مسلحة.
وإعلام المرتزقة يريد أن يخفي هذا البعد الشعبي لأنه يفضح عزلة الطرف الآخر، ويجعل الهزيمة هزيمة مشروع كامل لا هزيمة مجموعة محدودة.
أما البعد الجوي، فقد كشف البيان أن العدو السعودي قدم “غطاءً جوياً كثيفاً” لمساندة تحشيداته، لكنه “فشل بفضل الله في التأثير على العملية”.
وهذا يعني أن السعودية لم تكن طرفاً غائباً، بل كانت حاضرة بأكبر قدراتها الجوية، ومع ذلك لم تستطع حماية تحشيداتها.
وإذا كانت الطائرات السعودية قد فشلت رغم كثافة الغطاء، فكيف يمكن لإعلام المرتزقة أن يزعم أن الهزيمة كانت هزيمة فصيل واحد.؟!
ثم يضيف البيان بنداً رابعاً: “تنفيذ 32 عملية تصدٍّ للطائرات الحربية السعودية، وإسقاط تسع طائرات”. هذا يعني أن المواجهة لم تكن أرضية فقط، بل امتدت إلى الجو، وأن الدفاعات اليمنية أسقطت تسع طائرات، وهو رقم لا يتحقق في معركة محدودة، بل في مواجهة شاملة.
إسقاط تسع طائرات في معركة واحدة يعني أن الدفاعات الجوية اليمنية نجحت في فرض معادلة ردع جديدة، وأن الطيران السعودي لم يعد قادراً على العمل بحرية، وهذا بحد ذاته إنجاز استراتيجي يتجاوز بكثير ما يحاول إعلام المرتزقة تصويره.
حتى أن البيان جاء ليتحدث عن “معادلة الحصار بالحصار” و”ضرب تحشيدات العدو السعودي والتصعيد بالتصعيد”، والتأكيد على أن “الملاحة البحرية آمنة لكل الشركات باستثناء السفن السعودية”.
وهذا الخطاب يكشف أن ما جرى ليس مجرد مكسب ميداني، بل هو إعادة تعريف للمعادلة الاستراتيجية كلها، من خلال ربط الساحل الغربي بالبحر الأحمر وبباب المندب وبالملاحة الدولية.
فإذا كان الأمر هزيمة شخص واحد في مدينة واحدة، فلماذا يتحدث البيان عن الملاحة البحرية والحصار والتصعيد.؟!
إن هذا يدل على أن النصر كان استراتيجياً بكل معنى الكلمة، وأن أي محاولة لاختزاله هي محاولة لتغطية أبعاده الحقيقية.
وفي المقارنة بين الخطابين، نجد أن خطاب صنعاء يقدم رؤية شاملة تربط الميدان بالبحر بالسياسة بالاقتصاد، بينما خطاب المرتزقة يقدم رواية ضيقة تربط كل شيء بشخص واحد، وهذا هو الفرق بين من يملك مشروعاً ومن يدير أزمة.
وقد تم تطهير حيس ومقبنة والمخا وباب المندب بالكامل بعد أن انجلت الغبرة، وخرج الإعلام المأجور ينسج كذبه المعتاد متعمداً تسليط الضوء على ما يسميها “إعادة التشكيل والتمركز والتراجع التكتيكي”، والتقدم في جبهات أخرى في محاولة يائسة لتغطية حقيقة الانهيار.
وهذا التناقض في الخطاب الإعلامي نفسه يكشف الارتباك: فمن جهة يحاولون تقزيم ما جرى في الساحل الغربي، ومن جهة أخرى يبحثون عن انتصارات وهمية في جبهات أخرى لتغطية الفشل. وهذا يُعرف في الدراسات الإعلامية بـ”التشتيت الاستراتيجي”، حيث يُفتعل الطرف المنهزم حدث ثانوي لصرف الانتباه عن الحدث الرئيسي، وهذا ما يحدث بالضبط عندما يتحدث إعلام المرتزقة عن الجوف والبيضاء بينما الساحل الغربي تحرر بالكامل.
إن التطور الحقيقي الذي يعكسه البيان ليس في الأرقام وحدها، بل في الجمع بين العمل العسكري واسع النطاق، والتماسك الشعبي، والوعي في مواجهة التضليل الإعلامي، والقدرة على تحويل النداءات المحلية إلى عملية عسكرية ناجحة، واستثمار النصر ميدانياً وسياسياً.
وهذا كله يشير إلى أن صنعاء انتقلت إلى مرحلة جديدة من الصراع، مرحلة تستطيع فيها أن تفرض التصعيد بالتصعيد والحصار بالحصار حتى وقف العدوان ورفع الحصار، وأن تتعامل مع المعركة كمعادلة مفتوحة تمتلك فيها أوراق القوة لا الضعف. وبناءً على ذلك، فإن كل عنصر في البيان يتناقض مع سردية إعلام المرتزقة: المساحة تتناقض مع الحصر، وعدد الفرق والألوية يتناقض مع الحصر، ووجود الأسرى منذ سنوات يتناقض مع الحصر، والغطاء الجوي الكثيف الفاشل يتناقض مع الحصر، وإسقاط تسع طائرات يتناقض مع الحصر، والملاحة البحرية والحصار بالحصار يتناقض مع الحصر.
لذلك، فإن ما يريده إعلام المرتزقة هو تضليل مكشوف، وتفنيده جاهز في نص البيان نفسه: البيان يتحدث عن هزيمة تحشيدات سعودية في ست مديريات، بمساحة 5400 كيلومتر مربع، وبقوام 38 لواءً، وبغطاء جوي فاشل، وبإسقاط تسع طائرات، وبتحرير أسرى، وبمعادلة بحرية واستراتيجية.. وهذه ليست هزيمة شخص واحد، بل هزيمة مشروع. وهذا هو ما يجب أن يقال بوضوح.


طباعة