التراجع عن البيع بعد طلب الشفعة حيلة !!

التراجع عن البيع بعد طلب الشفعة حيلة !!

قضى الحكم محل تعليقنا بأن تراجع المشتري والبائع عن البيع بعد طلب الشفيع الشفعة حيلة على الشفيع، ولذلك لا يعطل هذا التراجع حق الشفيع في تملك العين المشفوعة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 22-12-2014م في الطعن رقم (56131).

حيث قضى الحكم الابتدائي (بثبوت صحة وقوع البيع وثبوت تملك واستحقاق الشفيع للمبيع، وذلك بالشفعة ولا عمل لحيلة إبطال البيع الصادرة من البائعين والمشترية)، وقد قضى الحكم الاستئنافي بتأييد الحكم الابتدائي، وقد ورد ضمن أسباب الحكم الاستئنافي: ((فقد تبين أن ما دفع به المستأنف ضده في غير محله حال كون النزاع القائم متعلقاً بعدم نفاذ المبيع لحصول الرجوع عنه من عدمه أي انعدام الحق من صحته، والمشرع اليمني قد استثنى من النصاب القيمي إذا كان النزاع بشأن وجود الحق من عدمه، فإذا كان النزاع بخصوص الاستحقاق من عدمه، فيكون الحكم قابلاً للاستئناف، ولذلك تقرر قبول الاستئناف شكلاً لتقديمه في الميعاد، ولدى التأمل في الحكم الابتدائي محل الطعن وأوراق القضية فقد تبين للشعبة أن ما جزمت به محكمة أول درجة بأن الشفعة لا تبطل بأي حيلة قصد بها حرمان الشفيع صحيح وموافق لأحكام الشرع والقانون وذلك لثبوت قيام المستأنفة والبائعين إليها بحيلة فسخ عقد المبيع بعد طلب الشفيع الشفعة منه وحضوره لدى الأمين الشرعي المختص وقيده الشفعة عنده، حيث إن الثابت شرعاً وقانوناً أن فسخ المبيع قبل طلب الشفعة تنقضي معه مظنة التواطؤ بين البائع والمشتري في العين المشفوعة، أما بعد العلم بطلب الشفعة فيعد ذلك من قبيل الحيلة على الشفيع))، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي قضت الدائرة المدنية بتأييد الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا ((فقد تبين أن المطعون ضده قد دفع بعدم قبول الطعن، لأن قيمة العين المشفوعة لم تبلغ النصاب القيمي المحدد قانوناً، حيث إن الشعبة قد فصلت في هذا الدفع بقولها: أن النزاع القائم متعلق بشأن نفاذ البيع من عدمه وليس بسبب الحق المدعى به، أما بقية أسباب الطعن فقد سبق للطاعن أن أثارها أمام الشعبة التي ناقشتها وفصلت فيها، ومن ذلك ثبوت الحيلة وقسمة العين المشفوعة على أساس الرؤوس وليس على أساس للذكر مثل حظ الأنثيين وفقاً للمادة (1258) مدني)).. وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: النزاع بشأن مدى استحقاق الشفعة لا يكون نزاعاً قيمياً يخضع للنصاب القيمي في الطعن:
قضى الحكم محل تعليقنا برفض دفع المطعون ضده بعدم جواز الطعن في الحكم لأن المبلغ المحكوم به أقل من النصاب المقرر في المادة (86) مرافعات، حيث كانت قيمة الأرض المشفوعة سبعين ألف ريال، وهذا المبلغ كان أقل من النصاب المحدد في المادة (86) مرافعات الذي كان حينها مائتي ألف ريال قبل تعديل هذا النصاب عام (2021م) إلى خمسة ملايين ريال، حيث قضى الحكم محل تعليقنا بأن النزاع بين المشتري والشفيع ليس متعلقاً بقيمة العين المشفوعة وإنما متعلق بمدى وجود البيع من عدمه الذي أنشأ حق الشفعة، ولذلك لا يخضع الحكم الصادر في هذا النزاع للنصاب القيمي المقرر في المادة (86) للأحكام التي لا يجوز الطعن فيها إذا لم تبلغ النصاب المقرر في تلك المادة، فالمحكوم به هو ثبوت صحة البيع إلى المشتري المشفوع واستحقاق الشفيع الشفعة وليست القيمة هي المحكوم بها حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.

الوجه الثاني: التراجع عن البيع بعد طلب الشفعة حيلة على الشفيع:
قضى الحكم محل تعليقنا بأن التراجع عن البيع بعد علم المشتري بطلب الشفعة حيلة يقصد بها تفويت حق الشفيع بالشفعة، لأن التراجع عن البيع قبل العلم بطلب الشفعة يدل على أن الباعث على التراجع لا يعود على الشفيع وإنما لاعتبارات ترجع إلى البائع والمشتري، أما بعد علم المشتري فإن التراجع يعد حيلة تهدف إلى تفويت حق الشفيع في الشفعة حسبما قضى الحكم محل تعليقنا، ويؤيد هذا القضاء ما ورد في المادة (1267) مدني التي نصت على أنه: (لا تبطل الشفعة بالفسخ لعيب أو لغيره بعد الطلب في وجه المشتري) فهذا النص صريح في أن التراجع عن البيع بعد علم المشتري بطلب الشفيع للشفعة لا يبطل حق الشفيع في الشفعة.
الوجه الثالث: تقسيم الشفعة على الرؤوس بالتساوي دون اعتبار للذكورة أو الأنوثة ودون اعتبار لقدر ما يملكه كل شفيع في العين المشفوعة:
في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا كان المشتري والشفيع معاً ورثة في العين المشفوعة تحقق فيهما معاً سبب الشفعة، وقد قضى الحكم محل تعليقنا باستحقاقهما للمبيع بالتساوي على الرؤوس دون اعتبار للذكورة والأنوثة ولمقدار ما يملكه كل منهما في العين المشفوعة، فقد قضى الحكم محل تعليقنا بتقسيم العين المشفوعة بين الأخ الشفيع وأخته المشترية بالتساوي على أساس أن لكل رأس نصف المبيع، لأن حكم الشفعة يختلف عن أحكام الميراث التي تفاضل بين الذكر والأنثى عملاً بقوله تعالى: {..لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ..} ويؤيد الحكم محل تعليقنا في قضائه ما ورد في المادة (1258) مدني التي نصت على أنه: (وإذا تساوى الشفعاء في الطلب والسبب قسمت الشفعة على رؤوس الشفعاء)، والله أعلم.

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء


طباعة