عُمان ليست دولة وظيفية

عُمان ليست دولة وظيفية

في حلقة جديدة من مسلسل التهويل الذي بات سمة للسياسة الخارجية الأمريكية، خرج الرئيس دونالد ترامب بتصريح حمل تهديداً صريحاً لسلطنة عُمان، حين قال لمحطة "فوكس نيوز": "إذا وقفت عُمان في الطريق، فسنفجرهم".

هذا التهديد، الذي أطلقه الرئيس الأمريكي متحدثاً عن مفاوضات عُمانية-إيرانية بشأن مستقبل مضيق هرمز، لم يكن مفاجئاً لمن يتتبع نمط ترامب في التعامل مع الدول التي ترفض الانصياع الكامل للأجندة الأمريكية، إذ سبق أن هدد عُمان في مايو الماضي، حين قال خلال اجتماع مع وزرائه: "عُمان ستتصرف مثل أي دولة أخرى، وإلا فسنضطر لتفجيرهم".
ما الذي يزعج ترامب في سلطنة عُمان؟ ببساطة: أن عُمان لم تكن يوماً ضمن "دول الطاعة" التي تنحني لإملاءات واشنطن. فهذا البلد، الذي يُوصف بأنه "سويسرا الشرق الأوسط" بامتياز، تمسك منذ عهد السلطان قابوس رحمة الله تغشاه وحتى اليوم في عهد السلطان هيثم، بسياسة الحياد الإيجابي القائمة على مبدأ "صديق للجميع، لا عدو لأحد". هذه السياسة الحكيمة جعلت منه وسيطاً نزيهاً في كبرى النزاعات الإقليمية، حيث لعبت مسقط دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران لعقود، وكانت الجسر الخفي الذي قاد إلى الاتفاق النووي الإيراني عام 2015. لكن هذه الاستقلالية في القرار، وهذا التمسك بالحياد، يبدو أنهما يشكلان "جريمة" في نظر الرئيس الأمريكي، الذي يعتبر أن الدول إما أن تكون "دولاً وظيفة" تخدم الأجندة الأمريكية، أو أنها تستحق العقاب.
واللافت أن تهديد عُمان ليس حالة منعزلة، بل هو امتداد لنمط عدواني ممنهج، إذ سبق أن هدد ترامب بـ"شراء" غرينلاند من الدنمارك، و"استعادة" قناة بنما، ولم يستبعد استخدام القوة العسكرية لتحقيق ذلك. كما نشر على منصة "إكس" خريطة تظهر مضيق هرمز كأراضٍ أمريكية، في محاولة لترسيخ فكرة السيطرة الأمريكية على هذا الممر المائي الحيوي. هذه النماذج تكشف بوضوح أن الرئيس الأمريكي ينظر إلى الدول ذات السيادة باعتبارها أصولاً قابلة للشراء أو التهديد، وليس ككيانات لها سيادتها واستقلالها.
السبب المباشر لهذه التهديدات يعود إلى مساعي عُمان للتوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن تنظيم حركة الملاحة في مضيق هرمز، حيث أعلنت طهران ومسقط أنهما توصلا إلى "تفاهم بشأن خريطة طريق العبور". غير أن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بمن يدير المضيق، بل بمسألة أكثر حساسية: فرض رسوم على السفن العابرة. فبحسب مسؤولين أمريكيين، تعارض واشنطن بشدة أي ترتيبات تمنح إيران وعُمان صلاحية تحصيل رسوم من السفن، حتى لو كانت هذه الرسوم مخصصة لأغراض أمنية أو بيئية، حيث وصف مسؤول أمريكي الدور العماني في هذه المفاوضات بأنه "مزدوج وملتوي، وكأنهم موظفون لدى الإيرانيين". هذا الموقف يعكس إحباطاً أمريكياً عميقاً من عدم قدرة واشنطن على فرض رؤيتها على الملف، ويدفعها إلى اعتبار الحياد العماني "خيانة" للمصالح الأمريكية، بدلاً من اعتباره ممارسة مشروعة للسيادة الوطنية.
إن تهديد ترامب لعُمان لا يعكس فقط غضباً شخصياً، بل يكشف عن أزمة استراتيجية أوسع تواجهها السياسة الأمريكية في المنطقة. فبعد خمسة أشهر من الحرب المفتوحة مع إيران، تجد واشنطن نفسها عاجزة عن فرض شروطها على طهران، وتزداد عزلةً في موقفها المتشدد. كما تعكس التهديدات ارتباكاً في إدارة الملف الخليجي، حيث تشير تقارير إلى أن دولاً خليجية أخرى بدأت تتبنى سياسات التحوط وتنويع علاقاتها، متأثرة بعدم موثوقية الضمانات الأمريكية، وهذا التوجه الذي كان حكراً على عُمان لعقود أصبح اليوم نهجاً متزايداً بين جيرانها.
أخيراً، أي مساس بأمن سلطنة عُمان الشقيقة سيلقى إدانات واسعة من شعوب ودول المنطقة التي تدرك أن هذا البلد كان ولا يزال صمام أمان للاستقرار الإقليمي. فاليمن، التي تعلمت دروساً قاسية من الحروب والصراعات، وإيران، وغيرها من دول المنطقة، لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء أي عدوان على هذا البلد الشقيق. إن استمرار هذه السياسات المتهورة لن يخدم سوى مصالح أعداء أمريكا، وسيدفع المنطقة إلى مزيد من الفوضى والدمار، وسيكون مصير واشنطن في هذه المنطقة مشابهاً لما حدث في فيتنام وأفغانستان والعراق واليمن والصومال. فما على ترامب اليوم إلا أن يقرأ التاريخ ويستفيد من دروسه، ويترك عُمان وشأنها، فهي ليست في حاجة إلى نصائحك، ولا إلى تهديداتك، ولن تكون دولة وظيفية كسائر الأنظمة.


طباعة