غزة بين الإبادة والبطولة وإعادة رسم المشهد

غزة بين الإبادة والبطولة وإعادة رسم المشهد

ألف يوم مرت على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، فالرقم قد يبدو عابراً في تقويم الزمن، لكنه في غزة يعادل دهراً من الدم والدمار والصمود، وفي هذه الأيام الألف لم تغب الشمس إلا على مشهد جديد من الركام، ولم يشرق الصباح إلا على حكاية فقدٍ أخرى،

فهناك 2.4مليون إنسان تحوّلوا إلى ظلال تتنقل بين الأنقاض، تبحث عن مأوى من قصف لا يتوقف، وعن لقمة تسكت جوعاً مزمناً، وعن قطرة ماء تروي ظمأ لا ينقطع، فخلف كل إحصائية روحٌ كانت تحلم، وخلف كل رقم قصة شعب يئن تحت وطأة إبادة موثقة على الهواء مباشرة.
لم تعد المعركة مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى استراتيجية ممنهجة لإلغاء السيادة والقانون عبر تدمير شامل لمقومات الحياة، والهدف لم يكن "الردع" فقط، بل إعادة هندسة الواقع الجغرافي والديموغرافي والسياسي للقطاع، ثم تصدير هذا النموذج العملياتي إلى جبهات إقليمية أخرى، ففي ذكرى الألف يوم، تقف غزة شاهدة على تحول بنيوي عميق حصار جائر، ضفة تُبتلع أرضها، قدس تُستباح، ومجتمع دولي يراوح بين العجز والتواطؤ، ومنذ السابع من أكتوبر 2023، أثبتت غزة للعالم صورتين متلازمتين لا يستقيم إدراك المشهد دون قراءتهما معاً:
الأولى: صورة الكارثة الإنسانية التي حلت بالقطاع وأهله وتدمير البنى المدنية، استهداف المستشفيات والمدارس، وتجويع ممنهج وسياسة عقاب جماعي هدفها تدمير حواضن المقاومة وتأليب الاهالي عليها.
الثانية: صورة البطولة الأسطورية لمقاومة شعبية مدججة بالإرادة أمام عدو مدجج بالسلاح والكراهية ومقاومة كسرت حاجز الخوف، وتجاوزت عقدة "الجيش الذي لا يقهر"، وأنهت وهماً حاولت تل أبيب وبعض العواصم تكريسه لعقود.
لم يكن السابع من أكتوبر بداية التاريخ الفلسطيني، فقد سبقته صفحات دامية من الحروب والانتفاضات، ولكن "الطوفان" شكّل زلزالاً لا تزال هزاته الارتدادية تضرب الإقليم والعالم، وأعاد القضية من هوامش كتاب الشرق الأوسط إلى صدارة اهتمام العالم وجداول أعماله، ويكفي المقاومة أنها أنجزت "خداعاً استراتيجياً" غير مسبوق لأجهزة استخبارات متحالفة، بعضها من الأهم عالمياً، ويكفيها أنها أدارت حرباً نفسية وإعلامية بكفاءة مدهشة، فكانت النتيجة نصراً مبيناً للسردية الفلسطينية مقابل تآكل الرواية الإسرائيلية، فلقد أصيب الاحتلال بـ"متلازمة غزة" التي ستطارد المحتلين جيلاً بعد جيل، وإسرائيل بعد الطوفان لن تعود كما كانت قبله وجيشها الذي قيل إنه "لا يُقهر" قُهر في غزة، وتحول عشرات آلاف ضباطه وجنوده إلى مرضى بمتلازمة ما بعد الصدمة.
تحولت غزة إلى "اسم حركي" يختزل كفاح شعب لأكثر من مئة عام وصارت عنواناً لكل أحرار العالم ضد اليمين المتطرف والعنصرية البغيضة، فما ان ترى لافتة تندد بالإبادة وتمجد غزة في أي بقعة من العالم، حتى تدرك أن فلسطين باتت محوراً لحراك إنساني دولي، وأن كفاح أهلها صار رمزاً عالمياً ينشد التحرر والعدالة، وهذا الحراك يكشف انكشاف الغرب الرسمي وتواطؤ بلغ مستوى الفضيحة يدفع قادته ثمنه في صناديق الاقتراع، ولكن العزاء أن شعوب الغرب مازالت حية، بدأت تعيد كتابة التاريخ في مسار لا يعد الإسرائيليين سوى بمزيد من العزلة والنبذ.
لولا "إسناد" غزة لما تداعى الطوفان إلى حربي يونيو 2025 وفبراير 2026م حربان شهدتا فشل إسرائيل في استعادة الردع، وواشنطن في فرض الهيمنة، بعد صمود إيران ومحور المقاومة، وانتهت المواجهات بمذكرة تفاهمات جاءت لصالح طهران، لأن الحلف الأمريكي-الإسرائيلي فشل في تحقيق أهدافه.
بالمقابل، كشفت الحرب عورة النظام الرسمي العربي والإسلامي الذي عجز عن توفير لقمة طعام وشربة ماء لأطفال غزة، فضلاً عن دعم مقاومتها، ومن المعيب تحميل المقاومة وزر هذا العجز الذي وصل حد التواطؤ، بينما المقاومة تدفع ثمن خيارها، فبعد ألف يوم، يعرف الفلسطينيون الحقيقة بوضوح، فاستطلاعات الرأي المتعاقبة تؤكد غالبية الشعب، رغم الثمن الباهظ، ما زالت تحتفظ برأي إيجابي داعم للطوفان، وتؤمن بسلاح المقاومة، وتمنح تأييدها لحماس مقابل أقلية ضئيلة تدعم خيارات السلطة.
الأهم هنا أن الفلسطينيين لم يفقدوا الثقة بمشروعهم الوطني ومشروعية كفاحهم وما زالوا متمسكين بوطنهم الذي لا وطن لهم غيره، فالصراع مستمر لأجيال، والفلسطينيون بعد الطوفان سيستأنفون كفاحهم من موقع أعلى وبثقة أكبر.
لقد انقلب الواقع من يُفترض بالمجتمع الدولي تجريمهم يسميهم "دعاة سلام"، ومن يطالب بحقه يُذبح على مرأى العالم، فعن أي عدالة يتحدثون؟ ومن الأحمق الذي يفرط في سلاحه وهو يواجه هذا الإجرام؟
المعادلة باتت واضحة الحروب لا تُكسب بقتل المدنيين، والقتلة خاسرون وإن ربحوا، لأن هناك أجيال من المصممين على الأخذ بالثأر هي التي ستحمل الراية، بعد أن تأكد لها أن عدوها لم يترك لها خياراً سوى القبر أو المنفى، ولكن غزة أثبتت أن هناك خياراً ثالثاً: الصمود والمقاومة حتى التحرير.
غزة بعد ألف يوم لم تنكسر، بل كتبت معادلة جديدة المقاومة تنتشل القضية من التهميش، وتصنع كلفة باهظة للاحتلال، وتعيد رسم خريطة الإقليم، والصراع الفلسطيني مع العدو مستمر، لكن من موقع أعلى وبثقة أكبر.


طباعة