على خطى ذي القرنين: "فأعينوني بقوة" لنبني سدنا بأيدينا
يقول المثل: "يدٌ واحدة لا تصفق"، ولكن حين تجتمع الأيدي تشقُّ الجبال وتُبنى السدود؛ إن بناء الأوطان لا يقوم على انتظار المعجزات، بل على روح المبادرة التي تخرج من قلب المجتمع.
ولكي تتضح الصورة، لنستفد من قصة ذي القرنين؛ فعندما وصل إلى قومٍ يعانون من خطر يأجوج ومأجوج، لم يطلبوا منه مجرد المساعدة، بل عرضوا عليه المال مقابل أن يقوم هو بكل العمل، حيث قال تعالى: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا}.
لكنَّ ذا القرنين، الذي يمتلك القوة والعلم، علّمهم (وعلّمنا) درساً بليغاً في المشاركة المجتمعية؛ إذ رفض المال واشترط عليهم "الجهد البشري" والمشاركة الفاعلة، فقال تعالى: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا}.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا طلب منهم الإعانة بالقوة؟
1. تعزيز الانتماء: فالمشروع الذي تعرق فيه جباهنا هو المشروع الذي سنحافظ عليه بأرواحنا.
2. استنهاض الهمم: فالمجتمع ليس "زبوناً" يدفع المال وينتظر الخدمة، بل هو شريكٌ أصيل في التنمية.
3. الاستدامة: فعندما يشارك الجميع تذوب الصعاب وتتحول الأحلام إلى واقع ملموس، ويكون المشروع ملكاً للجميع يحافظون عليه ويهتمون بصيانته؛ فلا نكتفي بترديد عبارات مثل: "هذا حق الدولة، ستأتي الدولة لإصلاحه وعليها القيام بالصيانة".
إن مساهمتكم اليوم في بناء السد ليست مجرد تبرع أو عمل تطوعي، بل هي:
•أمان مائي: لتأمين مستقبل أولادنا وزراعتنا.
•صدقة جارية: تذكروا أن كل قطرة ماء يحفظها هذا السد هي في ميزان حسنات كل من وضع حجراً، أو ساعد بكلمة، أو قدم خدمة.
•كرامة مجتمعية: أن نأكل مما نزرع، ونشرب مما نحفظ، بأيدينا وعزيمتنا.
وبالعودة إلى بقية القصة في سد "ذي القرنين": فلا مكان للمتفرجين!
فعندما قرر ذو القرنين بناء السد، لم يقل: "أنا سأفعل كل شيء"، بل وضع نظاماً للمشاركة المجتمعية قسّم فيه الأدوار حسب قدرات الناس؛ ليعلمنا أن بناء السدود يتطلب تكاتف العقول، والأموال، والجهود.
"آتوني زُبَرَ الحديد": (المواد الخام والتمويل)
بدأ ذو القرنين بطلب المادة الأساسية، فقال للقوم: "المواد الخام عليكم". وهذه دعوة لكل مقتدر وتاجر وصاحب مال؛ فإذا كنت تملك "زُبر الحديد" (الأسمنت، الأحجار، الحديد، أو المال لشرائها)، فهذا هو وقت العطاء. فالمبادرة المجتمعية تبدأ بمن يقدم الأصول والمواد التي يقوم عليها البناء، إذ لا يتحرك العمل بدون مادة، والمادة تأتي من سخاء المجتمع.
"انفخوا": (المشاركة بالجهد البدني والعمل المستمر).
وهنا نأتي لأجمل لفتة في القصة، فقد يقول البعض: "أنا لا أملك المال، ولا أملك الحديد، فهل أنا معفى؟" فجاء الرد: انفخوا! والنفخ هنا هو مجهود عضلي، واستمرارية، وهو "نَفَس" العمل. فمن لا يملك المال يملك "رئتين" قويتين وسواعد فتية؛ ومن لا يستطيع شراء المواد، عليه أن يقف في الميدان ليعمل، لينقل الحجر، وليُحرّك العمال، وليُشجّع المتطوعين. إن "النفخ" هو أقل القليل لكنه المحرك الأساسي؛ فبدون نفخ هؤلاء البسطاء لن تشتعل النار، ولن يذوب الحديد، ولن يلتصق السد. فجهدك البدني هو الوقود الذي يُحيي المشروع.
"آتوني أُفرِغ عليه قِطراً": (التخصص واللمسات الفنية)
بعد جمع المواد (الحديد) وبذل الجهد (النفخ)، طلب ذو القرنين "القطر" (النحاس المذاب) لختم العمل وتأمين جودته. وهذا هو دور المهندسين، والمشرفين، وأصحاب الخبرة؛ فهم من يضعون "القطر" في مكانه الصحيح ليضمنوا أن السد لن يُخرق. هي دعوة لأصحاب العقول ليساهموا بخبراتهم مجاناً كجزء من واجبهم نحو مجتمعهم.
يا أهل الخير...
كما نادى ذو القرنين في قومه، نناديكم اليوم.. السد يحتاج إلى "زُبر حديدكم" ويحتاج أكثر إلى "نَفخكم". لا يحتقرنَّ أحدكم من المعروف شيئاً؛ فالسد الذي حماه الله لقرون، بُني بأنفاسِ قومٍ بسطاء لم يملكوا إلا أن "ينفخوا" بصدق وإخلاص. فليشارك الجميع بالجهد، وبالمال، وبالفكر.. المهم ألا تكون متفرجاً!
إن السد ليس مجرد جدار من الإسمنت والحجر، بل هو جدار من الوحدة والتكاتف. كونوا كبنيان ذي القرنين؛ سداً منيعاً في وجه الحاجة، ومنارةً للإنجاز.
السد ليس نهاية المشوار.. بل هو البداية!
إن نجاحنا اليوم في رصِّ الصفوف، وجمع "زُبر الحديد"، والنفخ في كير العمل لبناء هذا السد، ليس مجرد إنجازٍ هندسي أو توفيرٍ لمورد مائي، بل هو الشرارة العظمى التي ستوقد في نفوسنا روح التعاون التي خبت، وتُعيد إلينا الثقة بأننا أمة "تستطيع" إذا أرادت. إن هذا السد سيكون النواة التي تنفجر منها ينابيع المبادرة في كل شبر من منطقتنا؛ فبناء الإنسان يسبق العمران، والسد الذي بنيناه بسواعدنا سيعلمنا أن الاعتماد على الذات هو طريق الكرامة، وسيظل نموذجاً يُحتذى به لغدٍ مشرق نقول فيه لأبنائنا إننا بنينا السد حين تكاتفنا، ليكون ذلك دافعاً لنا لبناء المدرسة والمستشفى وطريق الأمل بجهودنا الذاتية.
لقد ذابت الخلافات حين امتزج العرق بـ "القِطر"، وهذا التلاحم هو المكسب الحقيقي ووحدة المصير التي سنستثمرها في مشاريع تنموية كبرى تغير وجه المنطقة بأسرها. وتذكروا دائماً أن ذا القرنين لم يبنِ السد ويرحل، بل ترك خلفه مجتمعاً يعرف كيف "يُعين بقوة"، ونحن اليوم بوضعنا للحجر الأخير في هذا السد نضع حجر الأساس لمستقبل مشرق، قوامه المبادرة، وسقفه التعاون، وغايته رفعة مجتمعنا. فلنكن نحن التغيير الذي ننشده، ولنجعل من نجاح السد قصة ترويها الأجيال عن المجتمع الذي إذا قرر.. فعل.