اليمن ورحلة الخروج إلى السلام
إن قراءة المشهد اليمني اليوم لا يمكن النظر إليه بمعزل عن التحولات الدولية التي أعادت تشكيل موازين القوى وأساليب إدارة الصراعات فقد تحوّل اليمن بحكم موقعه وتاريخه وتعقيداته الداخلية إلى ساحة تتداخل فيها الاعتبارات المحلية مع الحسابات الإقليمية والرهانات الدولية الأمر الذي يجعل أي مقاربة سطحية قاصرة عن فهم عمق الأزمة وجوهرها.
إن الأزمة اليمنية حصيلة تراكم طويل من التصدعات الداخلية التي أضعفت مؤسسات الدولة وكسرت وحدة القرار وعمّقت الشروخ بين المكونات الوطنية حتى باتت الثقة مفقودة والنسيج الاجتماعي عرضة للانهيار ومع هذا الضعف البنيوي تمددت الأزمة إلى الإقليم فتحوّل اليمن إلى مساحة تنافس حقيقي بين القوى الإقليمية التي وجدت في هشاشة الدولة فرصة لتمرير حساباتها الأمنية والسياسية والاقتصادية وفي الوقت نفسه اكتفى المجتمع الدولي لسنوات بالنظر إلى اليمن من الزاوية الإنسانية فقط متجاهلًا أن جذور المأساة سياسية في الأساس وأن غياب معالجة سياسية عميقة هو الذي جعل الأزمة الإنسانية تتضخم إلى هذا الحد.
لم يكن المواطن اليمني بعيدًا عن هذه الدوامة بل كان ضحيتها الأولى فاقتصاد الدولة انهار وضاعت الخدمات الأساسية وتلاشت مصادر الدخل ونشأ جيل كامل لم يعرف من الحياة سوى أجواء الحرب وكل هذا الإنهاك المجتمعي أنهك الروح وتجاوز قدرة الناس على الاحتمال وجعل أي حل سياسي لا يلامس الجوانب الإنسانية والاقتصادية حلًا ناقصًا لا يمكنه الصمود أو إنتاج استقرار دائم والطريق نحو العلاج لا يبدأ من الخارج بل من الداخل لأن الحل الحقيقي يحدث عندما تتوافق الأطراف اليمنية على قاعدة الاعتراف المتبادل والبعد عن منطق الإقصاء والعمل على بناء توافق وطني جامع يؤسس لعقد سياسي جديد يعيد التوازن والتمثيل العادل لكل القوى.
ولا يمكن لأي مسار سياسي أن ينجح في ظل اقتصاد منهار لذلك يصبح إصلاح الوضع الاقتصادي شرطًا لا غنى عنه من خلال إصلاح المؤسسات المالية وإطلاق برامج إنعاش عاجلة وفتح الموانئ والمطارات وإعادة تشغيل دورة العمل والرواتب لأن السياسة لا تقف على أرض خالية من الاستقرار المعيشي.
كما أن الدور الخارجي مهما كان حجمه يجب ألا يتحول إلى وصاية على القرار الوطني لأن ما نحتاجه هو دعم يسهل لا يوجه وشراكة تساعد على الإعمار لا تحاول التحكم بمسار الأحداث.
وفي هذا السياق يصبح بناء سلام شامل عملية تتم على مراحل تبدأ بوقف إطلاق النار وإجراءات إنسانية عاجلة ثم تنتقل إلى حوار سياسي يحدد شكل المرحلة الانتقالية والعقد الاجتماعي القادم وتنتهي ببناء الدولة الحديثة القائمة على مؤسسات موحدة وجيش وطني ومكافحة فساد وإعمار منظم يخدم أولويات اليمنيين.
إن ما نطلبه من العالم ليس التدخل في سيادتنا بل التزامًا حقيقيًا بدعم مفاوضات عادلة وإيقاف أي تدخلات تزيد من عمر الحرب وتقديم شراكة اقتصادية حقيقية تساعد اليمن على النهوض واحترام حق اليمنيين في اختيار مستقبلهم دون وصاية فاليمن لا يمكن أن ينهض إلا بإرادة وطنية صادقة تتقدمها نية سياسية جادة مترافقة مع دعم دولي حقيقي وصادق ووعي مجتمعي يدرك أن المستقبل أهم من الماضي وأن إعادة بناء وطن دُمّر طيلة سنوات تتطلب وعيًا وشجاعة لا صراعًا ومعاندة.
وهكذا فإن مسؤوليتنا نحن أبناء اليمن هي أن نعيد الثقة في قدرتنا على إدارة شؤوننا وأن نثبت أن اليمن قادر على استعادة دوره التاريخي ومكانته وأن السلام ليس خيار الضعفاء بل مشروع الأقوياء الذين يريدون بناء دولة تحفظ كرامة الإنسان اليمني وتعيد له حقه في الحياة والأمن والاستقرار.
إن السلام في اليمن ليس مجرد اتفاق بين أطراف متصارعة بل هو امتحان لوعينا الجمعي وقدرتنا على إعادة اكتشاف ذاتنا خارج ضجيج البنادق فالأمم لا تنهض إلا حين تنتصر على دوافع الحرب وامتلاك الحكمة فالمستقبل لا يُصنع بالثأر بل بالتسامح ولا يبنى بالخوف بل بالإيمان بحق الإنسان في حياة كريمة.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب تستهلك أعمار الشعوب بينما السلام يصنع تاريخها وأن الأوطان تتعافى عندما تمتلك شجاعة الوقوف أمام مرآة الحقيقة وهذه الشجاعة هي ما يحتاجه اليمن اليوم شجاعة تقودنا إلى تجاوز رواسب الماضي وإلى بناء يقين جديد بأن اليمن قادر على أن يبدأ من جديد مهما بدا الطريق طويلًا ومليئًا بالعقبات.
ليس قدر اليمن أن يبقى ساحة تتنازعها القوى ولا قدر الإنسان اليمني أن يعيش على هامش العالم بل يجب أن يكون شريكًا في صناعة مستقبله وصوتًا حاضرًا في صياغة مصيره اليوم أكثر من أي وقت مضى .
يحتاج بلدنا إلى وحدة إرادة تتقدم على الخلافات وإلى وعي يدرك أن الوطن لا يُبنى بيد واحدة بل بقلوب تتسع للجميع فالسلام الذي ندعو إليه هو مشروع جيل كامل مشروع لاستعادة الإنسان قبل استعادة الدولة ولإحياء الأمل قبل ترميم الجدران فإذا نجحنا في استعادة هذا الأمل فإن اليمن سيكون أقوى مما كان دولةً تحمي أبناءها وشعبًا يصنع مستقبله ووطنًا يجد العالم فيه نموذجًا للتعافي بعد الألم.
*سياسي يمني .