بذور البطاطس .. معركة سيادة وطنية في وجه الاستيراد الخارجي !
في الوقت الذي تضع فيه اليمن أقدامها بثبات على أعتاب السيادة الغذائية، وتكسر أغلال الارتهان للخارج، تبرز إلى السطح محاولات خبيثة تقودها "لوبيات الفساد" لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
في الوقت الذي تضع فيه اليمن أقدامها بثبات على أعتاب السيادة الغذائية، وتكسر أغلال الارتهان للخارج، تبرز إلى السطح محاولات خبيثة تقودها "لوبيات الفساد" لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
وتخوض اليمن معركة الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي، التي لا تقل ضراوة عن جبهات القتال في مختلف المديريات عبر الجمعيات التعاونية الزراعية، إلا أن البلاد تواجه اليوم "عدوانا زراعيا" ناعما يتمثل في شحنات بذور مشبوهة، تحاول التسلل عبر المنافذ لضرب المنجز الوطني الذي تحقق في سبتمبر 2022م بإعلان الاكتفاء الذاتي من بذور البطاطس.
اليمن - خاص
التحام بين الأرض والإنسان
وخلال الأيام الماضية، احتشد العشرات من المزارعين ومكاثري البذور من أبناء ذمار، أمام وزارة الزراعة والري بصنعاء، على متن العديد من الشاحنات المحملة بأطنان من البذور والبطاطس المحلية، في التحام بين الأرض والانسان، لم يكن وقوفهم أمام الوزارة مجرد عرض للقوة الإنتاجية من بذور البطاطس، بل كانت صرخة نذير وتنديد بما وصفوه بـ "التدمير الممنهج للأمن الغذائي".
وأعلن مكاثرو البذور عن رفضهم القاطع لدخول شحنات بذور أجنبية، حصل عليها بعض التجار من شركات خارجية بصورة تثير الريبة والشبهة، نظرا لما تم تداوله بأنها "مجانية"، واعتبروا أن محاولة إغراق السوق بهذه البذور، رغم امتلاء المخازن العملاقة في ذمار وعمران وصنعاء وريمة وغيرها بمحصول بذور البطاطس ذات الجودة المحلية العالية، هي "خيانة عظمى" وطعنة غادرة في خاصرة توجهات ثورة 21 سبتمبر التي رفعت شعار "نأكل مما نزرع" والحرية والاستقلال.
وتتجه أنظار مكاثرو البذور من المزارعين ومراكز اكثار البذور الوطنية، صوب جمرك رقابة عفار، حيث تحتجز الجهات المعنية هناك، شحنة بذور بطاطس مستوردة، تدور حولها الشبهات الكبيرة، والتساؤلات المريبة، حول "تقديم شركة أجنبية بذورا مجانية لتاجر محلي خلال هذه الفترة بالذات بعد أربع سنوات من إعلان الاكتفاء الذاتي"؟
العفن البني
وتكمن الإجابة وفق تصريحات صحفية، لمدير التنفيذي للمركز الأول لإنتاج بذور البطاطس، المهندس إبراهيم عبدالله محمد ضيف الله، ، أن الفحص الأولي أثبت إصابة هذه الشحنة بمرض "العفن البني"، لا تزال محتجزة في جمرك عفار بالبيضاء، وفق حديثه.
وأشار ضيف الله، إلى أن "المخازن والثلاجات الخاصة بالمركز ممتلئة بالبذور"، مبينا أن مسؤولي وزارة الزراعة يدركون تماما بكفاية المخزون المحلي لتغطية حاجة البلاد.
وأوضح ضيف الله، أن تلك الشحنة تمثل تهديدا حقيقيا للمزارعين وللمحاصيل المحلية، مبينا أن إدخال تلك الكمية إلى السوق سيؤدي إلى دمار واسع للمزارعين ولمخزون البلاد من البذور.
وتساءل ضيف الله، "لماذا جاءت تلك الشحنة المجانية من بذور البطاطس إلى اليمن من إحدى الشركات الأجنبية لأحد المستوردين، وأتهم نافذين بمحاولة "تمرير الشحنة رغم معرفتها بخطورة الأمر وضرره على الإنتاج المحلي".
مؤامرة على النجاح
لهذا السبب، إن الوباء البكتيري ليس مجرد آفة عابرة، بل هو "إبادة جماعية" للتربة، حيث يظل كامنا في الأرض لسنوات طويلة، محولا الأراضي الخصبة إلى مساحات بائرة غير صالحة للزراعة، مما يعني نسف مستقبل الزراعة في اليمن للأجيال القادمة.
حيث نجح المزارع اليمني خلال السنوات الماضية من العدوان في مضاعفة المساحات المزروعة بقرابة 250%، وتوسعت خارطة الإنتاج لتشمل محافظات جديدة منها الجوف وريمة ومديريات جديدة في إب، مما جعل الاستيراد بعد إعلان الاكتفاء الذاتي، ليس ترفا، بل جريمة اقتصادية تهدف لتدمير المنتج الوطني وتحطيم معنويات المزارع الصلب الذي وجد نفسه قويا في الجبهة الزراعية.
السيادة الغذائية
وفي هذا السياق، نتذكر كلمات الرئيس الشهيد صالح الصماد، التي تبرز في الوقت الراهن كمنهاج عمل، حين قال عن الشركة العامة لإنتاج وإكثار بذور البطاطس، :" هذه الشركة الرائدة استطاعت أن تنقل الوضع في جانب البطاطس في البذور من الاستيراد إلى الاكتفاء الذاتي، وعلى وزارة الزراعة دعم هذه الشركة".
وخلال فترة وجيزة تم انتشال وضع الشركة التي كانت على وشك الإغلاق، ولكن بوجود الإدارة المؤمنة التي تعمل ضمن الجبهة الزراعية، استطاعت من تحقيق طفرة اقتصادية وتقنية استثنائية، نقلت اليمن من مربع الارتهان للخارج واستنزاف ملايين الدولارات في استيراد قرابة 2000 طن من البذور الموبوءة سابقا، إلى مرحلة السيادة الغذائية الكاملة بإنتاج وتداول 300 ألف طن سنويا من تقاوي وبطاطس الأكل، وهو إنجاز مذهل نجح في توفير أكثر من مليوني دولار من العملة الصعبة سنويا، مع تقديم 16 صنفا محليا عالي الجودة وخاليا تماما من الآفات والأمراض عبر تقنيات زراعة الأنسجة المتطورة، ليغلق بذلك ملف مخاطر الأوبئة المستوردة كـ "العفن البني" ويؤسس لقاعدة إنتاج وطنية مستدامة بعيدا عن الإملاءات الخارجية.
شحنة ملغومة
بينما يرى باحثون مختصون في المجال الزراعي، أن وصول اليمن للاكتفاء الذاتي أزعج الكثير من الشركات الأجنبية التي فقدت سوقا استهلاكيا كبيرا، واعتبروا أن هذه الشحنات "المجانية" ليست إلا هدايا ملغومة، هدفها السيطرة على السوق مجددا عبر تدمير قاعدة الإنتاج المحلي، مع التأكيد أن الاستيراد بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي ليس شطارة تجارية، بل هو تجاوزا لقرارات الدولة، وإهانة لدماء الشهداء الذين ضحوا من أجل استقلال القرار السياسي والاقتصادي.
ورغم ذلك، لا يزال "لوبي الاستيراد" يحاول إحياء دور السفارة الأمريكية السابق في محاربة الزراعة اليمنية، هو تحد صارخ لتوجيهات القيادة الثورية ممثلة بالسيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، الذي يولي الأمن الغذائي أهمية قصوى باعتباره ركيزة الحرية والاستقلال.
مطالب عاجلة
وأمام هذه الكارثة الوشيكة، يرفع مكاثرو البذور والمزارعون في ذمار وغيرها من المناطق، مطالب عاجلة إلى القيادة الثورية والسياسية ورئاسة الحكومة، بتشكيل لجنة تحقيق عليا في كيفية السماح بطلب هذه الشحنة، وكشف الأيادي الخفية التي تسهل لـ "لوبي الفساد" ضرب المنجزات الوطنية، وكذلك مصادرة الشحنة والتوجيه الفوري بإتلاف الشحنة المحتجزة في جمرك عفار، وضمان عدم تسريبها إلى السوق المحلي، تحت أي مبرر، لحماية التربة اليمنية من التلوث البكتيري الخطير، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في هذه المؤامرة، سواء من التجار أو النافذين الذين حاولوا تمرير هذه الشحنة المشبوهة رغم معرفتهم بخطورتها.
ودعوا إلى تشديد الرقابة على كافة المنافذ لمنع استيراد أي بذور خارجية طالما والمخزون المحلي يغطي احتياج السوق بنسبة 100%، لأن المعركة اليوم هي معركة بقاء، فإما أن نحمي بذورنا وأرضنا، أو نتركها لقمة سائغة لمن يريدون تحويل انتصارنا الزراعي إلى هزيمة معيشية تتجرع مرارتها الأجيال.
حقائق ميدانية
إعلان الحكومة في صنعاء عن الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي من بذور البطاطس أو غيرها من المحاصيل الزراعية، لم يكن مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي أو استعراضا عابرا، بل هو ترجمة فعلية لخطط وطنية استراتيجية مدروسة وقراءة دقيقة لواقع المخزون والإنتاج المحلي بما يلبي كامل احتياجات السوق الوطنية، وهو ما يجعل أي محاولة للاستيراد في ظل هذا الفائض تمردا صريحا على الحقائق الميدانية، ومؤامرة مكشوفة لإفراغ النجاحات المحققة من مضمونها الاقتصادي والسيادي.