محمد صلاح .. قصة الكفاح والحلم المصري بالوصول إلى قمة العالم

هناك لاعبون نصفق لهم عندما يسجلون، وهناك لاعبون نشعر أن جزءاً من حياتنا يسير معهم مباراة بعد أخرى، ومحمد صلاح من النوع الثاني!.

محمد صلاح .. قصة الكفاح والحلم المصري بالوصول إلى قمة العالم

هناك لاعبون نصفق لهم عندما يسجلون، وهناك لاعبون نشعر أن جزءاً من حياتنا يسير معهم مباراة بعد أخرى، ومحمد صلاح من النوع الثاني!.

سمير القاسمي

كنت أعلم أن لحظته ستأتي، حين استلم الكرة على الطرف ثم بدأ يتجه نحو العمق، شعرت أن المشهد مألوف بشكل غريب، نهضت من مكاني تلقائياً، كما كنت أفعل منذ سنوات طويلة، وأشرت بيدي وكأن صوتي سيصل إلى الملعب، مررها الآن... ألعبها واحد، اثنين... الطريق واضح!
فعلها صلاح، وفي اللحظة نفسها فهم زيزو الفكرة، وتحرك كما يجب أن يتحرك الشريك الذي يعرف لغة زميله دون كلمات!
توقفت الثواني للحظة، لم أعد في مباراة بكأس العالم، بل عدت سنوات إلى الوراء!
إلى أيام بازل، إلى ذلك الشاب الذي كنا نتابع كل لمسة له وكأنها تخصنا شخصياً، إلى المباريات التي كنا نقف خلالها أمام الشاشات، نحلل ونوجه ونحلم معه، رغم أنه لا يسمعنا!
عدت إلى كل الرحلة، رحلة محمد صلاح، ثم عاد الزمن إلى الملعب، واكتملت اللقطة، تمريرة، ثم لمسة، ثم هدف!
هدف يشبه أهدافه الكثيرة في إنجلترا وأوروبا، لكنه مختلف تماماً هذه المرة!
لأن الهدف لم يكن من أجل نقاط في الدوري، ولا من أجل ليلة أوروبية جديدة، بل من أجل وطن كامل ينتظر لحظة تاريخية!
حتى الاحتفال كان مختلفاً، شعرت أنني أقفز معه كما قفزت لأول أهدافه في محطاته المختلفة، من بازل إلى فيورنتينا، ومن روما إلى ليفربول، كانت الفرحة تتجدد وكأن السنوات لم تمر!
مرحباً بعودتك يا محمد، أو ربما الأصح أن نقول، مرحباً بعودتنا جميعاً، لأن بعض اللاعبين عندما ينجحون يعيدون للجماهير شيئاً من أحلامها القديمة!
ثلاثة وثلاثون ألفاً وستمائة وثمانية وعشرون يوماً، أكثر من اثنين وتسعين عاماً مرت على أول مشاركة مصرية في كأس العالم!
منذ المشاركة التاريخية عام 1934 كأول منتخب أفريقي يظهر في المونديال، مروراً بعودة 1990، ثم ظهور 2018 الذي قاتل فيه صلاح مصاباً، وحتى نسخة 2026 التي دخلتها مصر وسط كثير من الشكوك والتحديات!
كان كل شيء يبدو معقداً، حتى في حياته الشخصية كلاعب، تغيرت أمور كثيرة، علاقات طويلة انتهت، وفصول جميلة أُغلقت، وأصبح الوطن هو الثابت الوحيد الذي لا يتغير!
وعندما لم يبق سوى قميص المنتخب، أصبح الانتصار ضرورة لا خياراً، لهذا كان صلاح حاضراً!
ساهم في معظم أهداف مصر في البطولة، وقاد منتخب بلاده نحو إنجاز انتظرته أجيال كاملة. وكل رقم صنعه في الملاعب الإنجليزية، وكل إنجاز حققه مع ليفربول، لا يمكن أن يضاهي قيمة هدف واحد يمنح شعباً بأكمله لحظة فخر لا تُنسى!
في أرض الأهرامات، انتهت لعنة استمرت قرابة قرن، وانتهت بوجوده، الكثيرون قالوا إنه انتهى قبل عام واحد فقط. كعادتها كرة القدم، تحب أن تستعجل الحكم على الأساطير!
محمد صلاح كان دائماً قصة كفاح، وحلماً مصرياً سار من شوارع بسيطة حتى وصل إلى قمة العالم، ثم عاد ليمنح بلده لحظة ستروى لأجيال طويلة!
وفي النهاية، ربما تعلمنا هذه القصة درساً بسيطاً، ليس كل تأخير يعني النهاية، وليس كل انتظار خسارة، فبعض اللحظات تحتاج سنوات طويلة حتى تكتمل روعتها!.


طباعة