في سياق التحولات الجيوسياسية المتسارعة .. مخاطر وانعكاسات الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال على أمن اليمن والإقليم

في 26 ديسمبر 2025 أعلن الكيان الإسرائيلي اعترافه الرسمي بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة، لتصبح بذلك أول دولة تمنح هذا الاعتراف منذ إعلان الإقليم انفصاله عن الصومال عام 1991.

في سياق التحولات الجيوسياسية المتسارعة .. مخاطر وانعكاسات الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال على أمن اليمن والإقليم

في 26 ديسمبر 2025 أعلن الكيان الإسرائيلي اعترافه الرسمي بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة، لتصبح بذلك أول دولة تمنح هذا الاعتراف منذ إعلان الإقليم انفصاله عن الصومال عام 1991.

وقد أثار هذا القرار ردود فعل واسعة من الدول العربية والإفريقية، معتبرةً الخطوة انتهاكاً للقانون الدولي ومبدأ وحدة الأراضي، وتنبئ بتداعيات استراتيجية على بيئة الأمن الإقليمي، لا سيما بالنسبة للدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن مثل اليمن وفي ظل تصاعد التنافس الإقليمي والدولي في هذه المنطقة، برزت نقاشات سياسية وأكاديمية حول هذا الاعتراف الإسرائيلي ، بإقليم أرض الصومال الذي أعلن انفصاله عن الصومال منذ عام 1991 دون أن يحظى باعتراف دولي .. تفاصيل أكثر في السياق التالي :

د. علي أحمد الرحبي *

يمثل إقليم القرن الإفريقي أحد أكثر الأقاليم حساسية في النظام الدولي المعاصر، نظرًا لموقعه الجغرافي المشرف على أهم الممرات البحرية العالمية، وعلى رأسها مضيق باب المندب وخليج عدن الذي يمر عبره نحو 20% من التجارة العالمية .
وبالتالي فإن الاعتراف بأرض الصومال أو " صومال لاند" لا يقتصر على بعده السياسي الرمزي، بل يحمل أبعادًا استراتيجية وأمنية قد تسهم في إعادة توزيع موازين القوة البحرية والاستخباراتية في خليج عدن، بما يحد من هامش المناورة الاستراتيجية لليمن ويؤثر في موقعه ضمن معادلة الأمن الإقليمي.
إذ يشترك اليمن وأرض الصومال في المجال البحري ذاته، ويتأثر اليمن مباشرة بأي تغيّر في أنماط الانتشار العسكري أو الاستخباراتي في الضفة الإفريقية المقابلة لخليج عدن.

أهمية الموقع الجغرافي لأرض الصومال
يبلغ طول ساحل أرض الصومال نحو 850 كيلومترًا بمحاذاة خليج عدن، مما يمنحه إشرافًا مباشرًا على الممر المائي الدولي الذي يربط بين المحيط الهندي والبحر الأحمر حيث يُعد مضيق باب المندب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر أحد أكثر نقاط الاختناق الملاحي أهمية عالميًا، حيث يمر عبره نحو 20% من التجارة البحرية العالمي) هذا الامتداد الساحلي لأقليم أرض الصومال يمنحه عدد من المزايا الاستراتيجية :
- موقعا استراتيجيا للمراقبة البحرية والسيطرة على الملاحة.
- فرصًا لإنشاء قواعد لوجستية أو مراقبة استخباراتية.
- إمكانية لعب دور في مكافحة التهديدات العابرة للحدود مثل القرصنة وتمويل الجماعات المسلحة.
- يُظهر هذا الموقع قيمته العسكرية والاقتصادية، وهو ما يفسر اهتمام دول إقليمية وأطراف دولية بالتفاعل معه رغم غياب الاعتراف الدولي المُعترف به دوليًا.

الأهمية الجيوستراتيجية في التوازنات الإقليمية
على مستوى محور القرن الإفريقي يحتل القرن موقعًا جغرافيًا يتقاطع فيه نفوذ عدة دول وقوى: إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي والصومال نفسه. أرض الصومال من موقعها في الشمال الغربي للصومال الفيدرالي، تشكل عنصرًا مهمًا في هذه الدائرة الحيوية، بعيدًا عن المركز السياسي في مقديشو ومحاولات الحكومة الفيدرالية السيطرة على الإقليم).
وعلى صعيد العلاقات الإقليمية والتحالفات هناك اتفاقات غير رسمية وعلاقات مؤسساتية بين أرض الصومال وجيرانها تشير إلى تحولات في الحسابات الاستراتيجية. على سبيل المثال، أبرمت إثيوبيا اتفاقًا مع هرجيسا يمنحها وصولًا إلى ميناء بربرة، وهو ما عكس أهمية الموقع كمخرج بحري للدولة الحبيسة إثيوبيا، وسعى إلى تقليل اعتماد أديس أبابا على ميناء جيبوتي المكلف اقتصاديًا وجيوسياسيًا.
هذا الاتفاق أثار توترات إقليمية، حيث يعتبره البعض تهديدًا لوحدة الصومال الفيدرالي، بينما ترجع إثيوبيا وأطراف أخرى الأهمية الاستراتيجية لأرض الصومال كفرصة لتوسيع أنشطتها الاقتصادية والأمنية في البحر الأحمر.
وفيما يتعلق بالبعد البحري والأمن المائي يمثل ساحل أرض الصومال" بربره" واجهة بحرية تمتد على خليج عدن،"ومخرجاً بحرياً حيوياً لدول حبيسة مثل إثيوبيا، ومنافساً محتملاً للموانئ اليمنية ، وهو ما يجعلها طرفًا رئيسيًا في البنية الأمنية للممرات البحرية. ويمكن تقسيم الأهمية الاستراتيجية وفقًا لعدة عناصر.
وتؤمّن سواحل أرض الصومال جزءًا من المعابر البحرية التي تعبر منها ناقلات النفط والبضائع، ومن ثم فإن استقرار هذه السواحل يسهم في تخفيف المخاطر المتعلقة بالقرصنة، والتهديدات البحرية العابرة للحدود. تعتبر هذه النقطة حيوية للدول التي تعتمد على المرور البحري مثل السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، التي ترى في الأمن البحري جزءًا من أمنها القومي.

دوافع الاعتراف الإسرائيلي
تشير الأدبيات الإسرائيلية إلى أن الحضور في القرن الإفريقي يوفر لإسرائيل عمقًا استراتيجيًا متقدمًا ، وتُعد دراسة هاغاي إيرليخ الموسومة بـ "The Red Sea and the Horn of Africa: Strategic Depth for Israel" مرجعاً كلاسيكياً لفهم العقل الاستراتيجي الإسرائيلي تجاه منطقة القرن الأفريقي ، ويرى إيرليخ أن إسرائيل تنظر إلى منطقة القرن الأفريقي، وتحديداً الكيانات الطامحة للاستقلال مثل "صومال لاند"، كجزء من "نظرية المحيط" المحدثة.
ويشير في ثنايا دراسته إلى أن السيطرة على الممرات المائية ليست مجرد مصلحة اقتصادية، بل هي "ضرورة وجودية" لمنع تحول البحر الأحمر إلى "بحيرة عربية خالصة" ، وتعتبر الدوائر البحثية الإسرائيلية أن الاعتراف بأرض الصومال هو تطبيق عملي لاستراتيجية "التحالف المحيطي الثاني"، ويهدف إلى: بناء "عمق دفاعي متقدم" ويرى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن التواجد في صومالي لاند يحول إقليم القرن الأفريقي إلى "قاعدة عمليات متقدمة" لمراقبة النشاط التسليحي في اليمن واعتراض الصواريخ قبل وصولها للمجال الجوي الإسرائيلي ، ويشير المحللون الإسرائيليون إلى أن الاعتراف يشرعن تحويل البنية التحتية لميناء بربره إلى مراكز دعم لوجيستي ومنصات لإطلاق الطائرات المسيرة تحت غطاء "حماية الملاحة".
وفي إطار السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه إفريقيا، يمكن القول أن المشروع الإسرائيلي المدعوم بـ "اتفاقيات أبراهام" يهدف إلى تحويل موانئ القرن الأفريقي إلى مراكز تجارية بديلة، مما يسحب القيمة الاستراتيجية لموانئ عدن والحديدة اليمنية.

اعتبارات استخباراتية
مراقبة التفاعلات الأمنية في اليمن والقرن الإفريقي عبر خلق شراكة مع كيان يمكن أن يشكّل بوابة استخباراتية أو عسكرية من خلال بناء قواعد استخباراتية ورادارية في موانئ صومالي لاند (بربرة وزيلع) لتوفير "إنذار مبكر" ضد المسيرات والصواريخ المنطلقة من اليمن .

موازنة للنفوذ الإقليمي
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الاعتراف الإسرائيلي عن السياق الأوسع لإعادة تموضع إسرائيل في الفضاء الإفريقي–البحري،، ضمن سياق أوسع من التحولات الإقليمية والدولية التي تشهدها المنطقة.

مخاطر وانعكاسات الاعتراف على أمن اليمن
يمثل مضيق باب المندب الذي يطل عليه اليمن بوابة حيوية للملاحة الدولية، وتشكل أي تغيّرات في ميزان القوى الأمنية في مضيق خليج عدن والبحر الأحمر عامل قلق مباشر للحكومة اليمنية وأطراف فاعلة في النزاع اليمني. وبالتالي فإن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال يمكن أن ينتج عنه ما يلي:

1- على المستوى الأمني والعسكري:
1) عسكرة "بوابات" اليمن: إن وجود قواعد إسرائيلية في أرض الصومال يعني وضع الساحل اليمني تحت الرقابة المباشرة على مدار الساعة مما يؤدي إلى "انكشاف استراتيجي" لليمن. فلم يعد اليمن يمتلك عنصر المفاجأة في عملياته البحرية؛ نتيجة توفر القواعد الاستخباراتية في صومالي لاند تغطية راداريه شاملة للمياه الإقليمية اليمنية .
2) زيادة الوجود الإقليمي والدولي في البحر الأحمر لصالح إسرائيل وحلفائها، مما يغيّر من ديناميات الأمن البحري.
3) قد يشكّل منصة لجمع معلومات استخباراتية موجهة ضد جماعات فاعلة في اليمن، مما يعقّد من مواقف بعض الفصائل المحلية ويزيد من التوتر). (العربي الجديد)
4) تطويق لليمن: من خلال خلق قواعد تنصت أو دعم لوجستي في بربرة (Somaliland) تقابل السواحل اليمنيّة في تعز ولحج وعدن.
5) إثارة سباق التسلح: يذكر شين (Shinn) في دراسته أن أي اعتراف رسمي سيؤدي بالضرورة إلى رد فعل من القوى المنافسة (مثل إيران)، مما يحول خليج عدن من ممر تجاري إلى ساحة مواجهة استخباراتية .
6) خطر التصعيد المباشر: تحول خليج عدن إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الصواريخ اليمنية والقواعد الإسرائيلية في أفريقيا، مما يزيد من احتمالية انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة بين القوى الإقليمية ومحور المقاومة، مما يحوله من ممر تجاري إلى منطقة عمليات عسكرية.
7) تدويل الصراع اليمني : قد يؤدي الاعتراف إلى توسيع نطاق التفاعلات غير المباشرة بين أطراف إقليمية ودولية داخل المسرح اليمني، عبر البحر الأحمر، بما يعمّق من تعقيد الصراع القائم ويحد من فرص التسوية.

2- على المستوى الجيوساسي :
قد يشكل الاعتراف سابقة تشجع على النزعات الانفصالية: داخل اليمن على السعي وراء اعترافات مشابهة مقابل التنازل عن السيادة على الجزر والموانئ (مركز رع للاستشارات، 2025)، في ظل وجود تحديات تتعلق بوحدة الدولة وبناء السلطة المركزية، على سبيل المثال" المجلس الانتقالي وحرصة على التطبيع مع الكيان الإسرائيلي حال قيام الدول الجنوبية.

3- على المستوى الاقتصادي :
1) عزل اليمن بحرياً: من خلال السيطرة على الضفة المقابلة لباب المندب، يمكن الكيان لإسرائيلي وحلفائه التحكم في حركة السفن المتجهة إلى اليمن، وفرض "حصار تقني" غير معلن على الواردات اليمنية.
2) سحب القيمة الاستراتيجية لموانئ عدن والحديدة من خلال تعزيز ميناء "بربرة" كبديل آمن ومدعوم دولياً. هذا التوجه يندرج ضمن سياسة "العزل التدريجي" لليمن عن خارطة التجارة الدولية، مما يضعف الاقتصاد الوطني اليمني على المدى البعيد .

مخاطر وانعكاسات الاعتراف على الأمن الإقليمي
1- الاعتراف بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة قد يشكل سابقة خطيرة في تشرذم الدول ذات الحدود الهشة في المنطقة، ويزيد احتمالات النزاعات العابرة للحدود. من منظور الأمن القومي اليمني، فهذا الاعتراف يعزز من "تنامي النزعات الانفصالية قد يلقي بظلاله على مناخ الاستقرار الإقليمي، ويشجع أطرافاً إقليمية على تبنّي سياسات مماثلة.
2- تشابك معقد في النظام الإقليمي: تحديات للوحدة الإقليمية الصومالية بسبب انفصالها عن الحكومة الفيدرالية في مقديشو.
3- ضغط على روابط الدول المجاورة مثل إثيوبيا وجيبوتي، وفُرَص استراتيجية لدول الخليج الكبرى.
4- جذب اهتمام القوى الدولية التي ترى في الاستقرار النسبي لارض الصومال موقعًا مثاليًا لتوسيع حضورها الأمني في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
5- تطويق مصر والسعودية: استخدام الساحل البحري لا ارض الصومال كخنجر جيوسياسي للضغط على الدول العربية المشاطئة للبحر الأحمر، مما يمنح إسرائيل اليد العليا في إدارة الممرات الملاحية الدولية.

المواقف العربية والسيناريوهات المحتملة
جاءت المواقف العربية والإسلامية حاسمة في رفض الاعتراف الإسرائيلي، معتبرةً الخطوة انتهاكاً صارخاً لمبدأ وحدة الأراضي والسيادة الدولية، وداعيةً إلى تحرك عربي وإسلامي موحد لدرء تداعيات هذه الخطوة وحماية الأمن القومي للمنطقة. مصر وتركيا: أدانت وزارة الخارجية المصرية الاعتراف، معتبرة إياه "تهديداً للسلم والأمن في القرن الأفريقي وتقويضاً لوحدة الصومال واستقرار البحر الأحمر" .فيما أدانت جامعة الدول العربية ومنظمات إسلامية وغربية أصدرت بيانات استنكارية، مؤكدةً ضرورة الحفاظ على الاستقرار في القرن الإفريقي والمنطقة العربية).

وفي ضوء ما تقدم يمكن تصور عدد من السيناريوهات المحتملة للعام 2026 وهي :

1. سيناريو الاحتواء السياسي :
ويتمثل في احتواء تداعيات الاعتراف عبر ضغوط دبلوماسية إقليمية ودولية تهدف إلى الحد من آثاره العملية على الأرض.

2. سيناريو "حرب الاستنزاف البحرية":
يرى "مركز أبعاد للدراسات" أن الوجود الإسرائيلي في "بربرة" يقلص المسافة الجغرافية للمراقبة، مما يجعل القواعد الإسرائيلية في مرمى الصواريخ الجوالة والمسيرات اليمنية ، وقد نشهد عمليات استهداف مباشر للمنشآت الرادارية الإسرائيلية في الإقليم تحت شعار "حماية السيادة العربية"، وهو ما حذرت منه صحيفة "الشرق الأوسط" (2025) على لسان قيادات في محور المقاومة قيام القوات المسلحة اليمنية باستهداف السفن أو المنشآت المرتبطة بالاستثمارات الإسرائيلية أو مراكز التنصت المفترضة في ارض الصومال بهدف " إجهاض مشروع "القواعد المتقدمة" الإسرائيلية قبل اكتمالها، عملاً بمبدأ "وحدة الساحات مما يحول خليج عدن إلى منطقة صراع مفتوح ، مما قد يعطل حركة الملاحة الدولية ، وتفقد فيها السفن المرتبطة بإسرائيل أمانها حتى في الضفة الأفريقية..

3. سيناريو "المواجهة السيبرانية والاستخباراتية":
يركز هذا السيناريو على الصراع غير المتماثل (Asymmetric Warfare) بعيداً عن الصدام العسكري التقليدي ، تكثيف العمليات الاستخباراتية الإسرائيلية انطلاقاً من أرض الصومال في جبال "أوغال" المطلة على الساحل اليمني لجمع بيانات حية عن تحركات الصواريخ في الساحل اليمني ، وتصاعد وتيرة الاغتيالات والعمليات السيبرانية بين الأجهزة اليمنية والإسرائيلية انطلاقاً من القواعد الأفريقية ، يقابلها نشاط أمني يمني مضاد داخل الإقليم عبر تجنيد شبكات محلية أو تنفيذ عمليات "أمنية خشنة" لزعزعة التواجد الإسرائيلي مما يفاقم تصاعد وتيرة الاغتيالات السياسية والحرب السيبرانية التي تستهدف البنية التحتية للاتصالات في منطقة القرن الأفريقي واليمن.

4- سيناريو "الحصار التقني والتفكيك الجيوسياسي - اقتصادي ":
يتعلق هذا المسار بالبعد الاقتصادي والسياسي ضمن رؤية "اتفاقيات أبراهام" وتمددها في القرن الأفريقي وتحويل "ارض الصومال" إلى مركز لوجستي عالمي بديل للموانئ اليمنية، وفرض "حصار تقني" عبر التحكم في أنظمة الرادار والمراقبة في باب المندب مما ينتج عن تهميش مينائي عدن والحديدة اقتصادياً، ويؤدي إلى "عزل تدريجي" لليمن عن خارطة التجارة الدولية ،واجبار القوى المحلية في جنوب اليمن على الدخول في "تحالفات ضرورة" مع الكيان الإسرائيلي مقابل الاعتراف أو الدعم الاقتصادي، ، مما ينتج عن عزل اليمن جغرافياً وسياسياً، وتحويل باب المندب إلى ممر تديره "كيانات منقوصة السيادة" تحت حماية إسرائيلية بالإضافة الى إضعاف الموقف التفاوضي اليمني في أي تسوية سياسية مستقبلية، وشرعنه التعامل الدولي مع الكيانات الانفصالية كواقع اقتصادي.

استنتاجات وتوصيات
بناءً على التحليل السابق فقد تم التوصل إلى الاستنتاجات التالية :
1. يتمتع الموقع الجغرافي لأرض الصومال قوة استراتيجية تتجاوزمسالة الاعتراف الدولي، ويضعه في قلب الحسابات الأمنية والاقتصادية الإقليمية.
2. يحمل الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم تداعيات محتملة على الأمن البحري اليمني والإقليمي.
3. تعقيد بيئة الأمن البحري في خليج عدن ومضيق باب المندب بسبب زيادة النفوذ الدولي والإقليمي بعد الاعتراف.
4. تأزيم المشهد الأمني الداخلي في اليمن عبر استغلال هذا الاعتراف من قِبَل فصائل معينة كذريعة سياسية أو عسكرية.
5. قد يسهم الاعتراف في إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية بصورة تؤثر في الأمن القومي اليمني.
وتبقى الخلاصة هي أن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال ، لن يكون حدثًا معزولًا، بل تطورًا استراتيجيًا له انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الأمن القومي اليمني والاقليمي، خاصة في المجال البحري والأمني. كما أن خطورة هذا السيناريو لا تكمن فقط في الاعتراف ذاته، بل في ما قد يتبعه من ترتيبات أمنية إقليمية جديدة وهنا تبرز أهمية التأكيد على التوصيات التالية :

في المسار العسكري والأمني :
1. إنشاء منطقة "حظر استخباري" بحري: تعزيز قدرات الرصد والاستطلاع في عمق خليج عدن، واستخدام الطائرات المسيرة بعيدة المدى لإنشاء طوق رقابة يمنع الكيان من بناء أي قواعد تنصت أو رادار دون أن تكون تحت المرمى المباشر.
2. تطوير "السلاح البحري": التركيز على الغواصات المسيرة (UUV) والألغام البحرية الذكية، كونها سلاحاً غير متناظر يصعب على القواعد الإسرائيلية في "ارض الصومال" رصده أو مواجهته تقنياً.
3. تفعيل "الردع الاستباقي": توجيه رسائل عسكرية واضحة عبر مناورات تحاكي استهداف قواعد عسكرية في الضفة الأفريقية، لإيصال رسالة لحكومة ارض الصومال بأن ثمن استضافة الكيان سيكون باهظاً على أمنها القومي.

في المسار الدبلوماسي :
1. تعزيز التنسيق والتعاون مع الحكومة الفيدرالية الصومالية في مقديشو لدعم وحدة الصومال، وتقديم دعم أمني أو لوجستي لمقديشو لفرض سيادتها، مما يربك حسابات "هرجيسا" والكيان.
2. العمل على دفع جامعة الدول العربية ومصر تحديداً لاتخاذ موقف حازم، باعتبار أن الوجود الإسرائيلي في ارض الصومال هو تهديد للأمن القومي العربي مما يخلق ضغطاً إقليمياً ودولياً لعزل هذا الاعتراف.
3. القيام بفتح قنوات اتصال مع القوى الدولية التي تخشى التمدد الإسرائيلي (مثل الصين أو روسيا) لضمان توازن القوى في القرن الأفريقي ومنع انفراد الكيان بالقرار هناك.

في المسار الاقتصادي والجيوسياسي :
1. تطوير ميناء عدن والحديدة وربطهما بخطوط ملاحة دولية مدعومة بضمانات أمنية يمنية، لإفشال محاولة الكيان جعل ميناء "بربرة" بديلاً تجارياً للموانئ اليمنية.
2. العمل على توحيد الجبهة الداخلية اليمنية تجاه التهديد الخارجي، وقطع الطريق على أي محاولات إسرائيلية لاستقطاب أطراف يمنية محلية تحت غطاء الدعم الاقتصادي أو الاعتراف السياسي.

*باحث في علم الاجتماع السياسي


طباعة