الاستهداف المبكر للمشروع القرآني .. قراءة أيديولوجية في الوعي والهيمنة والصراع المفتوح
لا يمكن فهم ما جرى في اليمن، ولا استيعاب طبيعة الصراع القائم اليوم، دون العودة إلى اللحظة التي جرى فيها استهداف المشروع القرآني في مهده، عبر اغتيال حامله ورمزه الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي.
لا يمكن فهم ما جرى في اليمن، ولا استيعاب طبيعة الصراع القائم اليوم، دون العودة إلى اللحظة التي جرى فيها استهداف المشروع القرآني في مهده، عبر اغتيال حامله ورمزه الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي.
فذلك الاستهداف لم يكن حدثًا أمنيًا عابرًا، ولا ردّ فعلٍ ظرفي على موقف سياسي محدود، بل كان قرارًا استراتيجيًا مبكرًا، اتُّخذ بوعي كامل بخطورة ما يحمله هذا الرجل من مشروع فكري قرآني تحرري، يُعيد ترتيب الوعي، ويقلب معادلات الطاعة، ويفضح منظومة الهيمنة الأمريكية–الإسرائيلية وأدواتها المحلية.
أصيل علي البجلي
لقد وُلد المشروع القرآني كبيرًا، ولذلك استُهدف مبكرًا. فالتاريخ يشهد أن الطغاة لا يخشون السلاح بقدر ما يخشون الفكرة حين تتحول إلى وعي، والوعي حين يتحول إلى موقف، والموقف حين يتحول إلى مسار. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾، وهي آية تختصر كثيرًا من منطق الاستهداف، إذ إن العداء لا يكون عادةً للجهل، بل للمعرفة حين تهدد مصالح الطغيان.
المشروع القرآني بين النص والواقع
لم يكن المشروع القرآني الذي حمله الشهيد القائد قراءة وعظية أو خطابًا أخلاقيًا معزولًا عن الواقع، بل كان إعادة إحياء للقرآن بوصفه منهج حياة وصراع، ومرجعية موقف، وبوصلة عداء وولاء. لقد أعاد الشهيد القائد القرآن من الهامش إلى المركز، ومن التلاوة إلى الفعل، ومن الطقوس إلى المسؤولية. وهذا التحول هو جوهر الخطر، لأن القرآن حين يُستعاد بوصفه معيارًا للسياسة، لا نصًا للتبرير، ينسف شرعية الطغيان من جذورها.
لقد قدّم الشهيد القائد قراءة قرآنية حية للواقع، تربط بين الإيمان والموقف، وبين العقيدة والسياسة، وبين العبادة والبراءة من أعداء الله. قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾. فالبراءة هنا ليست شعارًا، بل موقفًا عمليًا في مواجهة الطغيان. وهذا ما أعاده الشهيد القائد إلى الوعي اليمني، بعد عقود من التجهيل والتدجين.
لماذا استُهدف الشهيد القائد مبكرًا؟
استُهدف الشهيد القائد مبكرًا لأنه لم يكن مشروعه مشروع احتجاج، بل مشروع تحرر. ولم يكن صوته صدىً لغضب آني، بل تأسيسًا لوعي طويل الأمد. لقد أدركت أمريكا، ومن خلفها إسرائيل، أن هذا الصوت القرآني الصادق، إذا تُرك لينمو، سيفكك أخطر أدوات الهيمنة: الوعي المُدجَّن، والخوف المصنَّع، والحياد الزائف.
إن الاستهداف المبكر دليل خوف، لا دليل قوة. وهو اعتراف ضمني بأن المشروع القرآني كان يحمل قابلية عالية للتحول من خطاب محدود إلى مسار تاريخي شامل. وهذه سنة ثابتة في تاريخ الصراع؛ فكل مشروع تحرري صادق يُستهدف في بداياته، لأن تركه يكبر يعني فقدان السيطرة لاحقًا. قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾.
النظام السابق.. من الدولة إلى الوظيفة
لم يكن النظام السابق في اليمن دولةً ذات قرار سيادي، بل كان وظيفة سياسية ضمن منظومة الهيمنة الأمريكية في المنطقة. نظامٌ فرّغ مفهوم السيادة من مضمونه، وربط القرار الوطني بالخارج، وحوّل الجيش والأمن إلى أدوات لحماية المصالح الأجنبية لا كرامة الشعب. وفي مثل هذا السياق، يصبح أي مشروع قرآني تحرري تهديدًا وجوديًا لبنية النظام ذاته.
لقد مارس النظام السابق دوره الوظيفي بوضوح: قمع الصوت القرآني، وتشويه المشروع، وتسخير المؤسسة الدينية الرسمية لتبرير الجريمة، تمامًا كما جرى في محطات تاريخية سابقة حين وُظّف الدين ضد علي بن أبي طالب، وضد الحسين بن علي، وضد كل من رفض شرعنة الانحراف. قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: «ما ترك لي الحق من صديق»، وهي كلمة تختصر مصير كل من يقف في وجه منظومة باطلة متكاملة.
أمريكا وإسرائيل.. رأس المشروع العدائي
إن تحميل المسؤولية للنظام السابق وحده قراءة قاصرة. فالرأس الحقيقي للاستهداف كان أمريكا، التي لا تقبل بأي مشروع قرآني مستقل يهدد نفوذها الثقافي والسياسي، وإسرائيل، التي تقوم وظيفتها على تفكيك الأمة ومنع أي وعي تحرري يعيد ربط الشعوب بقضيتها المركزية. لقد فهم الشهيد القائد أن الصراع ليس محليًا، بل أممي، وأن أمريكا وإسرائيل تمثلان رأس الحربة في مشروع الاستكبار العالمي..إن الشعار الذي أطلقه الشهيد القائد لم يكن هتافًا عاطفيًا، بل خلاصة قراءة قرآنية وسياسية عميقة لطبيعة الصراع. قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾. وهذه الحقيقة القرآنية هي ما حاول كثيرون القفز عليها، ودفع الشهيد القائد ثمن قولها مبكرًا.
الامتداد التاريخي..من علي إلى الحسين
ما جرى للشهيد القائد ليس استثناءً في التاريخ، بل امتداد طبيعي لخط واحد: خط علي بن أبي طالب والحسين بن علي عليهما السلام. عليٌّ حورب لأنه أقام العدل قبل أن يطلب الطاعة، والحسين قُتل لأنه رفض شرعنة الانحراف في لحظة صمت جماعي. قال الإمام الحسين عليه السلام: «إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي».
وهذا المعنى ذاته تجلّى في مسيرة الشهيد القائد، الذي خرج لإصلاح الوعي قبل السلطة، ولتحرير القرار قبل الكرسي. فكان استهدافه تكرارًا للتاريخ، لا حدثًا جديدًا، ومحاولة لقطع خط يمتد من كربلاء إلى صعدة.
الاستشهاد كفشل استراتيجي للعدو
لقد ظنّ العدو أن اغتيال الشهيد القائد سيُنهي المشروع، فإذا به يُخلّده. وهذه من أعظم سنن الله في الصراع: أن الدم الصادق لا يُطفئ الفكرة، بل يحوّلها إلى وعي عام. قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾. لقد تحوّل الاستشهاد من محاولة إجهاض إلى لحظة تأسيس، ومن نهاية متوقعة إلى بداية مفتوحة.
الربط بالواقع الراهن
اليوم، وبعد سنوات من العدوان الأمريكي–السعودي، يتضح بجلاء لماذا كان الاستهداف مبكرًا. فاليمن الذي يواجه أمريكا وإسرائيل بوعي، ويعيد تموضعه في معادلات الصراع الإقليمي، هو الامتداد الطبيعي لذلك المشروع القرآني الذي حاولوا قتله في مهده. لقد عاد اليمن فاعلًا لأنه استعاد قرآنه، واستعاد خط علي والحسين في السياسة والموقف، ورفض أن يكون ساحةً أو تابعًا.
خلاصة: استُهدف الشهيد القائد مبكرًا لأنه قال الحقيقة في زمن الخضوع، وحمل القرآن في زمن التمييع، وواجه أمريكا وإسرائيل في زمن الصمت. لكنه انتصر باستشهاده، لأن القادة القرآنيين لا يُهزمون بالقتل، بل ينتصرون به. وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «فزتُ وربّ الكعبة»، فقد فاز الشهيد القائد يوم استُشهد، وبقي مشروعه حيًا، يصنع الوعي، ويحرّك التاريخ، ويؤكد وعد الله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.