هندسة الردع المزلزلة .. لماذا رفضت صنعاء قرار مجلس الأمن ؟!

لم تعد معركة البحر الأحمر مواجهة عابرة، بل تصاعدت لتصبح حرب الممرّات الكبرى؛ الحرب التي تعيد رسم اشتباكات القوى العالمية، وتُسقط آخر ما تبقى من هيبة الإمبراطورية الأمريكية فوق السواحل، وتضع اليمن في قلب المعادلة بوصفه العقدة الاستراتيجية التي تتحطم عندها مخططات واشنطن وتل أبيب.

هندسة الردع المزلزلة .. لماذا رفضت صنعاء قرار مجلس الأمن ؟!

إنه شعب الإيمان والحكمة الذي رفض الترويض، ورفض التدجين، ورفض أن يُختزل في مربع النفوذ الأمريكي .. شعبٌ يقاتل في البحر كما يقاتل في الجبل، ويخوض معركة تحرير القدس من بوابة البحر الأحمر، ويعيد توجيه مسار القوة في الإقليم بلا وجل ولا تردد.

تقرير - عدنان عبدالله الجنيد

أولًا: قرار مجلس الأمن .. قرار تم صهره في تل أبيب قبل أن يُصاغ في نيويورك
لم يكن القرار الأخير لمجلس الأمن بشأن اليمن قرارًا دوليًا بقدر ما كان وثيقة حرب أمريكية ‑ إسرائيلية، أعيد تشكيلها بما يخدم أمن إسرائيل البحري بعد الضربات اليمنية على خطوط الملاحة التي تخدم ميناء “إيلات” ولم يولد القرار في نيويورك، بل وُلد في غرف التخطيط في تل أبيب التي رأت أن البحر الأحمر قد تحول إلى خنجر يمني مغروز في خاصرة إسرائيل.
القرار قرار مراكز القيادة الأمريكية في الشرق التي تحاول إعادة كتابة تقارير المستجدات تحت عنوان: “كيف نعيد تنفس إسرائيل عبر البحر؟”. وهو أيضا قرار مكاتب الاستخبارات البريطانية في عدن التي فشلت في إعادة السيطرة على الممرات بعد انكسار نفوذها أمام قوة اليمن الردعية.
ولهذا جاء القرار مصبوغًا بحبر تل أبيب، ومصاغًا بلغة أمريكية غاضبة، وملفقًا برداء أممي فقط ليبدو شرعيًا أمام الإعلام.
و منذ اللحظة الأولى أدركت صنعاء ذلك فرفضت القرار لا باعتباره بندًا سياسيًا، بل لكونه أمر عمليات صريح لإنقاذ إسرائيل، يُراد تنفيذه تحت غطاء القانون الدولي.

ثانيًا: هندسة الردع اليمنية .. من عقيدة السيد إلى أداة عملياتية تصنع عالَمًا جديدًا
السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي – يحفظه الله – لم يبنِ خطابًا، بل شيّد عقيدة ردعية وهندسة عملياتية تجاوزت حدود الجغرافيا .. عقيدة جعلت من اليمن قوة بحرية وجوية تُربك واشنطن، وتجعل إسرائيل في حالة طوارئ دائمة.
وبفضل هذه الهندسة تصدّعت المظلّة الدفاعية الأمريكية الممتدة من مضيق باب المندب حتى المتوسط وتعطلت سلاسل الإمداد العالمية لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية وأُجبرت شركات الملاحة العملاقة على إعادة رسم خرائط النقل البحري ودخلت إسرائيل في شلل بحري، وأغلقت موانئها خوفًا من الصواريخ اليمنية .. إنها ليست مجرد معركة بل هندسة ردع مزلزلة قلبت معايير القوة البحرية في الشرق الأوسط.

ثالثًا: البحر الأحمر .. المقبرة الجديدة لأساطيل الغطرسة الأمريكية
جاءت البوارج والفرقاطات وحاملات الطائرات (الأمريكية ‑ البريطانية) إلى البحر الأحمر لتستعرض قوتها فإذا بها تتحول إلى فريسة في مرمى القوة اليمنية وفي البحر الأحمر سقط وهم السيطرة الغربية على الممرات وسقطت هيبة الأسطول الخامس وكذبة “الحماية الأمريكية” ومشروع الشرق الأوسط الجديد وشهد العالم بأسره أن البحر الذي كان بحيرة أمريكية بات ساحة نفوذ يمنيّ بحت ، تتحرك فيه الطائرات المسيّرة والصواريخ اليمنية بثقة وجرأة.

رابعًا: إسناد غزة في معركة الفتح الموعود جعل اليمن يتحول إلى قوة تحرير
لم يدعم اليمن غزة بالبيانات، ولم يتضامن بالتصريحات بل فعل ما عجزت عنه أنظمة عربية كثيرة: قطع الإمداد البحري عن إسرائيل وضرب السفن التي تخدم “إيلات” وفرض حصار استراتيجي على موانئ الكيان وخلق بيئة ضغط أجبرت واشنطن على إعادة حساباتها وأصبح اليمن غرفة عمليات ردعية تمتد من صعدة إلى القدس، تربط البحر بالأرض، والميدان بالتحرير، والسلاح بالعقيدة.

خامسًا: الشهداء .. قرابين اليمن على طريق القدس
أبناء اليمن الذين صعدوا شهداء في البحر الأحمر صعدوا بوعي جهادي يصنع أمة لا تُهزم .. دماؤهم أعادت رسم الجغرافيا وأسقطت الهيبة الأمريكية ورسخت معادلة الردع وجعلت القدس أقرب من أي وقت مضى .. هذه الدماء لم تُسفك في البحر بل سُكبت على طريق القدس.

سادسًا: النظام الإقليمي الجديد يُكتب في صنعاء لا في واشنطن
أصبحت القوى الكبرى اليوم مضطرة – شاءت أم أبت – للتعامل مع اليمن باعتباره: قوة مقرِّرة في أمن البحر الأحمر ولاعبًا مركزيًا في نظام المقاومة ودولة قادرة على قلب التوازنات وقوة تصنع أثرًا عالميًا في خطوط الملاحة .. هذه هي الحقيقة التي حاول القرار الأممي تزويرها.. لكن اليمن فرضها بالقوة.

أخيراً : اليمن لا يكتب التاريخ بل يفرضه بقوة الردع
المعركة ليست نهاية فصل بل بداية مرحلة جديدة: مرحلة سقوط الهيمنة .. مرحلة صعود القوى الحرة .. مرحلة التحرير الممتد من البحر الأحمر إلى فلسطين .. سينتصر اليمن اليوم وغدًا ستنتصر القدس وبعد غدٍ ستنهار وتتحطم كل مشاريع الاستعمار على صخرة الإرادة الإيمانية اليمنية.


طباعة