من الخنادق إلى الفـنادق .. مسارات الزحف «فيسبوكياً» باتجاه العاصمة صنعاء ضمن معركة «الكومنت» و«الشير»

على مدى أعوام من الحرب في اليمن، تعددت الطرق والوسائل التي اختيرت للوصول إلى صنعاء. انقطعت السبل العسكرية التي كان أقربها خط الفرضة (نهم – بني حشيش)، لكن تراجع القوات التي كانت تعتزم التقدم نحو العاصمة إلى أسوار مدينة مأرب، كان بمثابة الضربة القاضية التي أنهت هذا المشروع، وتراجع الحديث عنه لبرهة من الزمن.

من الخنادق إلى الفـنادق .. مسارات الزحف «فيسبوكياً» باتجاه العاصمة صنعاء ضمن معركة «الكومنت» و«الشير»

عاد الحديث عن ذلك من أبواب أخرى، لكنها أقل وعورة وتكلفة. فحين كان قد وصل الجميع إلى مرحلة الخجل من أي حديث عن الوصول عسكريًا إلى العاصمة صنعاء بعد تلك الانتكاسة المفاجئة -على الأقل لكثير من الناس نظرًا لسرعتها- جاءت فكرة الاقتحام "فيسبوكياً". كانت، رغم خياليتها، مرتعًا وملاذًا لكثير ممن لطالما راودهم حلم العودة أو اقتحام العاصمة والسيطرة عليها، وتمكين الرياض من حكمها مجددًا عبر الرؤوس التي تُدار من هناك، كما كان معلومًا للجميع. إذ بدأ رفاق السلاح "الفيسبوكي" تبادل الخبرات التفاعلية ووضع الخطط اللازمة لخوض غمار حرب استعادة العاصمة "فيسبوكياً".

تقرير: وسيم عبدالله حليف

الأمر الذي لا نقلل من خطورته
ما ينبغي توضيحه أننا لا نقلل من حجم خطورة الحروب الإعلامية من بين كل أشكال الحروب التي يشهدها العالم، وهي التي تُصنف في كثير من الأحيان بالأخطر حتى من المواجهات العسكرية الأكبر والأشرس في كل مناطق النزاع حول العالم. لكننا هنا نتحدث عن كيفية محاولة البعض تعويض الانهيار الميداني في الجبهة التي كانوا يعتبرونها جبهة العاصمة صنعاء والسيطرة عليها، بمحاولة إنعاش هذا الحلم في نفوس الناس من على منصة "فيسبوك"، بمجرد استمرارية هاشتاغ #قادمون_يا_صنعاء أو التبشير بأن العاصمة صنعاء قد باتت قاب قوسين أو أدنى من السقوط في أيديهم، لكن دون الكشف عن كيفية ذلك من باب حفظ الأسرار، أو تأجيل الحديث عن ذلك إلى أجل غير مسمى من باب إيهام الناس بأن شيئًا ما قادم لا يعلمونه، أو في محاولة لضمان استمرار "الضحك" على من كان كل ذلك حلمهم الأهم.

ما قبل جبهة «الشير» و«اللايك»
بعد انهيار جبهة نهم، عاد الحلفاء الخصوم إلى حروبهم الإعلامية المعتادة، لكنها كانت هذه المرة الأكثر ضراوة وتمزيقًا لصفوفهم الداخلية كأطراف يُفترض أنها موحدة -على الأقل وظيفيًا- كجماعة بالولاء لنفس الأطراف الخارجية، وموحدة الطموح بالعودة إلى العاصمة صنعاء من بوابة الاستناد إلي الأطراف ذاتها التي قادت تحالفًا عسكريًا في اليمن للغرض ذاته. وتبادل هؤلاء الأطراف الاتهامات بالمسؤولية عن الفشل في الوصول إلى صنعاء، وشن البعض هجومًا لاذعًا على التحالف، وبالأخص أطراف فيه كالإمارات على وجه التحديد، واتهموها بالوقوف وراء الإخفاق الذي منيت به القوات القادمة صوب العاصمة؛كونها لا تريد لهؤلاء الوصول إلى صنعاء من أساسه حسب تعبيرهم، واستدلوا بحربها العامة على الإخوان المسلمين وما إلى ذلك. مع ذلك، كانت كل هذه الاتهامات عبارة عن مواقف منفردة غير رسمية أو صادرة عن حزب الإصلاح، رغم أن في أنفسهم ما فيها تجاه الإمارات طوال سنوات الحرب، لكنهم لا يجرؤون على ذلك..أما أطراف أخرى كالانتقالي والسابقين من أنصار علي صالح إلى الضفة الأخرى، فأسرعت بالدفاع عن الإمارات واتهمت البعض بنكران الجميل ورمي فشلهم على الآخرين، وتغنوا بالإمارات وأفرطوا في الحديث عما اعتبروه منجزات وبصمات خير لـ "إمارات الخير" كما يحلو لهم وصفها.

ارتفاع وتيرة الحرب الكلامية
ما أن بدأ أولئك باستيعاب الصدمة التي أتت على إثر السقوط في نهم ومناطق أخرى على ذات الجبهة، حتى سقطت مدينة الحزم عاصمة محافظة الجوف ومديريات أخرى في المحافظة رغم كثافة الغارات الجوية لطيران الرياض وأبوظبي، وبدأت القوات القادمة من صنعاء في التموضع هناك بعد معارك شرسة. عندها بدأت حرب كلامية أخرى حول تفاصيل الانهيار، وتوسعت تلك الحرب حتى شملت أسماء ومنابر إعلامية خليجية هاجمت بشراسة حزب الإصلاح وقيادات جبهات مأرب والجوف، وصلت حد التخوين واتهامهم بالتخلي عن القتال وترك العتاد والفرار أمام "المقتحمين" الذين وصلوا إلى مرحلة أقرب إلى التطويق لمجمع مدينة مأرب، الذي تكدس أكثر فأكثر بالقوات العائدة من الخطوط الأمامية في الجبهات المذكورة آنفًا. وغادر من غادر من أبرز القيادات الميدانية المشهورة كـ "أمين العكيمي" الذي لطالما تغنوا بنضالاته وتحدثوا عن بطولاته، مستقرًا في منفاه بالخارج، حتى ظهر من على إحدى الفضائيات يقر بخيباته ويوزع الاتهامات يمينًا وشمالاً، ويختفي بعد ذلك إلى يومنا هذا.

العودة للزحف عبر «البوست» و«الكومنت»
بعد أن سلمت الرياض وأبوظبي بحتمية الفشل الميداني على أكثر من جبهة، بما في ذلك جبهات ما وراء الحدود ومناطق الجنوب والوسط والساحل، وعقب الانهيارات المتسارعة في كتاف والبيضاء وغيرهما، آثر التحالف الدخول في هدنة ومرحلة جديدة من "لا سلم ولا حرب". عندها سارع البعض إلى الاحتفاظ بحلم الزحف نحو العاصمة صنعاء، لكن عبر جبهات "فيسبوك" و"تويتر" والمواقع الإخبارية الصفراء، وإنعاش هاشتاغ #قادمون_يا_صنعاء. لكن هذه الجبهة ما تلبث أن تتسم بالتراجع من حين لآخر نتيجة اليأس الذي يعتري أصحابها لفقدانهم القدرة على إحداث أي تأثير يذكر، حتى على الصعيد الإعلامي والإعلام الجديد المتمثل في منصات التفاعل الاجتماعي. لكن مع معاودة الكرة مرة أخرى، تختلف باختلاف الإدارة لهذه المعركة والأساليب التي تُنتهج كل مرة في كل حرب "فيسبوكية" جديدة. ويرتبط كل من العودة والتوقف لهذه الجبهة بمدى القدرة على استمرار صناعة التأثير من عدمه، ومدى التمكن من جمع مزيد من "اللايكات" و"الكومنتات" و"الريتويت" و"الشير" وغير ذلك من أدوات التفاعل على المنصات. لكن خفوتها كل مرة لا يعني انطواء صفحة هذه العملية "الفيسبوكية" الزاحفة نحو العاصمة صنعاء بشكل نهائي، بل إنها مع كل عملية تراجع تكون مرشحة لاستعادة الزخم مرة أخرى.

إدارة غرفة العمليات «الفيسبوكية»
من حين لآخر، يتناوب إعلام الإصلاح مع إعلام طارق صالح بدرجة أساسية على إدارة غرفة عمليات جبهة "فيسبوك" باتجاه العاصمة صنعاء، ليس تنسيقًا رسميًا بينهما، إنما حسب مزاجية "فيسبوكيي" كل طرف، خصوصًا قيادات الصف الأول على هذه الجبهة..ففي حين يقرر هؤلاء استئناف القتال على جبهة "فيسبوك" وإعادة محاولة إحياء حلم العودة إلى العاصمة، يكون "فيسبوكيو" الطرف الثاني قد انتهوا للتو من شن عملية "فيسبوكية" واسعة النطاق باتجاه العاصمة صنعاء. وهكذا تُدار غرفة العمليات الخاصة بهذه الجبهة بالتناوب غير المرتب، الذي لا أساس له، "وصدفة خير من ألف ميعاد". وبين هذه الإدارة وتلك، نجدد تأكيدنا الذي شددنا عليه في مستهل حديثنا هنا، بأننا لسنا في وارد التقليل من أهمية وخطر الجبهة الإعلامية التفاعلية وتأثيرها على كافة الأصعدة والمستويات، بما في ذلك العسكرية منها. لكننا هنا بصدد تبين التحولات الكبيرة في سير العمليات العسكرية المعلنة باتجاه العاصمة صنعاء، والمسنودة من تحالف "عاصفة الحزم" بغطاء جوي ودعم بالعدة والعتاد وعلى أكثر من جبهة عسكرية، وكيف تحولت -مع تعدد الإخفاقات وتوالي الانتكاسات الميدانية- إلى مجرد جبهة "فيسبوكية" بعد توقف كل تلك الجبهات وعمليات الزحف الكبرى متعددة الجهات.

فزعات ضئيلة وأولويات أخرى
بين وهم استقلالية المواقف وادعاء اختلاف الأولويات بالنسبة لهم، يعود أصحاب المجلس الانتقالي الإماراتي في عدن من حين لآخر إلى ميدان الحرب "الفيسبوكية" العام في اليمن والساحة الإعلامية الأخرى كذلك، بدءًا بعيدروس الزبيدي الذي أبدى في أكثر من ظهور إعلامي تعاطيه الإيجابي مع فكرة الزحف نحو صنعاء والسيطرة على محافظات الشمال، كما لو أنه بعيد كل البعد عن مشروعهم المناطقي ذي الأولوية القصوى بالنسبة لهم في كل الأحوال، ويتحدث عن صنعاء التي تهمه. وإن كان في أوقات كثيرة يلمح بأن حديثه عن ذلك لا يأتي إلا من باب "الفزعة" مع إخوة لهم، أكثر من كونه جزءًا من منظومة يهمها ذلك كأمر ملح أساسًا. وكذلك عدد من كبار ناشطي "دولة المثلث" في عدن وما جاورها التي يسيطر عليها الانتقالي المحكوم "إماراتياً"، لا يبدون ابتعادًا كاملاً عن معركة أنصار كلا من طارق صالح والإصلاح "الفيسبوكية" باتجاه العاصمة صنعاء، لكنهم ليسوا بذلك القدر من الاهتمام بهذه المعركة التي يتقدمها أولويات أخرى بالنسبة لهم، كقضايا مشروع الدولة الجنوبية المزعوم، وكذلك الصراع مع الإصلاح وإرضاء الموكل الإماراتي. لذلك لا يعدو اهتمامهم بصنعاء ومعركتها في أحيان كثيرة عن كونه إما بيع للوهم لبعض الحالمين بتوحيد الصف بين كل تلك الأطراف، أو على سبيل رمي التهم على زملائهم من القوى التي يصفونها بالشمالية والنيل منهم بدعوى تراخيهم في الدفاع عن بلدهم، كما يتحدثون في أوقات عديدة. الأهم في هذا الجانب إذا ما قيل لهم بأن شيئًا ما في نفس الراعي الرسمي في أبوظبي بأن تتجه الأمور بهذا الاتجاه أو ذاك، فلا يقدمون شيئًا آخر على تلك الرغبة مهما كانت، بكل تأكيد. إجمالاً، ما يأتي منهم لا يرقى إلى مستوى "الفزعة" ضمن معركة "الكومنت" و"الشير"، ولا يعتبر نأيًا كاملاً بالنفس عما يدور في هذا الميدان، لكنهم أقرب إلى الحرص على اعتبار هذه المعركة غير ذات أهمية قصوى لديهم. الأمر الذي يجعل خوضهم لمعارك بينية مع تلك الأطراف أكثر حضورًا، بما في ذلك معاركهم مع إخوانهم من الرضاعة في الساحل الغربي، والتي يؤججها في الأغلب الثأر التاريخي بينهما والمرتبط في المقام الأول بآثار حرب صيف 94.

انطباعات ساخرة ومتشائمة
بعد أعوام من توالي الإخفاقات وترنح الزحوفات العسكرية، يقابل عموم الشارع "الفيسبوكي" الداعم لتلك القوى في سواده الأعظم معركة "اللايك" و"الشير" "الفيسبوكية" المستمرة بكثير من السخرية والتندر. ويتضح مدى سخطهم من مجرد الحديث عن الزحف باتجاه صنعاء أو من سلسلة رسائل التبشير التي لا تنتهي بأن صنعاء قد باتت أقرب من أي وقت مضى، من خلال تهكمهم الواضح تجاه كل من يبدي اهتمامًا بذلك، معتبرين كل ذلك مجرد هرطقات يديرها ويرددها من يتنعمون في عواصم ومدن الخارج، ممن يتقاضون الأموال وأصحاب "الإعاشات" (الأمر المثير الذي أثار الجدل مؤخرًا بعد الكشف عن قوائم المستفيدين تحت هذا العنوان) من قوت الشعب المنهوب، فيما الشعب يعاني مرارات كثيرة دون أدنى مسؤولية من قبل هؤلاء وقياداتهم، حسب تعليقات كثيرة تابعناها على مدى فترات ماضية. كل ذلك يجعل الأمر محبطًا بالنسبة لمن لا يزالون يتمسكون بمعركة "الشير" و"الكومنت" مسارًا للزحف نحو العاصمة صنعاء، و"الفنادق" بدلاً عن "الخنادق".

الملف الإنساني والتدخل الخارجي
يجري الحديث حاليًا عن مسارات تفاوضية بين صنعاء والرياض على وجه التحديد، ومحاولات إحداث اختراق ما على الصعيد الإنساني على الأقل، وهو ما نرحب به على الدوام لما لذلك من انعكاسات إيجابية على حياة المواطن اليمني في كل الجغرافيا اليمنية، وإن كنا نتمنى الوصول إلى حل شامل. لكن هذا الأمر يبدو صعب المنال حاليًا، خصوصًا سياسيًا وعسكريًا، لكثرة التعقيدات التي نعلمها في هذه الجوانب من انقسامات عميقة وغير ذلك من الكوابح التي تحول دون المضي قدمًا نحو الحل الشامل في اليمن، والتي من بينها تقيد أطراف داخلية عديدة برغبات أطراف خارجية تريد الوصول إلى مبتغيات عديدة، رغم عجزها الواضح أمام صلابة الموقف في صنعاء الذي يبدو أنه يضغط في اتجاه إنهاء كامل للتدخلات الخارجية، التي لم يرَ اليمن من وراءها أي حلول تذكر لكل مشاكله العالقة.


طباعة