الشهيد الغماري .. مدرسة التحرر من الوصاية الأمريكية
لم تكن الهيمنة الأمريكية على الجيوش مجرد نفوذٍ عابر أو تقاطع مصالح، بل كانت مشروعًا متكاملًا لتجريد الأمم من سلاحها، وتحويل جيوشها إلى كياناتٍ بلا روح ولا قرار، جيوش تُدار من خلف البحار، لا تمتلك حق الحرب ولا حق السلم، ولا حتى حق الصيانة دون إذنٍ أمريكي.
فرضت واشنطن حمية قسرية على كل جيشٍ كان يعتمد يومًا على السوفييت، فبدأت حملةُ التخلص من الدبابات والمدفعيات والصواريخ الثقيلة تحت عنوان "التحديث"، بينما كانت في حقيقتها عملية تفريغٍ من القوة. لم يكن المقصود تحديث الجيوش، بل إفراغها من قدرتها على القتال المستقل، ليُستبدل الحديد بالاعتماد، والإرادة بالأوامر.
تحت شعار مكافحة الإرهاب، أعادت واشنطن صياغة عقيدة الجيوش العربية، فصار "الإرهاب" هو كل من يرفض الإملاءات الأمريكية، وصار "الأمن" مرادفًا للخضوع. وحين تخلت تلك الجيوش عن تعريفها الأول – الدفاع عن الوطن – تحولت إلى حُرّاسٍ لمصالح البيت الأبيض، تتحرك وفق ما يُملى عليها من البنتاغون، وتُموّل حروبًا تخدم المستعمر لا الشعوب. حتى التدريب بات أمريكيًا، وحتى الطلقة لا تنطلق إلا بإذنٍ من واشنطن، وأي محاولةٍ للتحرر من هذه التبعية تُقابل بالحظر أو التدمير أو الانقلاب.
في اليمن، كانت التجربة أوضح وأقسى. قبل ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، كان الجيش اليمني قد دخل مرحلة تفكيكٍ ممنهج، بدأت من هيكل القيادة مرورًا بالعقيدة وانتهاءً بالسلاح. جُرّد من أسلحته الثقيلة بحجة "إعادة الهيكلة"، وتم إدخال مفاهيم قتالية أمريكية لا تنتمي إلى بيئة اليمن ولا إلى تاريخه العسكري. كان المقاتل اليمني يُدرّب على القتال كما يريد له المستشار الأمريكي، لا كما يقتضي الدفاع عن الأرض والعرض. كانت السيادة العسكرية تُباع بندوات التدريب الأمريكية، وكان الشرف العسكري يُختزل في الانضباط على "الكتالوج الأمريكي" الذي يُملي متى تُقاتل ومتى تتوقف.
لكن القدر كان يُعِدّ لليمن مشهدًا آخر، مشهدًا كتبه الشهداء بدمائهم، وصاغته القيادة الثورية والسياسية بحكمةٍ وإيمان. ومع مجيء الشهيد القائد محمد ناصر الغماري، دخلت المؤسسة العسكرية اليمنية عهدًا جديدًا من التحرر والاقتدار. لم يكن التحدي في استعادة السلاح فحسب، بل في استعادة الإنسان اليمني المقاتل بروحه الأولى؛ بروح الإيمان، والوعي، والعقيدة الوطنية المستقلة. تحت إشراف القيادة الثورية، تم تفكيك إرث الوصاية الأمريكية، وإعادة بناء الجيش من القاعدة إلى القمة، من المقاتل إلى القائد، ومن المفهوم إلى الميدان.
تحوّل الجيش اليمني، بفضل الله ثم بفضل تلك الرؤية الثورية، إلى نموذج فريد في المنطقة. جيوشٌ تُنفق المليارات وتعجز عن الصمود أيامًا أمام مقاتلين واثقين بالله، يعرفون أرضهم ويدركون قضيتهم. لم يكن في معادلات الشهيد الغماري أي بندٍ يخص المال أو العتاد، بل كانت المعادلة قائمة على "الإيمان يصنع القوة، والوعي يصنع الانتصار". تلك المدرسة القتالية التي لم تُدرّس في الأكاديميات العسكرية الغربية، بل خرجت من صميم المعاناة ومن صلب الإيمان بعدالة القضية.
أمام أعين العالم، كتب الجيش اليمني معادلة جديدة: لا قيمة للسلاح دون عقيدة، ولا معنى للجيش دون سيادة. لم يعد اليمن تابعًا لأحد، ولم تعد واشنطن قادرة على فرض سقفٍ على قدراته. جيوشٌ جرّبت كل أنواع الأسلحة، وتلقت أضخم ميزانياتٍ في العالم، لم تستطع أن تواجه جيشًا صعد من بين الرماد. جيشٌ يقاتل في سبيل الله، ويتغذى من إيمانه بربه وبحقه في الحرية والكرامة.
هكذا انتقل اليمن من مرحلة التبعية إلى مرحلة الندية. من جيشٍ كانت واشنطن تحدد له العدو والصديق، إلى جيشٍ يفرض المعادلات ويغير خرائط الصراع. لم تعد الطائرات الأمريكية تُرعبه، ولا البوارج تُرهبه. فحين يكون السلاح في يدٍ مؤمنة، والعقيدة في قلبٍ يمنيٍّ أصيل، فإن ما يُحسب مستحيلاً في منطق الجيوش المدججة يصبح ممكنًا في معادلة المجاهدين.
اليوم، باتت واشنطن تدرك أن ما زرعته من وصايةٍ وهيمنةٍ قد انقلب عليها. فاليمن الذي أرادوه ساحةً للتجريب أصبح مدرسةً للمواجهة، والجيش الذي أرادوه تابعًا صار قائدًا لمعادلاتٍ إقليميةٍ تُربك مراكز القرار الأمريكي نفسه. وما بين جيشٍ يُدار من الأقمار الصناعية وجيشٍ يُدار من يقينٍ بالله، يظهر الفارق بين من يقاتل لأجل المال ومن يقاتل لأجل الكرامة.
تلك هي حكاية الجيش اليمني كما كتبتها الثورة، وكما ختمها الشهيد الغماري بدمه. من بين الركام ووسط الحصار، خرجت مؤسسة عسكرية لا تشبه سواها، تصنع الانتصار بإيمانها، وتواجه العالم بثباتها، وتكتب في سجلات التاريخ أن اليمن لا يُكسر، وأن من أراد له الذلَّ كان أول من ذاق الهزيمة.