رغم الفارق الكبير وغير المقارن في القدرات العسكرية والقتالية والتسليحية.. غزة تنتصر ومشروع الاحتلال يحتضر

نتيجة الصمود الأسطوري والاستثنائي الذي سطره أهالي قطاع غزة العزة شعبا ومقاومة في وجه العدوان الصهيوني الفاشي وحرب الإبادة والتدمير والحصار والتجويع، وكذا استبسال وعنفوان وبأس الأبطال في التصدي للعدوان

رغم الفارق الكبير وغير المقارن في القدرات العسكرية والقتالية والتسليحية.. غزة تنتصر ومشروع الاحتلال يحتضر

والتنكيل بقوات جيش الاحتلال المتوغلة في القطاع وتكبيدها خسائر كبيرة وفادحة في الأرواح والعتاد حتى آخر لحظة من معركة المواجهة، حال هذا الصمود والاستبسال بين العدو وبين تحقيق أي هدف من أهداف حربه العدوانية المسعورة، نتيجة لذلك أرغم العدو الصهيوني المتغطرس الجبان على الرضوخ واستجداء من ينقذه من مأزق حرب الاستنزاف التي أنهكته وأظهرت حقيقة عجزه وفشله ووهن جيشه أمام أبطال المقاومة الفلسطينية رغم الفارق الكبير والذي لا يقارن في القدرات العسكرية والقتالية والتسليحية.. وبعد عامين من الغرور والاستكبار والقصف المتواصل والتدمير الشامل والإبادة والحصار والتجويع لم يستطع العدو أن يحقق أي من الأهداف المعلنة لحربه العدوانية الفاشية، حتى جاءت خطة ترامب وتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وصولاً إلى التوقيع على وثيقة إنهاء الحرب بقطاع غزة في "قمة السلام" بشرم الشيخ المصرية.. تفاصيل في السياق التالي :

موسى محمد حسن

من المنتصر في الحرب؟! يتردد هذا التساؤل على السنة الكثيرين اليوم بعد الإعلان عن إتفاق وقف إطلاق النار ووقف الحرب العدوانية الصهيونية على قطاع غزة والتي استمرت أكثر من عامين.
وللإجابة على هذا السؤال علينا أن ننظر بموضوعية وواقعية إلى ما حققه كل طرف -المقاومة الفلسطينية وكيان الاحتلال الصهيوني- من نتائج على أرض الميدان بناءً على ما حدده كل طرف أيضا من أهداف لخوض هذه الحرب.

وهذا ما سنتناوله فيما يلي بتفصيل موجز.
خاضت المقاومة الفلسطينية الباسلة في غزة العزة والكرامة معركة الطوفان والتصدي للعدوان الصهيوني الفاشي وهي تدرك حجم التفاوت العسكري والاقتصادي بينها وبين كيان الاحتلال، لكنها وضعت لنفسها مجموعة من الأهداف الواقعية والمحددة.. وعلى الرغم من الكلفة الإنسانية الباهظة جراء حرب الإبادة والتدمير والحصار والتجويع والنزوح والتهجير القسري ومحاولات التطهير العرقي، ونتيجة الثبات والصمود الاستثنائي والأسطوري للمقاومة ومجتمعها في غزة العزة، فقد تمكنت من تحقيق أغلب تلك الأهداف إن لم نقل كافة الأهداف.
في المقابل، أعلن كيان الاحتلال الصهيوني منذ الأيام الأولى للعدوان الفاشي وحرب الإبادة أهدافًا طموحة وعلنية: القضاء على حماس كليًا، استعادة جميع الأسرى الصهاينة بالقوة، استعادة الردع، وإعادة صياغة واقع غزة بما يخدم أمنه القومي. لكن بعد عامين من العدوان الوحشي ومن معارك المواجهة مع فصائل المقاومة الفلسطينية، انتهت الحرب العدوانية دون تحقيق أي من تلك الأهداف الصهيونية، ليجد كيان الاحتلال نفسه أمام مأزق استراتيجي يتمثل في الخروج من الحرب المسعورة التي استمرت لأكثر من عامين بلا إنجاز حقيقي.
وللإجابة على التساؤل المطروح آنفا، لابد أن نجيب على سؤالين آخرين لنصل إلى إجابة موضوعية وواقعية عن المنتصر الحقيقي في معركة المواجهة بين كيان الاحتلال الصهيوني والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.. والسؤالين هما:
الأول: ما الذي أرادت المقاومة تحقيقه، وما الذي تحقق فعلاً؟
الثاني: ما الذي سعى إليه كيان الاحتلال، وإلى أي مدى فشل في بلوغه؟
ومن خلال هذا المنهج البحثي الاستقرائي، يمكن أن نصل إلى قراءة أكثر توازنًا وعلمية لمفهوم النصر والهزيمة، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي النفسي الذي يغلّف المشهد منذ اليوم الأول للحرب.

أولاً: أهداف المقاومة الفلسطينية ونتائجها
منذ اليوم الأول لعملية الطوفان والتصدي للعدوان وضعت المقاومة الفلسطينية جملة من الأهداف المعلنة والضمنية، تمحورت حول الصمود، والبقاء، وإعادة تعريف القضية الفلسطينية عالميًا .. وبالنظر إلى نتائج معركة المواجهة بعد عامين، يمكن رصد تحقق أغلب تلك الأهداف:

ملف الأسرى:
نجحت المقاومة في الاحتفاظ بأكثر من 48 أسيرًا صهيونيًا أحياءً وأموات، وهو ما أبقى بيدها ورقة تفاوضية ثمينة. حيث ستتمكن من إطلاق سراح آلاف الأسرى الفلسطينيين (ما يزيد عن 1700 أسير)، و(250 أسيرًا محكومًا بالمؤبد)، ضمن صفقة تبادل مثّلت انتكاسة سياسية وأمنية لكيان الاحتلال.

البقاء السياسي والعسكري:
رغم الدمار الهائل والتضحيات الكبيرة، لم تنهر الفصائل الفلسطينية أو تتفكك، بل ظلت متماسكة وحافظت قدراتها العسكرية على قيادتها وهيكليتها في غزة بشكل مرن.

منع التهجير:
فشلت كافة الخطط التي وضعها كيان الاحتلال الصهيوني (خطة الجنرالات وعربات جدعون وغيرها) في تهجير سكان قطاع غزة نحو سيناء أو الخارج أو حتى إخلاء الشمال، وبدأت مؤشرات عودة السكان إلى شمال غزة، رغم محاولات الاحتلال عرقلة ذلك. هذا الإنجاز يؤكد فشل هدف كيان الاحتلال القائم على "تطهير القطاع" وإحداث تغيير ديموغرافي جذري، أو إحياء الاستيطان.

إعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية:
أعادت الحرب القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي، بعد أن كانت مهددة بالنسيان في ظل موجة التطبيع.. واليوم، باتت فلسطين مجددًا قضية ضمير عالمي، وحركات التضامن تنتشر في الغرب بوتيرة متسارعة ومتصاعدة لم تُسجل منذ عقود.

تعطيل موجة التطبيع:
تسبب العدوان الصهيوني وحرب الإبادة التي شنها كيان الاحتلال على قطاع غزة في تجميد أو تعطيل مسار التطبيع مع العدو الصهيوني الذي انطلق عبر "اتفاقيات أبراهام". ولم تجرؤ أي دولة عربية جديدة على الانضمام للمسار التطبيعي، بل ظهرت تباينات علنية بين كيان الاحتلال وعدد من حلفائها في المنطقة.

ثانياً: الأهداف الصهيونية ونتائجها:
على الجانب المقابل، أعلن كيان الاحتلال على لسان رئيس حكومته ومسؤوليه وقادته العسكريين أهدافه منذ الأيام الأولى للعدوان وحرب الإبادة، وكان أبرزها:

القضاء على المقاومة الفلسطينية:
فشل كيان الاحتلال عسكريًا في تحقيق هذا الهدف. فبعد عامين من القتال، ما زالت حماس قائمة كقوة سياسية وعسكرية وهذا ما يظهره الميدان، وجلوس قيادتها على طاولة التفاوض غير المباشر مع مندوبي العدو الصهيوني في شرم الشيخ.

استعادة الأسرى الصهاينة بالقوة:
رغم التوغلات البرية الواسعة لقوات جيش الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة بعشرات الألوية والفرق العسكرية وكذا العمليات الخاصة التي نفذها جيش الاحتلال، فشل العدو في استعادة أسراه عسكريا، واضطر الكيان الصهيوني للجوء إلى مفاوضات غير مباشرة مع حماس، وهو اعتراف ضمني بفشل استراتيجيته.

تقييم وقياس نتائج الحرب:
سعى كيان الاحتلال لتثبيت روايته بأن "طوفان الأقصى" كان عملاً إرهابيًا معزولاً، لكن حملاته الإعلامية فشلت مع مرور الوقت. بل إن التيار المؤيد للمقاومة والقضية الفلسطينية صعد عالميًا، فيما يواجه كيان الاحتلال أزمة صورة غير مسبوقة، وبات منبوذا.
ومن منظور تقييم الأداء العملياتي، تُقاس نتائج أي حملة عسكرية بمؤشرات موضوعية: السيطرة الإقليمية المستدامة، تحييد قدرات الخصم القتالية، كسر إرادته على القتال، أو تحقيق أهداف سياسية ملموسة.
في الحالة الصهيونية، كانت الأهداف المعلنة واضحة. لكن على أرض الواقع، وبعد عدوان وحشي وحصار وتجويع وحرب إبادة جماعية غير مسبوقة في العصر الحديث امتدت لعامين فوق مساحة جغرافية لا تتجاوز 350 كلم² فقط، تبيّن أن أي هدف من الأهداف الصهيونية لم يتحقق فعلياً. منظومة القيادة والسيطرة لدى المقاومة بقيت مرنة، قدرات العسكرية وعملياتها النوعية تواصلت واستمرت بوتيرة منتظمة، والشرط التفاوضي "لا أسرى بدون تفاوض" ظل ثابتاً.
اعتمد العدو على نمط الحصار المطبق والخانق والتجويع وعمليات القصف المتواصل والتدمير الشامل والنسف الواسع والإبادة الجماعية لخلق صورة "نصر إعلامي"، لكن وفق مبادئ الحرب غير المتناظرة ومكافحة التمرّد، فإن النجاح لا يُقاس بحجم الدمار، بل بقدرة القوة المهاجمة على منع الخصم من إعادة بناء قدراته، وحرمانه من المبادرة، وإخضاعه لسيطرة دائمة، وكل ذلك لم يتحقق.

الاعتراف الصهيوني بالنتائج:
رغم الرقابة العسكرية وهيمنة الرواية الرسمية، ظهرت في الإعلام العبري تصريحات وتحليلات تعكس اعترافاً غير مباشر بانتصار المقاومة الفلسطينية أو على الأقل بفشل الأهداف الصهيونية:
مراسل قناة كان - القناة الرسمية – 9 أكتوبر 2025: "الجميع هنا كان ينتظر صورة حماس تستسلم في إذلال، لكن الصورة التي رأيناها اليوم لا تشبه ذلك على الإطلاق".
خايم ليفينسون – هآرتس: "لن يكون هناك احتلال لغزة، ولن تُبنى مستوطنات هناك، وأي محاولة ستُواجه مقاطعة دولية كبرى". (تأكيد على نجاح المقاومة الفلسطينية في فرض معادلة الردع السياسي).
ليمور سون هار-ميليخ – عضو كنيست: "إطلاق السجناء الفلسطينيين يشكل خطراً على إسرائيل… هذا الاتفاق سيؤدي إلى كارثة أخرى". (إقرار بأن حماس نجحت في استعادة أسراها عبر صفقة غير مسبوقة).
أهرون بريغمان – أستاذ في King’s College ومؤرخ صهيوني:"بينما انتصرت إسرائيل على خصومها القويين، فشلت أمام خصمها الأضعف حماس، التي حققت أهدافها: إنهاء الحرب، انسحاب إسرائيلي، وإطلاق سجناء فلسطينيين."
كما كتب في منشور آخر: "المؤرخون المستقبليون سيرون هذا، رغم الدمار في القطاع، كانتصار فلسطيني كبير… فكرة الدولة الفلسطينية عادت إلى الطاولة، بينما إسرائيل أصبحت دولة منبوذة".
هآرتس – 10 أكتوبر 2025: "حماس حققت إنجازين كبيرين: إعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة، وإطلاق مئات السجناء… الاتفاق يمثل ختاماً واضحاً لعودة القضية الفلسطينية".
هذه الشهادات الصهيونية باختلاف مصادرها، تعكس إجماعًا صهيونيًا ضمنيًا على أن كيان الاحتلال فشل في تحقيق أهدافه الاستراتيجية، بينما حماس خرجت من الحرب كفاعل باقٍ ومؤثر.

إنجازات المقاومة وتحديات ما بعد الحرب
بالتوصل إلى اتفاق وقف اطلاق النار، حققت المقاومة الفلسطينية إنجازًا مهمًا تمثل في وقف الإبادة واستعادة مشروعيتها على الصعيد الدولي، وضمان بقاء سكان القطاع في أرضهم. إلا أن هذا التوقف المؤقت لم يُنهِ التحديات، فحرية الحركة في غزة والضفة، واستمرار التهديدات بالقصف، وتدخل القوى الإقليمية المختلفة، تشكل مخاطر دائمة على استقرار القطاع.
وقد لعبت مجموعة من العوامل دورًا حاسمًا في فرض وقف إطلاق النار ووقف العدوان الصهيوني على غزة، من بينها الوضع الدولي، وجبهات الاسناد وخاصة جبهة اليمن التي استمرت دون توقف حتى الاعلان عن وقف إطلاق النار ووقف العدوان الصهيوني على قطاع غزة، بالإضافة إلى تخلخل التوازن الداخلي في الجيش الصهيوني وانقسام الشارع في كيان الاحتلال، إلى جانب الكلفة الاقتصادية العالية للتوغل البري في قطاع غزة التي بلغت نحو 18 مليار دولار سنويًا. كما ساهمت العوامل الإقليمية، مثل دور إيران القوي في مساندة ودعم وتسليح المقاومة، والتوترات في لبنان والعراق، في فرض قيود على العودة إلى التصعيد.
ولذلك فإن كيان الاحتلال يواجه تحديات داخلية وخارجية كبيرة، من بينها سقوط مشاريع التهجير والاستيطان والحكم العسكري المباشر لقطاع غزة، وازدياد عزلة الكيان دوليًا. هذه المعادلة تؤكد أن وقف النار يمثل انتصارًا سياسيًا واستراتيجيًا للمقاومة الفلسطينية.

معيار الانتصار:
إن معيار الانتصار في الحروب لا يُقاس بالدمار أو الخسائر البشرية، بل بتحقيق الأهداف الإستراتيجية والسياسية.وبناءً على ذلك، فإن المقاومة الفلسطينية حققت انتصارًا واضحًا وفق هذا المعيار:
- حافظت على وجودها وبنيتها السياسية والعسكرية.
- أطلقت آلاف الأسرى.
- أعادت فلسطين وقضيتها إلى الواجهة العالمية.

منعت التهجير.
- أوقفت مسار التطبيع العربي.
في المقابل، فشل كيان الاحتلال الصهيوني في تحقيق أيٍّ من أهدافه المعلنة، وتراجعت مكانته الدولية، فيما يزداد انقسامه الداخلي أكثر فأكثر يوما بعد آخر.
وهنا يمكن القول بل الجزم إن الإنتصار في هذه المعركة كان فلسطينيًا بالمعنى الإستراتيجي والتاريخي.. فالمقاومة لم تُهزم رغم كل ما وُجه ضدها من آلة عسكرية وإعلامية غير مسبوقة، بل خرجت من الحرب أكثر حضورًا في الوعي الدولي وأكثر رسوخًا في الأرض التي حاول العدو اقتلاعها منها.
أما كيان الاحتلال، فقد خسر المعركة بالفشل الذريع في تحقيق أي هدف من أهداف حربه العدوانية الفاشية رغم الدعم الأمريكي والغربي اللامحدود.


طباعة